الدور الأردني في حل الأزمات العراقية

تم نشره في الاثنين 8 كانون الأول / ديسمبر 2008. 03:00 صباحاً

ليس سهلا تسطير دور الأردن تجاه العراق في مقال واحد، فما قام به الأردن من أدوار إيجابية حيال الأزمات المتتالية التي مر بها العراق سجلته صفحات التاريخ التي ستقلبُها الأجيال. 

خلال حرب السنوات الثماني كان موقف المغفور له جلالة الملك الحسين واضحاً عندما حول الأردن الى رئة يتنفس بها العراقيون، وأدرك المخاطر التي تحيط بالعراق، بعد انتهاء حرب 1991، فتبنى خطوات استباقية، لم تسمح الظروف الدولية آنذاك بتحقيقها.

وحصل الذي حصل، وكان الأردن سباقاً في التواجد على الساحة العراقية، متبنياً مواقف مميزة لمصلحة الشعب العراقي، أصبح بسببها هدفاً لقوى الإرهاب، ومن يدفعهم من الساعين من جهة الشرق، لتفريغ العراق من وجود أشقائه، في محاولة يائسة لسلخ العراق عن محيطه الأبدي. لكن الأردن بقي مع العراق وفي العراق سباقاً لكل المواقف العربية.

ووقف الأردن بحكمة قيادة جلالة الملك الشجاع عبدالله الثاني ابن الحسين ، وخلفه كل مؤسسات الأردن وشعبه الأصيل، الى جانب الشعب العراقي في كل محنة مر بها.

ولم يكتف المتربصون باستهداف الأردن من خلال سفارته، ولا من خلال الإعلام الأصفر، بل حاولوا نقل العنف الى عمان درة البيداء. فكانت عين الله وعيون المخابرات الثاقبة لهم بالمرصاد.

لم يشهد العراق عاماً أسوأ مما حصل عام 2006، عندما بدأت الأفاعي الصفراء، المعدة من جهة الشرق، وبتخطيط وتحريض وتجهيز منه تنفث سمومها، لتفريغ بغداد من أهلها، خصوصا من قادة وضباط جيش قدر لهم أن يتصدوا دفاعاً عن بلادهم في حرب السنوات الثماني، بصرف النظر عن هويتهم. وكان الهدف إلقاء ملايين العراقيين الى خارج الحدود. فوضع الأردن أمام خيارات صعبة ومعقدة، لأن فتح الحدود يترتب عليه تحقيق هدف رياح الشرق الصفراء، ومعهم تنظيم القاعدة الارهابي، وغلقها يعني ترك القادمين تحت رحمة العنف. فكانت الموازنة الدقيقة، بأفضل ما يمكن تسجيله في صفحات التاريخ. موازنة تستند الى البقاء الأردني في العراق، واستيعاب ما يفوق قدرة الاستيعاب، والتعامل مع كل العراقيين بغض النظر عن الهوية.

فتحت عمان وأخواتها من مدن الأردن، أبوابها أمام رقم ربما وصل في فترة ما الى المليون، من السنة والشيعة والكرد..الخ متحملة تبعات ذلك بمنطلقات عروبية وإنسانية أصيلة. تبعات على السكن والمدارس والطاقة والمعيشة، وحتى الماء. وبقيت المنظمات العالمية ومصادر الدعم العربي، بعيدة كل البعد عن تحمل جزء من نفقات الأردن المضافة من جراء استقبال العراقيين.

ولم تصبح عمان مأوى لعموم الباحثين عن الأمن فحسب، بل مأوى ومستقرا لكبار السياسيين والبرلمانيين العراقيين وعوائلهم، ومنارة إعلامية لكل من يلتزم بالمبادئ الإنسانية ويحرص على العراق، من بينهم خيرة جنرالات الجيش(السابق)، الذين أرادت أيادي الغدر تصفيتهم، ولم يكن قادة في الجيش الحالي بعيدين عن عمان.

وإذا كان من حق الأردن الفخر بما قام به، وهو كذلك، فللعراقيين الفخر في اختيارهم جهة المغرب من العراق، وليس المشرق، وانتشر الشيعة والسنة في الأردن، وليس في الشرق، كتعبير حقيقي عن أصالة الانتماء والتمسك بالمحيط، ذلك المحيط الذي يوحد ولا يفرق بين حرفي الشين والسين، بل على أساس الفعل والموقف.

لقد تجاوز الأردن كل قواعد الإقامة المتعارف عليها عربياً ودولياً، إدراكاً لمتطلبات المرحلة التاريخية هذه. وسيبقى العراقيون يذكرون ذلك. فهل يؤدي ما حصل الى وضع الروابط موضع التنفيذ العملي مستقبلاً؟

الروابط الإنسانية مهمة على كل الاتجاهات، إلا أن من الحق والواجب ربطها بشبكات أخرى على الأرض، بما  يخدم مصالح البلدين. منها:

- طبقا للتهديدات الايرانية المستمرة، والمتصاعدة، وحالات التوتر المستمرة في الخليج، يصبح من مصلحة العراق، والأردن بالطبع، التفكير جدياً، ليس في تغذية المصافي الأردنية بالنفط فحسب، بل في مد شبكات أنابيب ضخمة لنقل النفط الى العقبة، توخياً لتعدد مصادر التصدير، وزيادة الإنتاج المستقبلي، وعدم جعلها رهينة بحالات التوتر البعيدة عن الانفراج القريب.

- مبادرة العراق بتوسيع نطاق النقل الاستراتيجي مع الأردن، من خلال تحسين الطرق الأردنية ومد خطوط للسكك الحديد الى العقبة بتمويل عراقي. لأن الموانئ العراقية لن تكون في يوم من الأيام كافية لاستيعاب التجارة العراقية.

- الانفتاح على المؤسسات الاقتصادية الأردنية.

- إقامة مشاريع اقتصادية استراتيجية مشتركة على الأراضي الأردنية.

- زيادة تخصيصات العراق المالية للعراقيين المقيمين في الأردن، على شكل دفعات مالية للأردن للمساهمة في مصروفاته المضافة من جراء الوجود العراقي، وللعراقيين أنفسهم، ريثما تتوافر ظروف عودتهم الى العراق.

ختاما، تحية للأردن قيادة وشعباً، وللعيون التي ضمنت الأمن، من دون التأثير على أشقائهم العراقيين، وديعة العراق في الأردن. وتحية للعراقيين الذين أحسنوا أصول الضيافة وأحسنوا فهم هواجس الأمن وضروراته.

*المدير السابق للمخابرات العراقية المقيم حاليا في لندن

walsammarai@yahoo.com

التعليق