من أخطاء الابتعاث الجامعي

تم نشره في الاثنين 1 كانون الأول / ديسمبر 2008. 02:00 صباحاً

جمعتنا طاولة أحد المقاهي في أبوظبي، كما تجمعنا – ذات المجموعة تقريبا – مدن أخرى من حين لآخر. ما يجمعنا عدا الصداقة، أننا خريجو جامعة اسكتلندية واحدة، وإن توزعنا لدول عدة بعد التخرج. وكما في أعقاب كل لقاء تفرض تلك الفكرة ذاتها عليّ. إننا أصحاب تخصصات مختلفة تتراوح من السياسة إلى الإعلام إلى اللغات ولكننا تخرجنا من دائرة واحدة. لحسن حظنا أننا كنا في جامعة عريقة تفهمت متطلبات تخصصاتنا، فوفرت لنا دراسة وإشرافا يمزج بين أكثر من إدارة في الجامعة.

درسنا في دائرة الدراسات العربية والشرق أوسطيّة، ولكن أتيح لنا أن نتواصل وندرس أيضا من خلال أقسام العلوم السياسية، والإعلام، ودراسات القومية والمواطنة، وأن نحظى على التعليم والمشورة منها. ولكن ذلك لا يتاح في مختلف الجامعات، وربما لا يتاح لكل الطلاب، خاصة إذا لم يكن الطالب مهتما بمستوى أدائه الأكاديمي.

باعتقادي أنّ إحدى نقاط الضعف في عمليات الابتعاث لدراسة الدكتوراه التي تعيشها جامعاتنا العربية عندما ترسل طلابها للدراسة في الغرب، هي مسألة اختيار كليّات ودوائر "الدراسات الشرق أوسطيّة" لدراسة طلاب العلوم الإنسانية بمجملها، بدءا من الشريعة والقانون وصولا لعلم الاجتماع والإعلام والسياسية والأنثروبولوجيا، مرورا باللغات، وليس غريبا أن تجد مثلا أساتذة هذه التخصصات المختلفة في جامعة عربية وقد تخرجوا من ذات القسم، وأحيانا أشرف عليهم ذات الأستاذ رغم اختلاف تخصصاتهم.

خطورة هذا الأمر أنّ الطلبة أو بكلمات أدق أنّ "أساتذة جامعاتنا"، درسوا في كثير من الحالات، وفق مناهج الدراسات الشرق أوسطيّة والاستشراق. فنجد خريج العلاقات الدولية، ومن يقوم بالتدريس في هذا التخصص لا يعرف حقيقة نظريات العلاقات الدولية، ومناهج البحث بها، لأنّ دراسته في قسم الدراسات الشرق أوسطيّة، جعلت دراسته أقرب للتاريخ السياسي، التي توثق وتبحث في قضية بعينها.

إنّ كثيرا من دراسات الشرق الأوسط، شأنها شأن كثير من الدراسات الموجودة في الجامعات الغربية، وتدرس إقليما بعينه، كالدراسات الإفريقية، ودارسات البلقان، وأميركا اللاتينية، وغيرها، بدأت في الغرب لأهداف تتعلق بالدرجة الأولى بمحاولة فهم ومعرفة هذه المناطق ولغاتها، ومايزال يطغى على مناهج هذه الدوائر والأقسام، البعد الاستكشافي التاريخي والتوثيقي.

الخطورة هنا أنّ مناهج بحث أساتذتنا العرب، الذين تخرجوا من مثل هذه الكليّات تأتي إلى حد كبير "وصفيّة" دون عمق كبير في التحليل العلمي، لذلك ليس غريبا أن نجد أنّ غالبية الدراسات التي ينتجونها، هي إما نوع من أنواع التوثيق التاريخي بمناهج أقرب للسرد والأرشفة منها للتحليل العلمي لحركة التاريخ، أو هي دراسات إحصائية مغرقة في الاعتماد على العينات الإحصائية والجداول والبيانات دون عمق تحليلي.

فرغم أنّ هذه الدوائر والأقسام في كثير من الأحيان أنتجت باحثين وأبحاثا ونظريات تحليل عميقة جدا ومهمة، وتفتح دروبا للتحليل العلمي لتاريخ وواقع الشرق الأوسط، ورغم أهميتها لبعض التخصصات، ورغم شيوع ما يسمى بالمناهج العابرة للتخصصات، في السنوات الأخيرة، فإنّ ملاحظتي القائمة على تتبع إنتاج أساتذة علم الاجتماع والسياسة والعلاقات الدولية العرب، توضح أنّ جزءاً كبيراً منهم يفتقر لمتابعة النظريات والمناهج الخاصة بتخصصه، وأهم دليل ذلك أنه يكاد لا يوجد كتاب منهجي واحد في هذه العلوم يتابع ما توصل إليه العلم الحديث.

وبالنتيجة فإنّ طلاب المراحل الجامعية المختلفة في الجامعات العربية لا يتلقون أيضا الجديد، لأنّ أساتذتهم لا يعرفونه أصلا. وبالنتيجة أيضا لا نجد كتبا منهجية قادرة على وضع الطالب في صورة التطورات الحديثة لتخصصه.

تعتبر فكرة الجامعة الأردنية المعلنة مؤخرا، إرسال بعض خريجي الدكتوراه فيها، للدراسة في جامعات غربية لمدة عام، قبل انضمامهم لهيئات التدريس فيها، فكرة رائدة ومهمة تعالج ثغرات أساسية، وتلبي الحاجة لاطلاع الطالب على الدارسات العالمية، ولتقوية لغته الإنجليزية، والمأمول أن تتم دراسة الكليات والتخصصات التي سيذهب إليها الطالب بعناية.

وقد اطلعت على تجربة طلبة يابانيين، ترسلهم بلادهم للدراسة في جامعات غربية، لمدة عام واحد، أثناء المراحل الجامعية الأولى، ويتم اختيار المواد التي يدرسونها بعناية، لتزويدهم بمعارف غير موجودة في جامعاتهم التي تبتعثهم. فبعض التخصصات يمكن دراستها في الأقسام الشرق أوسطية والعربية، والبعض يفضل أن يكون في أقسام أخرى.

وهناك اقتراح آخر يمكن وضعه بين يدي المعنيين، هو اشتراط ترجمة ونشر البحث الذي سينتج عن سنة الابتعاث هذه؛ ليتمكن الطلبة العرب من الاستفادة منه ولإثراء الدوريات البحثيّة العربية.

ahmad.azem@alghad.jo

التعليق