هل نأمل بحكومة "يسار وسط"؟!

تم نشره في الخميس 27 تشرين الثاني / نوفمبر 2008. 02:00 صباحاً

 

بات معروفاً لدى العموم وليس فقط في أوساط النخب, ان الفريق الوزاري في حكومة الرئيس نادر الذهبي، تشكلَ في لحظة سياسية، كانت تستوجب تمثيل تيارات ومراكز قوى، كانت حاضرة بقوة في المشهد السياسي.

أما وقد خلت الساحة السياسية من المنافسة فإن المسار الطبيعي للأمور، يدفع بقوة باتجاه إعادة تشكيل حكومة الذهبي، بما يؤمن تجانساً سياسياً وفكرياً وعملاتياً، بين الرئيس وفريقه الوزاري.

فالتجانس يعطي الحكومة رؤية وبوصلة واضحة ودفقة سياسية ومعنوية ضرورية للاستمرارية، ويجعل العمل الحكومي اكثر انسياباً وديناميكية والتوجهات والقرارات أكثر تناغماً ويؤمِّن في المحصلة وحدة العمل والإرادة شرطا للنجاح.

كذلك فإن القدرات الفردية للوزراء، ووضوح الرؤية والهدف لديهم في مجال عملهم، أمر حاسم لا يجوز التهاون ازاءه. فالأداء الحكومي، في المحصلة، هو ديناميكية الوزراء وقدرتهم على المبادرة والخيال وحسن الأداء.

المتغيرات التي طرأت على تركيبة الطبقة السياسية الحاكمة، وموازين القوى داخلها، أفضت إلى تسليم الراية (القيادة) إلى شريحة جديدة حظيت بدعم الملك، خلفاً لشريحة ما اصطلح على تسميتهم بـ"الليبراليين الجدد"، الذين انحسر مدهم وانعزلت طروحاتهم وسياساتهم، بفعل عوامل عديدة، اهمها محلياً، العزلة المجتمعية الخانقة ومحدودية القاعدة الاجتماعية التي ترتكز عليها، لأن سلوكها العام اتسم بالأنانية ورعاية المصالح الضيقة، ولم تحاور الآخر او تبحث عن قواسم مشتركة معه، واندفعت في تحرير الاقتصاد بقليل من الشفافية وكثير من الغموض، وقلصت دور الدولة الراعية بوتيرة وتسارع استنفر ضدها قطاعات اجتماعية اساسية من القاعدة الاجتماعية التقليدية للدولة.

وقد نجحت الشرائح الاجتماعية والسياسية الأخرى في الطبقة السياسية المتضررة من تفرد الليبراليين الجدد في التوحد وتسليط ضوء مبهر عليهم، ما أدى الى عزلتهم. وخاضت معهم معركة فاصلة، تميزت بالعناد والتصميم والثقة العالية بالنفس، وراهنت النخبة (الشرعية) الصاعدة على ان فكر الملك الإصلاحي، يقوم على الانفتاح الاقتصادي والرعاية الاجتماعية معاً، وكسبت الرهان.

كل الطرق أصبحت سالكة أمام هذه النخبة الصاعدة، لتقود المرحلة، فقد فازت بثقة الملك وكسبت دعم وتأييد قطاعات واسعة من المجتمع. ومن المنطقي ان تأخذ فرصتها في تشكيل تحالفاتها المجتمعية والسياسية التي تؤهلها لتنفيذ برنامجها وتوجهاتها.

لذلك، فالتعديل او إعادة التشكيل (وهذا أنسب) أضحت مهمة لا تحتمل التأجيل او التردد. لكن يظل السؤال الأهم: أي تعديل وبأي آفاق يفكر الرئيس نادر الذهبي؟

كشف الرئيس في عامه الأول في الحكم أنه شخصية وسطية معتدلة، نأى بنفسه عن اليمين البيروقراطي التقليدي (المحافظ) واليمين العقائدي المنغلق من جهة وعن اليسار العقائدي الرافض من جهة اخرى. وتقدم بحذر نحو يسار الوسط بالمقاييس الاجتماعية، فقد اظهر حساً اجتماعياً عالياً ترجمه بمجموعة من التوجهات والقرارات المعروفة، وبدعم وإسناد من المبادرات الملكية ذات البعد الاجتماعي المعروفة ايضاً.

أمّا في مجال السياسة الخارجية التي يقودها جلالة الملك، فقد أبدت الحكومة تميزاً في عهده، تمثل في الاستجابة للمتغيرات التي طرأت في المنطقة والعالم. وأظهرت الحكومة درجة اعلى من الاستقلالية في التعامل مع أطراف ودول عربية، كانت العلاقة معها حتى الامس القريب، اما متوترة او باردة.

وأظهرت الحكومة بروداً في التعامل مع إسرائيل وصعّدت في خطابها وسلوكها السياسي معها (حفريات باب المغاربة، الإفراج عن الأسرى الأربعة وعرض تشغليهم في أجهزة الدولة، نقد سلوك السياح الاسرائيليين الرسمي)، وترافق ذلك مع خطاب ملكي نقدي قاس عن عقلية القلعة التي تحكم الساسة الاسرائيليين.

وفي السياق جاء الانفتاح على حركة "حماس"، وإن ظل هذا الانفتاح في المربع الأمني. لأن "حماس" في سلوكها السياسي التصعيدي ضد السلطة الوطنية والرئيس عباس، الحليف الاستراتيجي، عقّدت إمكانية الانتقال إلى المربع السياسي، والبحث عن تفاهمات آنية او قصيرة المدى (ناهيك عن تفاهمات استراتيجية بعيدة المدى على رفض الوطن البديل) وما من سياسي يشتري سمكاً في البحر.

وغني عن القول بأنّ علاقة الاخوان المسلمين مع الحكومة تسير على أنغام علاقتيهما مع "حماس"، فالانفتاح في مجالات مع الإخوان يقابله تشدد في مجالات أخرى. وما تزال أزمة الثقة تخيم على علاقة الطرفين، بالرغم من "الوداعة" والبراغماتية العالية التي تتصرف فيها قيادة "الإخوان".

أمام هذا المشهد السياسي الداخلي والخارجي، فإنّ الرئيس الذهبي مطالب بأن يقدم فريقاً يستهدف من خلاله سد ثغرات العمل والتوجهات العامة في عمل الحكومة خلال عامها الأول. وفي القلب منها مهمة الانفتاح السياسي الداخلي وإدارة حوارات وطنية عن سبل تحقيق المشاركة المجتمعية في صنع قرارات الحاضر والمستقبل، والارتقاء بأساليب الحكم والإدارة نحو الحاكمية العصرية الرشيدة.

أحسب أنّ على الرئيس أن يوسع القاعدة الاجتماعية والسياسية لحكومته بتطعيمها بكفاءات ومهارات من الاتجاهات الفكرية والسياسية التي تؤمن بأفكار الملك الإصلاحية. وأعنى هنا كفاءات من الطبقة الوسطى ممن عرفوا بالنزاهة والثقافة والوطنية والعصرنة.

نعم هذا يعني الميل يساراً (يسار الخارطة السياسية وليس بمقياس التوصيفات العقائدية)، ولا أعني هنا اليسار العلماني التقدمي فقط، بل ايضاً اليسار الاسلامي ويسار الوسط عموماً.

وأحسب أيضاً أنّ على الرئيس الذهبي أن يولي اهتماماً استثنائياً لمجلس النواب، الذي بدأ يبحث عن دوره وهويته وتركيبة المجلس لا تسمح له بالتمرد او العصيان او الخروج عن السياق العام.

لذلك فترك المجلس يتشكل داخلياً وفق معادلاته الخاصة أمر يستحق الدعم والإسناد، يجب ان لا يشعر فريق انه معزول وغير مرغوب فيه. وألمس تغييراً إيجابياً في هذا الاتجاه.

وعليه أنصح بتفعيل وزارة الشؤون البرلمانية وتطوير دورها السياسي العام وإناطتها بوزير او نائب لرئيس الوزراء، من الذين يملكون الخبرة السياسية والثقافة البرلمانية والعامة والمعرفة بواقع المجتمع والحركة السياسية، كي يكون ذراعاً مساعداً للرئيس في الانفتاح السياسي المدروس واقامة علاقات مع البرلمان فيها سياسة وتكتيك وحسابات بيدر وحقل.

أما الفريق الاقتصادي، فيتوجب ان يكون ذا ثقافة مالية واقتصادية محلية وعالمية، ومن الذين يقيمون وزناً للبعد الاجتماعي في قراراتهم المالية والاقتصادية. وتجدر دراسة فكرة وزارة الاقتصاد الوطني التي يمكن ان يناط بها مهمات اقتصادية -اجتماعية- لضبط السوق وتوجيهه حماية للضعفاء ومنعاً للاستغلال والاحتكار.

فهل نأمل بحكومة يسار الوسط بقيادة الذهبي؟.. الظروف مواتية تماماً.

bassam.haddadin@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الضد اللغوي لمصطلح ليبرالي (Rami)

    الخميس 27 تشرين الثاني / نوفمبر 2008.
    أستغرب جميع المسميات الواردة في مقالة السيد حدادين "اليسار العلماني"، "اليسار الإسلامي"، "يسار الوسط"، "اليمين البيروقراطي المحافظ"، "اليمين العقائدي المنغلق" و"اليسار العقائدي الرافض"، هل هذه الجهات موجودة داخل النسيج الإجتماعي الأردني؟؟ سؤال مطلوب ممن يملك الإجابة أن يقدمها.
    أما السؤال الذي يأتي في المقدمة لدى قراءة أي مقال يكتبه النائب المخضرم: ما هو مصطلح الضد لليبراليون الجدد من ناحية لغوية؟ أحد الليبراليين الجدد مع تحفظه على المصطلح قال إن الضد اللغوي هو "المتخلفون القدامى"؟؟