قانون الأحوال الشخصية

تم نشره في الأربعاء 3 كانون الأول / ديسمبر 2008. 03:00 صباحاً

قانون الأحوال الشخصية من أهم وأخطر التشريعات في أي مجتمع، لأنه يمثل هوية المجتمع ومرجعياته من القيم والأخلاق والأسس التي تنظم العلاقات داخل المجتمع، وتبني الأسرة، إلى غير ذلك من القضايا المفصلية.

رغم أهمية هذا القانون، إلا أن من السهل والمتيسر الاتفاق عليه، إذ هناك مرجعية تحسم أي خلاف، وهي مدى توافقه وتطابقه مع أحكام الشريعة الإسلامية. أما القضايا التي تركها الدين للاجتهاد، فيمكن التحرك داخلها وممارسة الاختلاف والاجتهاد فيها.

هذه الأمور البديهية، يجب أن يتم التأكيد عليها، لنختزل الكثير مما لا يجوز من الاختلاف، لأننا هنا لا نتحدث عن قضايا شخصية أو ممارسة فردية، بل عن قانون يحكم المجتمع. والقضايا التي يمكن تعديلها هي تلك القضايا التي سمح الإسلام بتعديلها، أما الأمور والأحكام القطعية  أو التي تتعارض مع مقاصد الشريعة، فليس من الحكمة أن نخوض فيها، لأن في هذا تضييع للوقت، وهو في النهاية يتعارض مع مرجعية المجتمع وشريعته.

لن أخوض في كل التفاصيل، لكنني أشير إلى قضية استمعت حولها إلى رأي من العالم الفاضل الدكتور إبراهيم زيد الكيلاني، تتعلق بإحدى المواد المقترح تعديلها، بحيث يعطي التعديل للفتاة التي تبلغ سن الثامنة عشرة حق الزواج من دون علم أو إذن وليها، وهو تعديل يرى الدكتور الكيلاني أنه سيترك مردوداً سلبياً على تماسك الأسرة، وهذا رأي وجيه، فهناك فرق بين حق الفتاة في رفض أو قبول من يتقدم لها، وهو حق ضمنه الشرع لأن الزواج القائم على الإكراه يفقد مشروعيته، فالأب أو ولي الأمر لا يمكنه أن يفرض على ابنته زوجاً لا تريده، لكن التعديل المقترح لا علاقة له بهذا، بل يجعل الفتاة قادرة بموجب القانون على أن تتزوج من دون علم ولا شرط موافقة وليها، وساعتها يمكن للأب أن يسمع عن زواج ابنته بعد شهور، وهذا أمر يتعارض مع تماسك الأسرة والحفاظ عليها.

والمفارقة أن التشريعات في دول عربية عديدة، جعلت من حق الزوجة الأولى أن تبلَّغ وتعلم عن زواج زوجها من امرأة ثانية، بينما يأتي من يقدم تعديلاً يحرم الأب أو الولي من أن يعرف عن زواج ابنته، فالاقتراح المعدّل يعطي للفتاة الحق في الزواج من دون اشتراط علم ولا موافقة وليّها، ولعلي هنا أشير إلى قضية قد تخطر على بال البعض، وهي وجود سلوكيات غير طبيعية من أب قد يحرم ابنته من حق الزواج من شخص حسن المواصفات من دون سبب مقنع، لكن مثل هذه الحالات لها حلول في الشرع، فضلاً عن أن الحكم العام إنما يُبنى على القاعدة، لا على الاستثناء.

ما ذكرته مثالا نخرج منه إلى القاعدة العامة، فالقانون المعدل لدى مجلس النواب، وهناك من لا يمتلك الحماس لهذا القانون المعدل، لأنه يرى فيه مساراً غير إيجابي، والحل ليس بتعطيل القانون، بل بعرضه أولا على مجلس الإفتاء الأردني، ودائرة الإفتاء التي على رأسها عالم جليل محل ثقة في دينه وعلمه وحرصه على مجتمعه وهويته، وهو ومن معه ليسوا خارج العصر، ويدركون مساحة الاجتهاد، ويعلمون ما يُعد من الأحكام التي لا يجوز الاجتهاد فيها.

قانون الأحوال الشخصية تشريع في شكله الدستوري، لكن له خصوصية ومرجعية لا يمكن تجاوزها، وهي الشريعة الإسلامية، فالأمر ليس أفكاراً يتعلمها البعض في ندوة أو مؤتمر دولي، أو ترف لنخبة، بل هو دين واعتقاد، لكن هناك قضايا قد تكون اجتهادية، وهذه يحسمها العلماء، من دون أن نخلطها بأمور قد تكون سلوكيات مجتمع، وليست من الشريعة.

لعل جزءاً من الموقف من التعديلات، يعود إلى مشكلة تعاني منها بعض نخب النساء، اللواتي لم ينجحن في تقديم أنفسهن كحالة محلية، أو بصورة تجعلهن في نظر البعض محل ريبة فكرية، وأن ما يتم طرحه ليس أفكاراً غربية أو لإرضاء مؤسسات دولية تمول السفر والمؤتمرات والندوات والحملات الإعلامية. مثل هذه المشكلة تظهر في القضايا المهمة، فلو كان الأمر حثا للنساء على المشاركة في الانتخابات مثلاً، لكانت الأمور بلا تحفظات، لكن هذه الريبة الفكرية تظهر في القضايا المرتبطة بالقيم والدين، وهي مشكلة يفترض بهذه النخب أن تبحث عن حلول لها، لأنها أحياناً قد تؤثر سلبياً على تبني هذه المجموعات قضايا إيجابية ومهمة. إنها حالة اغتراب تظهر أحياناً، وتحتاج إلى معالجة جذرية.

أخيراً، فإن حسم أي جدل في هذه التشريعات المنبثقة من الدين، يتم أولاً عبر أهل العلم ومجلس الإفتاء، وأهل الرأي من العلماء، ثم يتولى مجلس الأمة النقاش في القضايا الاجتهادية، ضمن سياق مصلحة المجتمع والحفاظ على قيمه وتماسكه.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مساعده منكم (ص)

    الأربعاء 26 تشرين الأول / أكتوبر 2011.
    هل استطيع الزواج من امراة اجنبيه مسلمة فوق الاربعين دون وصي او وكيل يعني هل يوافقون ان تكون هي وكيلة نفسها؟؟ اريد الجواب ارجوكم من له علم
  • »مشان الله (مقهور)

    الأربعاء 3 كانون الأول / ديسمبر 2008.
    قال صلى الله عليه وسلم"لانكاح إلا بولي أمر" مشان الله ياجماعةخللولناأكم قانون مبني على أحكام الشريعة. والله الغرب كله مشاكل إجتماعية. شكرا لكاتبنا الاكثر من رائع
  • »لا للوصاية والاستبداد الاجتماعي (جميل الصراف)

    الأربعاء 3 كانون الأول / ديسمبر 2008.
    لدي سؤال أوجهه للمعترضين على التعديل القانوني الذي يعطي المرأة الحق بتزويج نفسها بدون (ولي أي وكيل) اسوة بالرجل

    لماذا لا يحق للمرأة والتي هي إنسان بالغ عاقل أن تقوم بالأصالة عن نفسها بإبرام وتوقيع عقد الزواج الخاص بها ، أسوة بباقي أنواع العقود التي يفترض المنطق السليم والفطرة أن أي إنسان يملك الأهلية العقلية وقد وصل إلى سن الرشد أي أصبح (غير قاصر ) من حقه ممارسة أعمال البيع والشراء لممتلكاته بنفسه وتوقيع العقود القانونية بالأصالة عن نفسه ،،، إن المنطق والعقل في كل التعاملات يؤكد على قاعدة (إذا حضر الأصيل بطل الوكيل) التي أشار اليها احد الزملاء.
  • »الحرية مضمونة (محمد عكور)

    الأربعاء 3 كانون الأول / ديسمبر 2008.
    بعد ان اطلعت على تعليقات بعض الاشخاص اردت ان اوضح شيء مهم وهو ان الحرية مضمونة مع وجود وصاية الاب حيث لا يمكن للوصي ان يزوج بدون موافقة و الفتاة تستطيع ان تلجأ للقاضي الشرعي في حالة الاكراه وابطال الزواج ولا يقل احد ان الضغط الاجتمتعي هو ما يمنعها في هذه الحالة لان الفتاة التي تخضع لهذا الضغط الاجتماعي (الغير مكتوب بقانون)هي نفسها لن تستفيد من رفع الوصاية القانونية لوليها عنها لانها ستبقى تحت تأثير نفس الضغط.
  • »I disagree (basel nabulsi)

    الأربعاء 3 كانون الأول / ديسمبر 2008.
    مجتمع ذكوري وسيبقى كذلك، أخالفك الرأي ، المرأه كائن حي ذو مقدرة عقلية مشابهة لمقدرتك وربما أكثر من الرجال ، فزواجها دون علم أهلها سيكون في حالات لا يسمح فيها الأهل بزواج الفتاة من شاب، فإذا ذهبت إلى المحكمة وتزوجت أمام القاضي ، فهذا يعني أنها اختارت الحلال لا الحرام ، ولاتقل لي أن الرجل يمكن أن يكون غير مناسب، هذه إحتمالية واردة، ولكنها انسانة عاقلة ، تقدر على تحمل نتائج ما اتخذته من قرارات
  • »الشريعة هي الأساس (عمار)

    الأربعاء 3 كانون الأول / ديسمبر 2008.
    كلام منطقي وسليم أخ سميح والشريعة هي أساس كل تشريع ، ألا يكفي من يطالب بهكذه أمور ما يرون من تفسخ وتفكك قيم المجتمع.
  • »نحتاج مزيد من المعرفة حول التعديلات (أسامة شحادة)

    الأربعاء 3 كانون الأول / ديسمبر 2008.
    يحتاج موضوع تعديل قانون الأحوال الشخصية لمزيد من المقالات التي تنور الرأي العام حيال التعديلات التي تعمل المنظمات النسوية ذات المنطلقات اليسارية والعلمانية على إدخالهاعلى القانون الحالي، وذلك أن القلة النشيطة وذات القدرات بفضل الدعم الدولي لمؤسساتهاتفرض مبادئها على الجمور العريض.
    وهناك تقصير من نواب الإخوان خصوصا في شرح التعديلات وبيان مدى موافقتها للشريعة الإسلامية
  • »الحنفية اجازوا ذلك!! وهناك فرق بين الفقه (اجتهاد بشري) والنص الشرعي (القراني)!! (امال)

    الأربعاء 3 كانون الأول / ديسمبر 2008.
    الموضوع يا سيدي اعمق من مجرد استثناءات، انه تعبير عن اعتراف بالاهلية والقدرة على صناعة القرار. فهل من المعقول ان انتظر موافقة وليي البالغ من العمر 15 عاما على زواجي وانا ادفع له ثمن سجائره!!! منطق لامنطق فيه. ومن ثم ما قولك في فيما يذهب له فقهاء الحنفية من جواز تزويج الحرة المكلفة نفسها، بكراً كانت أم ثيبا، رشيدة كانت أم سفيهة، سواء كان لها ولي أم لم يكن؛ لأنه لا ولاية إجبار عليها. كما أجاز أبو يوسف من الحنفية أن تزوج المرأة غيرها ، وأن تتولى طرف العقد بنفسها على من تريد ، وينعقد نكاحها إذا كانت حرة بالغة عاقلة .
    وقد استدل بعض الفقهاء الذين أجازوا حق المرأة في تزويج نفسها وغيرها ، بقوله تعالى: فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف. وقوله صلى الله عليه وسلم عندما أتته خنساء بنت خزام الانصارية تشكو أباها الذي لم يأذن لها في الاختيار بين خطيبين وزوّجها من أحدهما دون رضاها لا نكاح له، انكحي من شئت، ورد صلى الله عليه وسلم نكاح أبيها وأذن لها في الزواج بمن ترغب رغماً عن وليها، وهو أبوها . واستدلوا كذلك بتطليق الرسول صلى الله عليه وسلم بنت الصحابي الشهيد عثمان بن مظعون، عندما أرغمها عمها على الزواج من عبد الله بن عمر بن الخطاب ، وقال إنها يتيمة وإنها لا تنكح حتى تستأمر. و قوله صلى الله عليه وسلم: الأيم أحق بنفسها من وليها والبكر تستأذن في نفسها وإذنها صمتها ، متفق عليه. كما روي عن عائشة رضى الله عنها أن فتاة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله : إن أبي زوجني من إبن اخيه ليرفع بي خسيسته ، فأرسل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أبيها وجعل الأمر إليها ، فقالت : إني أجزت ما صنع أبي ولكن أردت أن تعلم النساء أن ليس للآباء من الأمر شيء ، وقيل أن لفظ النساء عام في الثيب والبكر. كما قالوا إن كان لا يحق للأب التصرف في شيء من مال الفتاة ولو قل إلا بإذنها ، فكيف له أن يتصرف في تزويجها بمن لا ترضاه ولا ترغبه. واستدل فقهاء هذا الاتجاه على جواز تزويج المرأة لغيرها بما ورد أن امرأة زوجت ابنتها برضاها فخاصمها أولياؤها إلى علي رضى الله عنه فأجاز النكاح، وقد روي عن عائشة رضي الله عنها أنها زوجت المنذر بن الزبير حفصة بنت عبد الرحمن وكان والدها غائباً بالشام.
  • »الدستور (محمد)

    الأربعاء 3 كانون الأول / ديسمبر 2008.
    ينص الدستور على أن القضاء الشرعي يطبق أحكام الشرع الشريف. يعني أن مرجعية القضاء الشرعي هي الشريعة مباشرة باعتبارها المصدر الرسمي الأول للاحوال الشخصية بغض النظر عن أي قانون يضعه مجلس الأمة. وبالتالي إذا تم تبني نص قانوني يخالف الشريعة فالقاضي الشرعي مطالب دستوريا بتجاهله في كل الأحوال والرجوع بنفسه إلى المصادر الشرعية.
  • »رأيي كمواطن بسيط (محمد عكور)

    الأربعاء 3 كانون الأول / ديسمبر 2008.
    الواقع انني اؤيد تماما ما ذكره الاستاذ سميح وهو يكاد ينطق بما في نفسي تماما وما في نفوس الكثير من المواطنين البسطاء و الحقيقة نحن كاناس عاديين صرنا نخاف من اولئك الذين ذكرهم الاستاذ سميح و الذين يظنون ان اموضوع قابل للتجربة و الخطا وهو في الحقيقة ليس كذلك املنا في لبناء هذا البلد المخلصين في الحكومة و مجلس الامة ان لا يسمحوا بمرور تجارب على نسيجنا الاجتماعي وقيمنا التي لا نستطيع ان نقبل المساس بها في اي وقت مهما كان الثمن
  • »حرية المرأة في اختيار شريك حياتها (Adam)

    الأربعاء 3 كانون الأول / ديسمبر 2008.
    من حق المرأة أن تختار شريك حياتها بعيدا عن وصاية الأب.

    والقاعدة القانونية تقول إذا حضر الأصيل بطل الوكيل ، ولا يحق لأي شخص أن ينوب عن شخص اخر ما لم يوكله هو


    نعم لحرية المرأة وحقها بتمثيل نفسها واختيار شريك حياتها أسوة بالرجل
  • »هذا من باراكات مؤتمر بكين (هاني الشعلان)

    الأربعاء 3 كانون الأول / ديسمبر 2008.
    الاخ سميح المعايطة ان المادة التي تحدثت في مقالك مأخوذة من مئتمر بكين والذي انقعفد بالتسعينات ، حيث كان التركيز فيه على خلخلةالبنية الاساسية للمجتمعات الشرقية وخاصة المسلمة منها بحجة حقوق المرأة والتي تعتبر شماعة يعلق عليها كل عابث ومفسد يرغب بطعن الدين ،
    وللأسف الشديد ان معظم الذين يتبنون هذه الاراء هم من الفاشلون في علاقاتهم لاسرية..
    ففي دراسة اعدها مركز الدراسات الاستراتيجية المصري ، تبين ان المندفعون لمثل هذه الاراء اغلبن من المطلقات او العوانس او اللواتي يوجد بينهن وبين اسرهن مشاكل تتعلق بمثل هذه الافكار ...

    واخيرا اخي سميح انني ااويد رايك وطرح بوجوب عرض هذا القانون على مجليس الافتاء ... والذي يراسه عالم جليل معروف بمواقفه التي لا يخشى فيها بالله لومة لائم .
  • »حقوق الفرد (bashar juneidi)

    الأربعاء 3 كانون الأول / ديسمبر 2008.
    للاتاة البالغة أن تخنار من تريد ولا يحق للوالد أن يختار الطريق لها وذلك كوصي دائم وأبدي/ فمن يتحمل المسؤولية هي الفتاة. إذن هي الأجدر في أن تختار وليس أي شخص آخر