جلّ من لا يخطئ

تم نشره في الأربعاء 26 تشرين الثاني / نوفمبر 2008. 03:00 صباحاً

 

يتابع المواطن الاداء الحكومي وانعكاساته على حياته اليومية، فبينما يقدر للحكومة التزامها بتوالي تخفيض أسعار المشتقات النفطية، وقراراتها بمعالجة أزمة طوابير السيارات على محطات البنزين والتسهيل على المزارعين، نراه في الوقت نفسه يسجل عليها ضعف آلية اتخاذ القرار الحكومي وإلمامها بأبعاده المختلفة، لكنه يتطوع ليجد لوزارتي الطاقة والزراعة عذرا ويلقي اللوم على تحرير سوق المشتقات البترولية والرغبة بتنافسية صادراتنا الزراعية.

ثم يقرأ في الصحف اعتراض وزير الداخلية على مخصصات وزارته ويشعر بالصدمة عندما يقرأ تصريحات وزيرة التنمية الاجتماعية عن عدد المنتفعين بغير حق من صندوق المعونة الوطنية ليخفف عنه رد مدير الصندوق، الذي اوضح أن العدد الذي أوردته الوزيرة غير صحيح، ويتطوع ثانية للدفاع عن حكومته، وجل من لا يخطئ.

ويتذكر أزمة "نصابي" شركات البورصات، التي وصل عددها إلى 202 شركة ضاعت مسؤولية مراقبتها بين وزارة الصناعة والتجارة وهيئة الأوراق المالية والبنك المركزي مثلما ضاعت أمواله ولم توفق أي من هذه الشركات أوضاعها مع القانون المؤقت الذي وضعته الحكومة على عجل مع مجلس تنظيم التعامل في البورصات.

ولحب المواطن لأردنه وحكومته، يجتهد مرة أخرى ليدافع بأن هذه الشركات ترعرعت قبل الحكومة الحالية، ويتذكر أنه قرأ أن النية تتجه لإنشاء وزارة اقتصاد وطني، وعندها هز رأسه بحركة وكأنه يعلم.

ورجع المواطن إلى معلوماته القديمة الحديثة، فوجد أن البنوك المرخصة في الأردن تلبي حاجة المواطنين الذين يرغبون بالتعامل مع البورصات في الخارج، وتفتح لهم قاعات مريحة خاصة للمتابعة والتداول وموظفين أكفاء وشاشات متابعة حقيقية لبورصات العالم على مدار الساعة.

وتذكر المواطن كيف لام تقلبات أسعار البترول العالمية وتحمل بوطنية وولاء وقع آثارها عندما وصل سعر البرميل 147 دولارا، وتقبل بروحه الأردنية انعكاسها على مجمل الأسعار، وتطوع ليدافع ويشارك في التحليل كأنه اقتصادي منذ مولده، كما سبق وبرر رفع الدعم الحكومي عن المشتقات البترولية، وأنصت عندما سمع أنباء الأزمة المالية العالمية وطار فرحا عندما خفضت الحكومة أسعار المشتقات، لكن ثقافته الاقتصادية بدأت تتهاوى عندما لم يلمس انعكاسها على بقية الأسعار.

وهنا وجد المواطن نفسه يخضع لمساق جديد في الاقتصاد وفي قواعد وآلية السوق، وتحريرالاسواق وعلاقتها باحتكار شركة مصفاة البترول لمادة البترول، ومعادلة تسعير المشتقات النفطية التي يعجز عقله غير الاقتصادي عن فهمها، وجهله بالمعلومات ومصادرها التي تعتمد للتسعير واختلافها حسب المشتق البترولي، والتي يعرفها فقط الراسخون في العلم والاقتصاد والطاقة، وكيف تم خلط الأزمة المالية العالمية بأزمة شركات نصب البورصات المحلية.

ويستمر المساق الاقتصادي المالي، لتثقيف المواطن عن إفلاس شركة "ميريل لنش" وبنك "ليمان برذرز" على الرغم من الملايين التي يتقاضاها مدراؤهم، وها هو "سيتي بنك" يستغني عن خمسين ألف موظف وحتى " آيسلندا" كانت على وشك الإفلاس نتيجة ميكانيكية السوق.

ووقع المواطن في حيرة أتعبت رأسه وسببت له الصداع: أهو اقتصادي منذ مولده أم هو جاهل منذ مولده؟ وفي الحالين يحب حكومته ويثق بها.

وبدأ يسمع أن الاقتصاديين يتركون في تحليلاتهم خانة لكل احتمال لكي يثبتوا صحة هذه التحليلات، لكنه تذكر أن السياسيين يهتمون عند إصدار قراراتهم بعامل "الاستقرار والثقة"، والذي يعول عليه عند تنفيذها ومدى انعكاسها على حياته ليتمكن من مزاولة نشاطه بسلاسة، وكلما تمكنت الحكومة من تحقيق ذلك، تلقت دعم المواطن وتأييده عبر آليات التعبير المتاحة من صناديق انتخاب ولجان أحزاب وبرلمان ومنافذ إعلامية.

وبمواطنته وولائه، أراد المواطن ان ينسى ما تذكره، لما يراه من تواصل رئيس الوزراء مع الفعاليات المختلفة، لكنه لم يجد جوابا لمجموعة من الاسئلة ظلت تشغل باله.

هل تسرعت الحكومة في إنشاء مجلس تنظيم التعامل في البورصات؟! وهل هناك حاجة فعلية له؟! وهل تعمل الحكومة كفريق واحد؟! وهل يعلم بعض أطراف الحكومة انعكاسات تصريحاتهم؟! 

zayan.zawanh@alghad.jo

التعليق