المجتمع المدني وإعداد موازنة الدولة

تم نشره في الجمعة 28 تشرين الثاني / نوفمبر 2008. 03:00 صباحاً

للسنة الثالثة على التوالي تعقد منظمات المجتمع المدني ورشة عمل خاصة بالموازنة العامة، في محاولة منها للتأثير على عملية إعداد ومناقشة الموازنة العامة للدولة. ويعتبر هذا الدور حديثاً نسبياً في العالم، وتعود بداياته المبكرة إلى مطلع الثمانينات من القرن الماضي.

وفي المقابل، فإن موقف الحكومات من مساهمة المجتمع المدني في عملية إعداد ومناقشة ومراقبة الموازنات العامة لا يزال يتفاوت ما بين رفض الفكرة وعدم تقبل لعب أطراف أخرى، خارج الحكومة، أي دور مشارك في وضع الموازنة، وما بين ترحيب الدول الأخرى بمثل هذه المشاركة، ما سمح للمجتمعات المدنية بأن تلعب أدواراً فعلية ومرغوبا فيها في إعداد الموازنة العامة.

تبرر حكومات بعض الدول النامية، رفضها مساهمة المجتمع المدني بدعوى "حماية سرية" إعداد الموازنة العامة، ويرى بعضها أن الموازنة من الأمور التي يجب أن تقتصر على طرفي السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية. لكن تبين تجربة الدول التي تعاملت مع قضايا الموازنة بانفتاح وشفافية انها تعزز الوصول إلى موازنات مستجيبة لمصالح المجتمع، وتساعد على تكيف السوق (القطاع الخاص) مع السياسات المالية، كما أنها تعزز فرص اجتذاب الاستثمارات إلى البلاد. وعموماً فإن شفافية عملية إعداد الموازنة من العوامل التي ترجح نزاهة الموازنة واتساقها مع مصالح المجتمع، وتمنح ممثلي المجتمع قدراً من الثقة واليقين المبكرين حول اتساق ورشاد توزيع الموارد.

لقد ساعد على تعزيز دور المجتمع المدني في إعداد مسودات الموازنة جملة من العوامل، من أبرزها التحول نحو الديمقراطية في بلدان أوروبا الشرقية والبلدان النامية الأخرى، حيث يرتبط الانتقال الديمقراطي مع المزيد من الشفافية والمشاركة العامة التي تسمح للمجتمع المدني والمنظات غير الحكومية المستقلة والبرلمانات بلعب دور أكبر في السياسات العامة.

كذلك ارتبط هذا الدور بالتحول في هذه النظم نحو اللامركزية، وعدم حصر عملية صنع القرار بالحكومة المركزية او بدوائر ضيقة في الحكومة. ومن ناحية ثالثة فإن التحول في إدارة الإنفاق العام نحو الموازنات متوسطة المدى، والقائمة على أساس النتائج، ساعد على لعب دور أكبر للمجتمع المدني والبرلمانات في عملية إعداد الموازنة. غير أن القدرة على إحداث التحولات في أسلوب إعداد الموازنة باتت تتطلب شفافية أكبر من جانب الحكومة وتدفقاً حراً للمعلومات وقدراً أعلى من القدرة على الوصول إليها.

وغني عن البيان أن النجاحات التي حققتها فلسفة التنمية المستدامة والقائمة على المشاركة، أو التكامل ما بين القطاعين العام والخاص في مجالات التنمية، قد تطلبت أيضاً شراكة وتعاون المجتمع المدني في مجال الموازنة، خصوصاً في مجال مكافحة الفقر ودعم المشاريع الصغيرة.

وقد يتساءل القارئ عما يمكن أن تقوم بها منظمات المجتمع المدني في مجال الموازنة، والواقع أن كل جماعة من هذه المنظمات تقوم بأدوار مختلفة، تبعاً للبلدان والظروف التاريخية التي حكمت نشأة جماعات الموازنة. وهكذا فإن مراكز الأبحاث المستقلة مثلاً، يمكن أن تعمل في واحد أو أكثر من المجالات، مثل تطوير نماذج نظرية حول الموازنة، أو القيام بإجراء تحليلات لها، أودراسة بناء علاقة الموازنة بالسياسات العامة. وبهذا المعنى تقوم بتتبع أثر الموازنة على مختلف الصعد الاقتصادية والاجتماعية. في حين تركز بعض المنظمات على تأثير الموازنة على الفقراء، ويعمل بعضها الآخر على تبسيط الموازنة العامة وجعلها قابلة للفهم من القطاع الأعرض من المواطنين. من ناحية أخرى، فإن بعض المنظمات غير الحكومية قد تنشط في مجال التدريب على التعامل مع قضايا الموازنة أو المساهمة في إعدادها، لكن أحد أهم أدوار منظمات المجتمع المدني هو مراقبة الأداء الحكومي عند تنفيذ الموازنة، بمختلف مراحلها وتحري تأثيرها على الفئات والشرائح الضعيفة مثل النساء أو الفقراء أو المناطق الأقل حظاً... الخ.

وتختلف نشأة جماعات الموازنة حسب البعد الذي تستهدف التأثير فيه في الموازنة. فقد تنشأ منظمات خاصة للمشاركة في إعداد موازنة مستجيبة اجتماعياً، أو قد تنشأ تحالفات بين عدد من المنظمات. إلا أن الصفة العامة لها هو توسيع نطاق المشاركة في عملية إعداد الموازنة وإدخال مجموعات مختلفة فيها، والسعي لضمان أكبر قدر من الاستجابة لحاجات المجتمع والعدالة ومكافحة الفقر. هذا، وقد تنشأ "جماعات الموازنة" في الجامعات، كأن تضم نشطاء مدنيين وأكاديميين ومسؤولين حكوميين وخبراء من القطاع العام.

غير أنه لا يمكن لأنشطة المجتمع المدني في مجال إعداد ومناقشة ومراقبة الموازنة أن تؤتي أكلها من دون تتويج ذلك بنوع من التعاون مع السلطات البرلمانية. ويؤدي هذا التعاون أو الشراكة إلى تبادل المنافع، فالمجتمع المدني يمكن له أن يقدم خبرات بحثية واستشارية ومهارات قد لا تكون متوفرة لدى المؤسسة البرلمانية، أو على الأقل يدعم القدرات والخبرات البحثية داخلها. وفي المقابل، فإن البرلمان يستطيع أن يلعب أدواراً حاسمة في بعض مراحل إعداد الموازنة لا يستطيع ان يلعبها المجتمع المدني، بحكم صلاحياته التشريعية. ولذلك، لا بد من الانتباه والحذر من الأفكار والميول المحافظة التي قد تنتشر في صفوف البرلمانيين، والتي ترى في نشاطات المجتمع المدني في مجال الموازنة نوعاً من "المنافسة" أو "التطاول" على دور البرلمان، أو التي تتخذ طابعاً فوقياً ومتعالياً على المجتمع المدني، أو ترى في دور الأخير نوعاً من التطفل على دور يخص البرلمان والحكومة. إن مثل هذه الاتجاهات المحافظة، اذا ما أُستجيب لها، تقوض عملية الشراكة المجتمعية وتؤسس لعزلة البرلمان عن الفاعلين الاجتماعيين عموماً.

ومع أن ظهور خلافات بين الحكومة والجماعات الأخرى من الأمور المتوقعة، لكن هذا لا يعني الافتراض أن العلاقة بين الحكومة والمجتمع المدني تتسم، دائماً، بعنصر المواجهة. إذ يمكن أن تنظم هذه العلاقة التشاركية من خلال إقرار مجموعة من المبادئ الموجهة، أو توزيع للأدوار، والتوصل إلى "وصف وظيفي" لمختلف الأدوار التي يمكن أن تقوم بها الجماعات المدنية في عملية وضع الموازنة.

في المقابل، على منظمات المجتمع المدني أن تتعلم مهارات الاتصال مع الحكومة وأساليب التدخل الملائمة للتأثير عليها من دون حاجة إلى ممارسة الأشكال الصاخبة من النقد والمعارضة. وهذا يتطلب من المنظمات تنظيم عملها عبر تشكيل شبكة أو ائتلاف بين المنظمات العاملة في مجال التأثير في عملية اعداد وتنفيذ ومراقبة الموازنة العامة، للعمل كنواة متخصصة لتقديم الاستشارة في مجال الموازنة. كما يتطلب من البرلمان تقبل دور هذا الائتلاف من المنظمات ومراكز الأبحاث والجامعات، وفتح قنوات الحوار المبكر معه للتشاور في المراحل الأولى من إعداد ودراسة مشروع قانون الموازنة.

hani.hourani@alghad.jo

التعليق