في انخفاض معدل البطالة

تم نشره في الأحد 10 شباط / فبراير 2008. 02:00 صباحاً

ظهرت النتائج الإيجابية لمسح البطالة عن العام الماضي، الذي قامت به مع الشكر دائرة الإحصاءات العامة ووزارة التخطيط، لتبين أن معدلات البطالة تراجعت في العام 2007 إلى 13.1% وبذلك تكون معدلات البطالة قد انخفضت عما كانت عليه في 2006، وهي نتيجة جيدة نفخر بها ونثني على كل من شارك في تحقيقها؛ غير أن المعضلة الاقتصادية التي تحتاج إلى البحث والتمحيص هي أنه في السنوات الست الماضية كان هناك علاقة طردية غريبة بين معدلات النمو ومعدلات البطالة وهي ظاهرة لا بد من دراستها والوقوف عليها. فالقاعدة الاقتصادية المتعارف عليها هي أن معدلات البطالة تنخفض حين ترتفع معدلات النمو الاقتصادي، وترتفع معدلات البطالة مع انخفاض معدلات النمو الاقتصادي؛ أما الذي حدث في الأردن فهو العكس تماماً.

تتفاخر الدول بمعدلات نموها لا لأن معدلات النمو هي أرقام صمّاء بل لأن النمو يعني أن معدلات البطالة تنخفض أيضاً، ولكن نشاهد في الأردن، حسب الأرقام الرسمية المعلنة، أن معدل البطالة في عام 2002 كان 15.8% بينما كان معدل النمو الحقيقي 5.8% آنذاك، ثم انخفض معدل البطالة في عام 2003 إلى 14.5% بينما هبط معدل النمو وسط توقعات حرب العراق وتداعياتها على الأردن فانحسر معدل النشاط الاقتصادي إلى 4.2%، ثم عادت البطالة بالارتفاع إلى 14.7%، مع أن معدل النمو الاقتصادي في 2004 كان 8.6%. ولتأكيد هذه العلاقة الطردية بين معدلات النمو والبطالة، ارتفعت البطالة قليلاً في 2005 إلى 14.8% بينما انخفض معدل النمو الاقتصادي إلى 7.1% في ذلك العام، واستمرت معدلات البطالة في الانخفاض إلى 14% في عام 2006 بينما انخفض معدل النمو أيضا إلى 6.3%، وجاءت أرقام آخر المسوحات لتشير أيضاً إلى انخفاض معدل البطالة إلى 13.1% مع انخفاض معدل النمو الاقتصادي إلى 5.8%، أي أننا في الأردن نواجه العكس تماماً لما يجب أن يحصل وهو انخفاض معدلات البطالة مع ارتفاع وتيرة نمو الاقتصاد حيث يدل الأخير على توفير فرص عمل أكثر للقوة العاملة، كما تشير هذه الظاهرة أيضا إلى أن الأردنيين يستفيدون من انحسار معدلات النمو، وهو ما لا يتماشى مع علم الاقتصاد أو المنطق.

في الواقع، قد تعود مسببات هذه الظاهرة الغريبة إلى واحد من الأسباب التالية أو خليط منها. فأحد الأسباب قد يكون أن النمو الذي حدث في السنوات الماضية لم يتسبب في غالبيته في إيجاد وظائف للعمالة الأردنية بل حابى العمالة الأجنبية. لتكون هذه النتيجة المحتملة دلالة واضحة على أن النمو كان في قطاع العقارات والبناء التي يوظف في غالبيته العمالة الأجنبية؛ وأن توجه الاستثمارات نحو قطاع البناء أدى إلى مزاحمة الاستثمارات الأخرى بعيداً عن السوق فخلق فرص عملٍ لغير الأردنيين وتراجعت معدلات النمو في القطاعات الأخرى نسبياً على حساب قطاع العقارات.

السبب الثاني المحتمل هو انخفاض إنتاجية العمالة الأردنية مما دعا أصحاب العمل إلى توظيف عدد أكبر من العمالة الأردنية وبذلك استخدم صاحب العمل عدداً أكبر من العمّال للقيام بنفس المهام. وهذا السبب، هو في الواقع نتيجة ومرتبط بالسبب الأول. فحين تنحسر الاستثمارات الرأسمالية عن قطاعات مختلفة يقوم صاحب العمل بتوظيف عدد أكبر من العمّال ليقوموا بدور الآلة وبالتالي تزداد إنتاجية العامل بينما تنخفض إنتاجية المؤسسات الاقتصادية والاقتصاد ككل فينخفض بذلك معدل النمو بينما يزداد التوظيف.

وقد يكون أحد أسباب ابتعاد أصحاب العمل عن الاستثمار في قطاع الصناعة التحويلية مثلاً، وهي ثاني أكبر مشغّل في الأردن بعد قطاع تجارة التجزئة وذلك بسبب ارتفاع أسعار آليات الإنتاج نتيجة لانخفاض سعر صرف الدينار ضد العملات الأخرى، باستثناء الدولار طبعاً. كما قد يكون أحد أسباب الابتعاد عن الاستثمار الرأسمالي (شراء الأدوات والمعدات) ارتفاع أسعار الفائدة التي ارتفعت بشكل متواصل منذ منتصف 2004 وحتى أواخر 2007 مع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة حين لازم معدل الخصم الذي يضعه البنك المركزي سعر الخصم في أميركا بارتباط تام في مرحلة الرفع، وانفصل عنه مؤخراً في مرحلة التخفيض نتيجة للسياسة المعلنة للبنك المركزي في الأردن وهي محاربة الغلاء. وبذلك مع ارتفاع كلفة الاستثمار الرأسمالي توجه أصحاب العمل إلى استبدال رأس المال بالعمالة، خاصة أن أكثر من 95% من المؤسسات الإنتاجية في الأردن تعدّ من ذوات الحجم المتوسط (أقل من 50 عاملا) والصغير (أقل من 25 عاملا) والتي هي بأمس الحاجة إلى تعميق وتعظيم المحتوى الرأسمالي في إنتاجها.

كما قد يكون أحد مسببات هذه الظاهرة هو ازدياد توظيف الحكومة للعمالة في الفترة الماضية مع ارتفاع دخلها مما أدى أيضاً إلى تخفيض حجم البطالة وبذلك تكون الحكومات السابقة منافساً رئيساً للقطاع الخاص في استقطاب العمالة. وبما أن إنتاج الحكومة لخدماتها لا يرتفع بنسبة التوظيف، وهي مشاهدة ميدانية واضحة، رافق هذا التوظيف تباطؤ في معدلات النمو، نتيجة انخفاض معدل الإنتاجية للعامل الأردني.

بالنتيجة، وفي غياب الدراسات الموضوعية لآثار السياسات النقدية والمالية على الاقتصاد الأردني الكلي في السنوات الست الماضية، فإن علاقة أرقام النمو وأرقام البطالة أمر يجب دراسته للوقوف على السياسات المثلى المستقبلية لهذا البلد الغني بقيادته ورأس ماله البشري.

التعليق