إشكالية العلاقة بين النائب والحكام الإداريين

تم نشره في الأحد 23 تشرين الثاني / نوفمبر 2008. 03:00 صباحاً

استقبلت ذات يوم رسالة على هاتفي النقال "مسج" تقول: سيعقد غدا اجتماع برئاسة المحافظ لنواب المحافظة لمناقشه "...." وحددت "المسج" مكان وزمان الاجتماع. وعلمت ان المرسل هو مدير مكتب محافظ الزرقاء حينئذ.

استفزني شكل ومضمون الرسالة, أيما استفزاز, وسارعت بالاتصال مع نواب المحافظة الذين وصلتهم رسالة مماثلة, وطلبت منهم مقاطعة الاجتماع ورفض الدعوة شكلا ومضمونا. وقد استجاب النواب باستثناء نائب واحد.

كتبت حينها مذكرة إلى وزير الداخلية "المهندس سمير الحباشنة", شرحت له ما حصل, وانتظرت, علني اعرف رأي الوزير. لكن خاب ظني.

إلى أن لقيته في أروقة مجلس النواب وسألته عن المذكرة ولماذا لم يرد عليها?!. وتفاجأت بأن الوزير يدافع عن المحافظ "ممثل جلالة الملك في المحافظة" وعن أحقيته في ترؤس اجتماع لأعضاء مجلس الامة في المحافظة. لكنه انتقد شكل الدعوة وعدم إرسال جدول أعمال الاجتماع. قلت لمعاليه: إن العبارة الواردة في نظام التشكيلات الإدارية التي تشير الى أن "المحافظ يمثل السلطة التنفيذية في المحافظة, ويتقدم على جميع موظفي الدولة في المحافظة". لا تعني ابداً أن المحافظ يمثل الملك في المحافظة, كما أن أعضاء مجلس الأمة, ليسوا موظفين ليتقدمهم. واختلفنا.

طويت الملف, لكن ظل شكل العلاقة بين الحكام الإداريين وأعضاء مجلس الأمة "نوابا واعيانا" يقلقني. وكنت دائما أقبل على مضض طبيعة العلاقة المستقرة بين النائب والمحافظ, تلك العلاقة التي تضع المحافظ في أحيان اخرى المتصرف, فوق النائب ويتقدم عليه بروتوكوليا.

قبل أيام اتصل بي عطوفة محافظ الزرقاء, يستمزحني في ان اكون عضوا في لجنة سيشكلها برئاسته تعنى بشؤون الثقافة في المحافظة. اعتذرت من عطوفته بلباقة, لأنني اعرف حسن نواياه, واعرف انه يمتثل لعرف سائد وثقافة بيروقراطية سائدة يسهم فيها الجميع: الحكام الاداريون واعضاء مجلس الامة والمواطنون.

لكن هذا الطلب من المحافظ ألحّ عليّ من جديد لفتح ملف علاقة النائب مع الحكام الإداريين, وضرورة تصويبها وإرسائها على قواعد دستورية صحيحة. وقد قادني البحث للاطلاع على "نظام التشكيلات الإدارية رقم 37 لسنة 1995 وحين قرأت المواد "29 ,30 31" من النظام, لا أبالغ اذا قلت بأن ما تبقى من شعر رأسي قد انتفض من هول ما قرأت. لما تحمله المواد المشار اليها من مخالفات دستورية صريحة وما تعكسه من نظرة دونية قاصرة لأعضاء مجلس الأمة. وأعجب كيف مر هذا "النظام" منذ عام 1995 وما يزال يطبق حتى يومنا هذا.

ماذا تقول مواد النظام من "29-31"?!

المادة "29-أ": يتشكل مجلس استشاري في كل محافظة برئاسة المحافظة "!!" وعضوية عدد من الاشخاص "لاحظ الاشخاص", لا يتجاوز خمسة وعشرين شخصاً. لمدة 3 سنوات, بقرار من الوزير "الداخلية" بناء على تنسيب المحافظ.

اما المادة "29/ب" فتقول "يراعى في تشكيل المجلس الاستشاري في المحافظة تمثيل الجهات التالية "لاحظ ان الحديث الان عن جهات":

1- اعضاء مجلس الامة في المحافظة. 2- المجالس البلدية. 3- الغرف الصناعية والتجارية والبنوك. 4- الجمعيات والمهنيين والعمال... إلى آخر المادة.

لاحظوا معي العجائب والغرائب التالية: اولا: يعطي النظام الوزير بتنسيب من المحافظ حق تمثيل من يرغب من اعضاء مجلس الامة وهو غير ملزم بدعوتهم جميعاً. ثانيا: ينصب "النظام" المحافظ رئيسا على هيئة "مجلس" تضم في عضويتها كما كان حاصلا في محافظة الزرقاء 45% من اعضاء مجلس الامة "11 من 25".

لنتابع التدقيق في المواد التالية, ونتعرف على الطريقة التي يفكر بها المشرع التنفيذي, وكيف يفهم علاقة المحافظ باعضاء مجلس الامة.

المادة "31/أ" من النظام تعطي الحق للمحافظ وحده من دون غيره من اعضاء المجلس الاستشاري بما في ذلك كل اعضاء مجلس الامة, دعوة المجلس الاستشاري الى الاجتماع. سلطة مطلقة لا ينازعه فيها أحد.

اما المادة 31/ب/1" فتتحدث عن "ديمقراطية" المجلس وآلية صنع القرار فيه. حيث تقرر المادة ما يلي: "يتخذ المجلس توصياته بالاجماع او بأغلبية اصوات الحاضرين "ممتاز" وعند تساوي الاصوات يرجح الجانب الذي صوت معه الرئيس "المحافظ". وامعانا في "الديمقراطية" فالمادة "31/2" تقرر بلغة حازمة قاطعة "للمحافظ- اذا رأى ضرورة لذلك- رفع توصيات المجلس للجهات المختصة لاجراء اللازم بشأنها".

كم هو ظريف وعبقري نص المادة "31/2". فبعد ان حددت المواد السابقة الصلاحيات المطلقة للرئيس "المحافظ", بالتنسيب في تشكيل المجلس وتحديد جدول اعماله, وأعطته وحده حق الدعوة لاجتماع المجلس وحق ترجيح الاصوات في حال تعادلها.. بعد كل هذه الحقوق "الديمقراطية" تعطي المادة للمحافظ حق "الفيتو" على توصيات المجلس الاستشاري. حتى التوصيات التي من المفترض ان يكون اعضاء مجلس الامة مشاركين فيها, فمن حق المحافظ ان لا يرى ضرورة لتبليغها الى الجهات المختصة "!!!".

الان فهمت لماذا تتم دعوة النواب "بالمسج"?! الان فهمت لماذا كل هذه الاعتبارات البرتوكولية الممنوحة للحكام الاداريين مقابل النواب. انهم يتعاملون مع النواب بصفاتهم الشخصية ويسلخون عنهم مكانتهم الدستورية.و بالمناسبة يتم محاباة الاعيان احيانا, خاصة عندما يكون العين وزيراً سابقاً, ويعتبر المحافظون تمييزهم للاعيان كرماً ومِنة.

غني عن القول بعد هذه المطالعة لنظام التشكيلات الادارية رقم "37" لسنة 1995 بأن وقف العمل بهذا النظام وتحديداً ما يتعلق بأعضاء مجلس الامة في المجلس الاستشاري, امر يجب ان يتمّ فوراً. ومجلسا النواب والاعيان مطالبان بالتدخل الفوري مع الحكومة لتحقيق هذا الهدف ووقف التجاوزات الدستورية فيه.

اما الإرهاب الفكري الذي يمارس على اعضاء مجلس الامة وعلى المواطنين, والادعاء بأن المحافظ هو "ممثل الملك" فيجب أن يتوقف. إن كلا من المحافظ والمتصرف،  ممثل للحكومة في المحافظة والدليل انه يترك مقعد مكتبه لاي وزير يزوره في مكتبه. وموظف في وزارة الداخلية "امين عام الوزارة" يرأس اجتماعات كل المحافظين.

ليس مطلوبا من المحافظ ان يخلي كرسي مكتبه للنائب عندما يزوره بعمل رسمي في مكتبه. لكن الواجب البروتوكولي المستند الى الصفة التمثيلية الدستورية لنائب الامة مصدر السلطات, تقضي ان يقوم المحافظ من خلف مكتبه ويجالس النائب وجهاً لوجه. وعلى ذلك قس.

انا لا اتحدث عن محافظ او متصرف بعينه, فهم جميعا اخوتنا واحبتنا ونكن لهم وافر الاحترام. انا اتحدث عن احد مظاهر تغول السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية واعضائها.

والشيء بالشيء يذكر. ففي حادثة تحمل وجهاً آخر لممارسة: حضر يوماً الباشا نذير الرشيد الى محافظة الزرقاء بصفته وزيرا للداخلية, للتدخل شخصياً بحل اشكال اجتماعي حساس, كنت وسيطا فيه. وعندما دخلت مكتب محافظ الزرقاء وجدت الباشا في انتظاري, فجلس بجانبي بكل تواضع. وعندما أحضر المراسل صينية الضيافة انتفض من مكانه واخذ الصينية من يد المراسل وأصر على ان يقدم لي الضيافة مباشرة, ولم تفلح محاولاتي لثنيه عن ذلك, وكان يردد عبارة: انت ضيف علينا!.

لا نريد ان نكون ضيوفاً, بل شركاء في خدمة الوطن والمواطن, مع قليل من الفواصل ولا اقول التخوم.

وقليل من الثقافة الدستورية لا يغير كثيرا.

bassam haddadin@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »إستفزاز للمواطن (فايز حتاحت)

    الأحد 23 تشرين الثاني / نوفمبر 2008.
    كما أستفز نائب محافظة الزرقاء من شكل ومضمون الرسالة على هاتفيه النقال ، أستفزني مقاله حول ( إعتبارات بروتوكولية والواجب البروتوكولي ) بصفته نائب أمة " مصدر السلطات " ومراجعته لإعادة قرأة نظام التشكيلات الإدارية . أقول إستفزني هذا المقال كمواطن يرى حدة التنافس القائم على الإمتيازات والإعتبارات البروتوكولية بين أعضاء السلطات التشريعية والتنفيذية ومن منهم يحصل على أكبر قدر ممكن من تلك الإمتيازات والإعتبارات سواء بالرجوع للإنظمة الإدارية أو التشريعية دون أن يكون الهدف من ذلك الرغبة الحقيقية في تطوير وتحديث وتعديل الأنظمة الإدارية والدستورية لخدمة المواطنة وواجباتها وحقوقها المشروعة والمشاركة الفعّالة عبر المؤسسات التشريعية والتنفيذية والإدارية والمدنية .
  • »انتخاب المحافظ (محمد عريضة)

    الأحد 23 تشرين الثاني / نوفمبر 2008.
    لابد ان يكون المحافظ منتخب من المحافظة التي يمثلها او تعيين المحافظ من قبل الحكومة المنتخبة من الشعب لتنفذ برنامج قد انتخب من اجله.