مستقبل اليسار العربي

تم نشره في السبت 13 كانون الأول / ديسمبر 2008. 02:00 صباحاً

 

على الرغم من المحدودية الراهنة لقواعدهم المجتمعية، وضعفهم التنظيمي، وقسوة القيود الرسمية المفروضة على حركتهم، تمتلك قوى اليسار في البلدان العربية –باستثناء بعض دول الخليج- فرصاً اجتماعية ومساحات سياسية حقيقية، لصياغة رؤى بديلة لتوجهات نخب الحكم وقناعات الإسلاميين، ومن ثم للتحرك الشعبي الفعال.

تعاني المجتمعات العربية من اختلالات اقتصادية واجتماعية طاحنة، أبرزها الفقر والبطالة والأمية، وانهيار مستويات الخدمات الأساسية المقدمة في قطاعات حيوية، كالتعليم والصحة، وتهافت شبكة الضمان الاجتماعي. وقد عمّقت سياسات تحرير الاقتصاد، والمقاربات النيوليبرالية التي اتبعها كثير من نخب الحكم منذ التسعينيات، وعلى نحو تصاعدي خلال الأعوام القليلة الماضية، من هذه الاختلالات، ودفعت القطاعات الشعبية الفقيرة ومحدودة الدخل نحو لحظة تأزّم حقيقية. أما الحركات الإسلامية، وفي مقدمتها جماعات الإخوان، فما زالت تفتقد القراءة الواضحة لكيفية التعامل مع الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية، وتتأرجح في مقولاتها البرامجية ومواقفها العلنية بين نزوع شبه ليبرالي يعوّل على السوق والقطاع الخاص، ونزوع شبه يساري يريد التأسيس للدولة القوية الوصية على المجتمع، أو استعادة سطوتها.

هنا، يملك اليسار المنظم حزبياً، وكذلك فعاليات اليسار الجديد الحاضرة في المجتمع المدني، وداخل حركات الاحتجاج الاجتماعي، ومنظمات حقوق الإنسان، فرصة حقيقية لصياغة رؤية بديلة، تدفع إلى الواجهة بقضايا العدالة والمساواة، وتكثّف النقاش حول العقد الاجتماعي المفقود في بلاد العرب، وحاجتنا الماسة للتوافق بشأن كيفية تقليص الفجوة متزايدة الاتساع بين الأغنياء والفقراء، والحد من البطالة والأمية، وضمان حد أدنى من الحياة الكريمة لجميع المواطنين.

على صعيد ثانٍ، لم يرتب رفع نخب الحكم يافطات الإصلاح والانفتاح الديمقراطي، خلال الأعوام الماضية، نقلات إيجابية في مجال ممارسة الحريات السياسية والمدنية، أو احترام حقوق الإنسان. كذلك لم يؤد تصاعد حراك الإسلاميين، وتنامي وزنهم السياسي، إلى اتساع مستدام لساحات المنافسة الحزبية، إذ عجز الإسلاميون في الأغلب الأعم عن وضع ضغوط فعلية على النخب للإصلاح الديمقراطي، وصياغة خطاب يعتمد الديمقراطية من دون تحفظات.

تدني مستويات ممارسة الحريات السياسية والمدنية، وتراجع مصداقية يافطات الإصلاح الحكومية والإسلامية، يتيح لقوى اليسار الاعتماد على قضايا مثل حرية التنظيم الحزبي والنقابي، وضمانات نزاهة الانتخابات، وحق المواطنين في التعبير الحر عن قناعاتهم، وممارسة النشاط العام، كمرتكزات لدورهم في الحياة السياسية في المجتمعات العربية. الشرط الأساس هنا هو إنتاج خطاب ديمقراطي واضح المعالم، يستند إلى مبادئ مواطنة الحقوق المتساوية والتعددية وتداول السلطة وحكم القانون، ويتجه في ممارسة متسقة إلى المواطنين، بخاصة أولئك المحرومين سياسياً ومدنياً أكثر من غيرهم، كالأقليات والنساء.

أخيراً، لا شك أن حالة الاستقطاب بين نخب الحكم والإسلاميين، أدت إلى هيمنة لغة المعادلات الصفرية ومقاربات الأبيض والأسود التسطيحية، على مجمل النقاش العام والحياة السياسية. واقع الأمر أن العديد من سياسيي وحركيي اليسار قد وقعوا في شراك ذات التسطيح، فليست النخب بكل مكوناتها، وليس الإسلاميون على اختلاف قناعاتهم، هم محور المشكلة، بل إن التعثر البادي للمقاربات النيوليبرالية يشجع العناصر المسؤولة اجتماعياً داخل النخب، على المطالبة العلنية بتغيير المسار الاقتصادي، وينطبق ذات الأمر على معتدلي الإسلاميين الباحثين عن التزام استراتيجي جدي من جانب حركاتهم بالديمقراطية، وتفعيل مبدأ العدالة المركزي في الرؤى الدينية للمجتمع والسياسة. نعم هناك في اللحظة الراهنة غلبة بادية لتوجهات رسمية وإسلامية، إما ذات تداعيات سلبية على مجتمعاتنا أو عديمة الفاعلية. إلا أن البحث عن إمكانيات الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي والتحول الديمقراطي، إن أريد له أن يكون واقعياً وجاداً، لا يستطيع أن يتجاهل التفكير المنظم في مساحات المشترك مع نخب الحكم والإسلاميين، ومن ثم تحديد المفردات والمضامين المحتملة للتنسيق والتعاون معهم بشأن قضايا العرب الرئيسية.

التعليق