كل عيد والقلوب مضاءة بالحب

تم نشره في الاثنين 8 كانون الأول / ديسمبر 2008. 03:00 صباحاً

 عند حافة الصبح، حيث الظلام ينسحب بخفة من السماء، كان استيقاظي. وبينما الأهل نيام كنت أروح أسترق النظر إلى خزانة الثياب لأملأ ناظري بملابس العيد. كنت ألمسها بارتجافة، فتسري في بدني كهرباء غريبة ولذيذة عز نظيرها. ها إنني بعد قليل سأرتدي الملابس المؤنقة التي ابتاعتها أمي من جبل الحسين. الحذاء أسود لامع يزداد بريقا كلما رفعته باتجاه الضوء. أما الملابس فمكوية ومزدانة بنمرتها المدلاة كعلامة دامغة على الجودة والجدة، حتى إنني رفضت ذات عيد التخلص منها، ما أثار ضحك الكثيرين ونال تعليقاتهم الساخرة.

وكنت، وأنا أقف أمام الخزانة التي تحتضن ألذ الأسرار، أفتعل إثارة جلبة عبر الفتح والإغلاق المتواترين للبوابات والجوارير، كيما أجعل أشقائي يصحون، فلا أبقى وحيدا تأكلني نيران الانتظار.

ولما تنجح محاولاتي التي لا تلقى تذمرا، نشرع في تناول إفطار العيد المؤلف من كبدة الخروف وأحشائه الطازجات المقليات بالبصل. ورغم لذاذة الطعام، إلا أن ارتداء الملابس الجديدة ألذ وأطيب.

وتكون أن تمل المرآة فرط وقوفي قدامها، كما لو أن نرسيسا يتأمل خيالاته. لكن من حسن الحظ أنّ لا ماء بحيرة أمامي كي أسقط مغشيا فيه، على ما تقوله الأسطورة.

ولما أتأكد من أن أناقتي بلغت أوجا لا يضاهى، كنت أهجم على يديْ أمي أقبلهما كي أحظى بالعيدية، ثم أتوجه إلى الحجة زوجة أبي فأقبّل جبهتها العالية، وأنتظر كي تفتح صرة نقودها وتقول لي اختر ما تشاء وخذ ما تريد. ياه كم أفتقد الآن الحجة رحمها الله، وكم أشعر باليتم الحقيقي لأن كوكب أمومة وحكايات وطيب انطفأ.

مشوار العيد والتعييد كان يقتصر على شقيقتيّ المتزوجتين عائشة ومريم. ولم يكن يعنيني آنذاك سواهما، لأن ثمة بهجات لا تنتظر، فهناك المراجيح في السفح الفاصل بين مخيم الحسين وجبل الحسين والتي نادرا ما كنت أعود منها من غير أن أمزق بنطالا أو قميصا. وذات مرة طارت فردة حذائي في الهواء ولم أعثر عليها وعدت بخفّ واحد، فنلت نصيبي من العقاب.

وكان أقصى طموحاتي في العيد أن ألعب في مدينة الملاهي في رأس العين. وظل الوصول إليها بمثابة رحلة تعتورها المغامرة. وكان برفقتي أخواي عيسى ومحمد، فأروح أستبد بهما، لكنهما، فيما أظن، كانا يعودان فرحين، فالذهاب إلى الملاهي لا يتوفر لجميع أقراننا، ما يجعل سرد حكاية المغامرة قصرا علينا، نحن الثلاثة، الذين يطيب لنا أن نسهب في السرد وفي اختلاق وقائع لم تحدث، كي نضفي على الرحلة مهابة ودهشة.

وبين هذا وذاك كان ابتياع المسدسات البلاستيكية أمرا لا مندوحة منه، لأن ثمة كاميرا في استوديو في أول المخيم تنتظرنا نحن الثلاثة، بالإضافة إلى شقيقتنا يسرى، لكي تخلد هذه اللحظة التي لا تضاهى.

 والآن وأنا أحدق في تلك الصور، أذهب بكل ما في القلب من شغف إلى ذلك الزمان المطرز بالبهجة، وأرى المشاهد تتوالى بإيقاع مختلف فرسانه أطفالي الأصدقاء ريف وعودة وعمرو، ورابعهم رايان الذي يحبو، وأراقبهم وهم يبعثون ذلك الزمان الجميل وينفخون فيه من أنفاس براءتهم، فأشعر أن شلال الفرح لا ينقطع وأن الطفولة كما الحب لا يمكنها أن تذوي أو تتآكل مهما تراكمت المرارات أو أثقلت الروحَ جبالُ الهموم.

بالحب والطفولة نرسم فرحة العيد، وبهما نأتلق، ونهزم الأحزان والآلام.

فكل عيد والقلوب مضاءة بالحب.

كل عيد والطفولة تلهو في شراييننا وترشق أيامنا بالشغب البهي.

  m.barhouma@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »كل عيد وأبنائي بخير (فتحي الضمور)

    الخميس 11 كانون الأول / ديسمبر 2008.
    استيقظت على نحيب جارناوقد فجع بأحد ابنائه أول أيام العيد فاي قلب يضاء بالحب وأي حب يملا قلبه بعد فجيعته بابنه وقد كانت ملابس عيده قطعة قماش بيضاء لا يحضنها ويشتمها سوى التراب ولأنني استمد الحب من خلال أبنائي ولأنهم يضيئون قلبي بالحب ولأنني أحب أن أهنئك يا صديقي برهومة ومن أحب بالعيد أقول كل عام وأبنائي وأحبتي بخير وكل عام وأطفال فلسطين والعروبة بالف خير
  • »ومضات خاطفة (أروى أبو فحيدة)

    الأربعاء 10 كانون الأول / ديسمبر 2008.
    ليت الكمال لكل شيء وللبراءة والفرح اللذين تتحدث عنهما توازن واكتمال فما هماسوى أضواء خاطفة تضيء في وقت معين ومرحلة معينة في فضائنا الأسود أو بالأحرى صندوقنا الأسودالذي تحمله أجسادنا فعندما يشحن بالشحنات الكهربائية يصبح أسودا مثل حامليه يعج بالفوضى والعبث من ِشأنه تحطيم الهوية ايا كانت فيا ليت العيد يبقى عيدا والحب يبقى حبا والطفولة لا تتحول للغز لا يفهم فهل تحس بعمق ذلك وما حوله ياسيدي الأكرم ؟ وكل الشكر
  • »كل عام والجميع بخير (محمود العزامي)

    الاثنين 8 كانون الأول / ديسمبر 2008.
    كل عام وأنت بخير
    كل عام وجميع القراء والعاملين في الغد بألف خير
  • »جدي هو بهجة العيد (سندس داود)

    الاثنين 8 كانون الأول / ديسمبر 2008.
    ترتبط مدينة الملاهي بالعيد إلا أن في ذهني كانت بهجة العيد هو وقت أطول في حضن جدي..كان الثوب غالي الثمن و مدينة الملاهي ورائحة المفرقعات بمثابة إلتزامات العيد التي تقيدني! جدي كان بهيا لكن ألقه كان أكثر سحرا في العيد..كان يفلت عنان شغبي وشغفي ويدفعني للتمرد على حصار كل القوانين اليوميه وكل القواعد، كان العيد مع جدي هو إنصهار في الأشجار والشاطيء والمراجيح، كان حضنا دافيء يعانق كل حكاياتي المنسوجه من خيالي أمام بوابة البيت الكبير، كان يحرس طفولتي..لا بل يتابعها، يشهدها، ويتعلم تفاصيلها
    هكذا أصبح صديق طفولتي وبهجة عيدي، كبرت كي أكمل رحلة الحياه مع ذكريات غامره بفرح الطفوله رغم الغربة القاسيه التي سلبت العيد منذ وقت طويل.
    كل عيد وقلبي مضاء بالحب..حب يتجدد لجدي ترافقه قبله قلبيه أخيره على جبهته الشامخه لاني حرمت منها قبل ذهابه في سباته الأزلي.