زليخة أبوريشة

رسالة إلى كاتبة أميركية

تم نشره في الثلاثاء 18 تشرين الثاني / نوفمبر 2008. 03:00 صباحاً

الى جوليا سْباهر وستيفاني يونج

بعثت الكاتبتان الأميركيتان أعلاه بضع أسئلة لأجيب عنها سيتضمنها كتاب مشترك لهما. أحد الأسئلة كان: "ماذا ترغبين قوله للكاتبة الأميركية؟ وأي دور تحبين أن تقوم به لتساهم في حل المشكلات التي تواجهها المرأة العربية كمبدعة؟". فإليهما هذا الجواب:

"شكراً لحركات تحرير المرأة في العالم التي طوّرت آليات للنضال ضد التمييز الجندري (القائم على الجنس).

وشكراً لجميع حركات التحرير في العالم التي استلهمت الحق والعدل وسعت اليهما، فإنهما كانا دوماً معيناً لنا في أين نضع أقدامنا ونحن نتقدم في عتمة تاريخنا وعتمة مجتمعاتنا، هذه المجتمعات التي ما إن انتشلت نفسها من جبروت بني عثمان حتى سارع غربُك المتعطش للسلطة والثروة فوضع قدمه فوق مصائرها وما يزال.

كان التجهُّم الذي كان عليه وضع المرأة ضمن واقع عام هشٍّ وشبه فارغ من الأمل، شديد القسوة. ولذلك لم يكن يسيراً على رائدات التحرير ولا رواده، تحريك الأسى في الأسن، ولكنه تحرك. وها نحن ذا بعد قرنٍ ويزيد من نضالا لكلام والفعل، نتمتع بإنجاز صغير جداً، ولكنه ذو دلالة، وهو أن الخطاب الجندري (في قضايا المرأة) لم يعد سُبّة تستدعي محاضرة المخاطِبة أو نبذها أو اغتيالها فكرياً. على الأقل، ثمة مصطلحات رسخت في كثير من الخطاب الرسمي العربي، من مثل "تمكين النساء" وإنهاء "العنف المنزلي" و"العنف ضد المرأة".. ودلالة هذا الإنجاز الصغير أن ثمة تغيراً ملحوظاً في ذهنية السياسة العربية تجاه المرأة، وأن قضية المرأة والجندر قد فرضت نفسها أخيراً بعد نضال قرن من الزمان ويزيد، لا على المجتمعات فحسب بل على أنظمتها (التي تمثل خلاصة التخلف في هذه المجتمعات)، (وبالمناسبة هذه الانظمة التي تحظى بالدعم والتأييد من ادارتك الأميركية الحصيفة!)

وخلال نضالها الطويل والعريق، فإن المرأة العربية لم تحظ بأي دعم من أخواتها في العالم. واذا استثنينا العقدين الأخيرين اللذين عرفا تعاطفاً اوروبياً على وجه التحديد، فإن المرأة الأميركية كانت دوماً في منأى عن مشاركة أخواتها العربيات نضالهن المضني.

 بل إن دعم منظمات المجتمع المدني العربية من منظمات أميركية لم يكن ليخلو من شبهة السياسة ومن ثم "العمالة", بسبب الأصابع الخفية أو الظاهرة للإدارة الأميركية في التمويل. وهكذا فإن المرأة العربية التي تفننت إدارتك في خلق جميع الظروف المواتية لقهرها وتقهقرها، تواجه اليوم مصيراً مرعباً. ولأن وسائط الإعلام في بلدك مشفّرة، بمعنى أنها لا تنقل ما يجري في عالمنا مما هو صُنع يدي ادارتك، فإني مضطرة أن اطالبك بالبحث عن مصادر أخرى للمعلومات تطلعك على ما يجري في العراق وفي فلسطين. هل تعلمين مثلاً أنه يجري تطهير عرقي وجندري في العراق؟ وأنه كذلك في فلسطين؟ وهل تعلمين مثلا أن جنودك في العراق الخائفين المرضى يَجْتَثّون اجتثاثاً أي حي يكون حاضراً عند قيام المقاومة العراقية بفعل مقاومة؟

لست أطالبك بالكثير إن ضغطتِ على وسائل إعلامك أن تكون صادقة وأمينة في نقل ما يجري في العالم، فإن إفناء عائلات بكاملها بحجة انتمائها لـ "الإرهاب"، يجب أن يعكر قليلاً صفو ساعات هنائك في عطلة نهاية الاسبوع. وإن العنف المشتعل في هذه المنطقة بسبب غياب العدالة والتدخل المخيف لبلدك وازدهار الفقر والجهل ،بمساعدة بلدك، ليجعل من المستحيل أن تتقدّم المرأة العربية وشقيقتها العراقية تعاني من هذا الكم الهائل من القتل والاغتصاب وجريمة الشرف (الاغتصاب الذي شارك فيه مجندو جيشك) والذلّ اليومي!

لقد ناضلْتِ وجداتكِ من أجل امرأة حرة، ونجحت في كثير من الأحيان. لكنك لم تنجحي في الانتخابات الرئاسية الأخيرة في إيصال امرأة إلى سدة الحكم في البيت الابيض، ما يعني أنك لست جاهزة تماماً لايصالها، وأنها هي نفسها ليست جاهزة كذلك. وهكذا تَرَيْنَ أن مجتمعك لم ينهضْ لرفع الوصم عن النساء (أنهن غير قادرات وغير مؤهلات للحكم) كما نهض لرفع الوصم عن ذوي الاصول الافريقية. فالانتخابات الرئاسية الأميركية محك لاختبار نضج المجتمع الاميركي. وعندما يوصل شخصاً مثل بوش الى الحكم، ويتركه وإدارته يتغوّلان في العالم، فإن ذلك يطرح عدداً من الأسئلة عليك أنت شخصياً. ولا تستطيعين، لا أنتِ ولا الشعب الاميركي، التنصل من مسؤولية ما يجري في العالم من عنفٍ وإرهاب دول. اذ بينما أنت تنصرفين - وكذلك شعبك - إلى قضايا داخلية محضة، إلا أنك تنسين أن أنموذج الحياة الاميركية - الذي بات أنموذجاً في العالم - يعاني اليوم كما رأيت من تخليه عن حصانته الأخلاقية، وأن أي انهيار في هذا النموذج سيدمر العالم. وهذا ما تفعله أزمتكم الاقتصادية اليوم فينا.

وهكذا يا عزيزتي, تريْن أن الدمار الأميركي يأتينا في وقت الحرب، كما يأتينا في أوقات السلم.

وأن النساء في الحالتين هن أوائل الضحايا. وأنك ما لم تخلقي تياراً جاداً وحقيقياً وفعالاً بوقف إدارتك عن تدمير الشعوب ومصائرها - تذهب فيها النساء دعساً بين الرجلين (حالة العراق)، أو تؤيد تدميرها (حالة فلسطين)، فإن أخوّتنا ستكون - والحال هذه - افتراضية في أحسن الأحوال.. وهذا شرخ جوهري في خطابك النسوي.

zulayka.abureesheh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لا عزاء للنساء (مطيع الخطيب)

    الثلاثاء 18 تشرين الثاني / نوفمبر 2008.
    جميل ان يتصدى القلم الى جانب البندقية في اجلاء الحقيقة وابعاد الظلم وتحييده.عن منطقتنا العربية وبالاخص بلاد الشام التي عانت ما عانت من ويلات الحروب على مد التاريخ المقروء(تيمورلانك-هولاكو).
    وفي العصر الحالي العراق وفلسطين وغيرها كبلاد البلقان....
    ان ردك ماض في حدته وكنت اتمنى ان يكون قاطعا في غمده ايضا.ان المرأة هي رمز العطاء وسر الوجود وهي الام والحبيبة والشقيقة .ليأتوا ليتعلموا من سيدات وطننا معاني الحياة كاملة لانهم بحق كانوا مدرسة بكل ابعادها لانهم انجبوا القادة والابطال العظام ولانهم علموااساليب الحياة الكريمة وكانت الى جانب الرجل في تحمل شظف الحياة عونا وسندا. فهنيئا لنا بنسائنا .الا يكفينا قولا ان الجنة تحت اقدام الامهات .فهيهات هيهات ان يعتلوا هذا الكبرياء.
  • »رائع ما صبحنا به قلمك (Bailasan)

    الثلاثاء 18 تشرين الثاني / نوفمبر 2008.
    رائع ما صابحنا به قلمك سيدة زليخة، وعميقة هي الأفكار كما الكلمات.
    جميل أن تبقى قضايا المرأة وتحديدا تلك التي ترزح تحت نير الاحتلال وذله وعنفه، حاضرة دائما في أذهاننا وخطابنا للآخر.
    وأكثر من ذلك أن تكون لدينا الفرصةوالقدرة للتعبير عنها بقوة وحزم.
    ولكني أخشى بأن لا يرتد إليك وإلينا جميعا من خطابنا هذا سوى صدى أصواتنا!!
  • »المرأة.. (محمود العزامي)

    الثلاثاء 18 تشرين الثاني / نوفمبر 2008.
    في رأيي يجب الوقوف دقيقة صمت حدادا على تردّي العمل النسوي العربي،كان هناك ما يشبه المبادرات الفردية،والمغامرات غير المحسوبة،لم يكن العمل جماعيا،يتحلّى بروح المؤسسية والصدق،كما شابه بعض الشطط والغلو في الطرح،من بعض النساء اللواتي نعمن بحرية فردية موهومة،وحسبنَ لقصر في المعرفة والنظر والثقافة،جميع النساء في مستويات متشابهة، ورحنَ عبر بعض المنابر الإعلامية،يشوهن الحقائق،ويطالبن بما يشبه المعجزات،والسبب في ذلك،أنهن لم ينخرطن في حارات وقرى وأزقة،تشهد على وضع المرأة المأساوي،وما يدعو إلى العجب،أن بعضهنّ الآن تقاعد بشكل فعلي،وما زلن بين نوبة جنون وأخرى، يضربن بخُمرهن،على ملابسات وضع المرأة،مصاب النساء جليل والعزاء جميل..