إبراهيم غرايبة

الانتخابات التي هزت العالم

تم نشره في الجمعة 7 تشرين الثاني / نوفمبر 2008. 02:00 صباحاً

الولايات المتحدة تقود العالم منذ عقود عدة وتؤثر في السياسات العالمية والمحلية في جميع أنحاء العالم، والاقتصاد الأميركي يقود الاقتصاد العالمي ويؤثر في الاقتصادات الوطنية لجميع دول العالم، هذا ليس أمرا جديدا، ولكن الجديد هو الاهتمام غير المسبوق بالانتخابات الأميركية، لقد شغلنا بها أكثر من شغلنا بالانتخابات في بلادنا، لم يكن يعني لنا شيئا نجاح أو فشل مرشح أو حزب في بلادنا، ولكنا تابعنا على أعصابنا نتائج الانتخابات الأميركية وتحملنا السهر والانتظار الناشئ عن الفرق في التوقيت حتى نعرف النتيجة ثم نتابع وسائل الإعلام وأحاديث الناس.

نحن ندرك جميعا أن سياسة أوباما في الشرق الأوسط وبخاصة فلسطين لن تختلف كثيرا عن بوش أو ماكين لو نجح، ربما يكون الوضع مختلفا في العراق وأفغانستان، ولكنه اختلاف لا يفسر هذا الاهتمام الكبير.

الواقع أن  شغلنا بالانتخابات الأميركية ليس مرده إلى فلسطين أو العراق أو أفغانستان، وليس الاقتصاد العالمي وآمالنا بإنقاذه، فاقتصادنا لم يكن بخير في يوم من الأيام عندما كان العالم كله بخير وعندما كان النفط مجانا، ولن يساعدنا أوباما بشيء يذكر، إننا فرحون اليوم بانخفاض أسعار النفط إلى 60 دولارا، ونسينا أن التضخم عام 1996 وصل إلى 16% والبطالة والفقر كانت على الدوام مريعة حتى ونحن نحصل على النفط مجانا أو بأسعار مخفضة جدا، وكان بيل كلينتون أعظم رئيس للولايات المتحدة وقدم للعالم الكثير، فالإنترنت على سبيل المثال والديمقراطية الاجتماعية هي من إنجازاته للعالم كله، ولكنا لم نستفد من ذلك كثيرا، فإن لم نساعد أنفسنا لن يساعدنا الله، ولن يساعدنا اوباما، مشكلتنا في أنفسنا وفي عجزنا، في أننا لم نكتشف بعد الحرية والمساواة ومعنى الانتخاب والتنافس، وبغير ذلك فلا امل يرتجى حتى لو تفجر النفط آبارا وأنهارا، وأمطرت السماء ذهبا، وبالمناسبة فإن الفضاء مليء بالذهب كما يؤكد العلماء، ويمكن أن يكون منجما هائلا ورائعا ونظيفا للذهب والفضة!

ولكني لا أقصد أن أقول إن اهتمامنا الكبير حد اللهفة غير مبرر أو غير منطقي، بل هو كذلك بالفعل، ولكن مرد ذلك إلى مسألة أخرى غير السياسات الأميركية.

إن الاهتمام بالانتخابات الأميركية يعبر عن نوازعنا وأحلامنا وهواجسنا، المساواة والحرية التي نجد في الانتخابات الأميركية ملجأ لنحلم بها، تماما مثل ما كنا نتابع المسلسلات التركية والمكسيكية لنعبر عن تطلعاتنا وأشواقنا الحياتية ونزعتنا للنميمة والحديث المشترك بعدما فقدنا ذلك في مدننا التي ليست كالمدن وقرانا التي  ليست كالقرى وباديتنا التي ليست كالبادية.

أوباما حلم إنساني جميل وقديم بالغ القدم، الفرص المتساوية والأحلام المشروعة، والأماني التي تصير حقيقة، قصة أوباما تشبه الكنوز التي نحلم بها دائما، والحسان وبنات السلطان اللواتي يهبطن علينا في القصص والحكايات، والجنيات الفاتنات اللواتي يطلعن في أحلك الظروف، والساحرات الخيرات اللواتي يساعدن المرضى والمحتاجين، والمحرومين الذين ينتظرون المعجزات، أوباما هو حسن الشاطر، وعنترة وأبو زيد الهلالي، ألم يكن أبو زيد وعنترة سودا مهمشين ومستضعفين مثل أوباما؟ ولكن الحلم الإنساني الخالد جعلهم أبطالا خارقين عظماء لا مثيل لهم، القصة أو الأسطورة تتحقق اليوم واقعيا.

ما الفرق بين الحقيقة والوهم؟ ما الفرق بين الواقع والافتراض؟ ما الفرق بين التاريخ والأسطورة؟ إنهما في اللغة اللاتينية لفظ واحد "هستوري"، أميركا بالفعل أرض الأحلام، ولكنه حلم بالنسبة لنا تتشكل علاقتنا به مثل علاقتنا بنور ومهند وألكساندرا، يا لها من غجرية ملهمة، لأن الحلم مثل المطر،  يأتي دائما، ولكنه يحتاج إلى أرض ملائمة وسدود وقنوات وآبار، وبغير ذلك يصبح كابوسا.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »نحن بلا حلم (رؤى حاتم)

    الجمعة 7 تشرين الثاني / نوفمبر 2008.
    نحن نفرح لحلمهم مثلما نفرح لعرس الجيران لكنه ليس حلمنا وليس فرحنا
    اوباما ليس ابو زيد الهلالي ولا عنترة
    لكنا نتوهم ونستحضر الوهم لنستعين به لاستحضار الحلم
    الواقع أنه ليس لدينا سوى كابوس فظيع مديد
  • »ما بعد الانتخابات الأمريكية (مصطفى العمري)

    الجمعة 7 تشرين الثاني / نوفمبر 2008.
    شكرا للكاتب إبراهيم غرايبة على مقال الانتخابات التي هزت العالم , طبعا لا عجب أبدا أن يكون الاهتمام في الانتخابات الأمريكية أكثر من الانتخابات المحلية بنوعيها سواء انتخابات البلدية أو انتخابات مجلس النواب ؛ لأنها ربما تغير من السياسة الداخلية في الأردن والعلاقات بين الدول أكثر من الانتخابات المحلية , أيضا المنتخبون دائما محليا لهم سياسة ثابتة ونادرة التغير والشعب معتاد عليها وإن تغيرت تكون بشكل طفيف لذلك لا يهتم البعض في الانتخابات المحلية أما في الانتخابات الأمريكية تقوم على التغير ولكن الغريب في مصلحة الولايات المتحدة فقط وليس في مصلحة الشعوب , الأغرب في الموضوع أنك تجد أن تغيرت السياسة تجد أن تغيرها واحد ثابت لا اختلاف في قضايا الشرق الأوسط .

    أن المتابعة الحثيثة للانتخابات التي جرت قبل أيام تكشف أنها تختلف عن غيرها من الانتخابات الأمريكية السابقة والسبب في أن هناك بعض الأمور التي لم تكن في السنوات السابقة خصوصا أنها تزامنت مع ألازمة الاقتصادية و باراك أوباما ذات الأصول الإفريقية , طبعا هذه الأمور لأفتت الشعب الأمريكي وكان هناك شباب يتهافتون إلى صناديق الاقتراع بأعداد كبيرة، لاستعادة ما يصفونه بـ "الحلم الأميركي" لذلك لا عجب في أن يكون الاهتمام زائد مع كل هذه الأمور الجديدة على الولايات المتحدة وعلينا أيضا .

    من الجدير بالذكر أن الانتخابات التي شهادتها الولايات المتحدة الأمريكية ستغير نتيجتها سياسة العالم والتي اعتبرتها شعوب العالم أنها ستعتبر عن مرحلة مهمة في تاريخ الولايات المتحدة والعالم أيضا .

    طبعا كانت هذه الانتخابات مميزة في التفتح الإعلامي سواء بالانترنت أو غيرها من الوسائل الإعلام سواء محليا أو عالميا وكانت الاستطلاعات قبل الانتخابات إلى حد ما دقيقة في فوز الديمقراطيين لكن ورغم الثقة بفوز أوباما إلا أن عددا آخر من الكتاب والمحللين عبر عن عدم ثقته باستطلاعات الرأي التي تظهر تقدم المرشح الأسمر، وذهب بعض الكتاب والمحللين إلى القول إن تلك الاستطلاعات هي " تكتيك جمهوري لثني الناخبين عن الذهاب إلى صناديق الاقتراع، مسلمين بفوز أوباما ", لذلك أصبح العالم متطلع على هذه الانتخابات من وجهة التحدي والترقب لما يجري في أقوى دول العالم .

    طبعا الانتخابات ستكشف لنا خلال السنوات الأربع المقبلة هل يتمكن الرئيس الأمريكي باراك أوباما من ترميم اقتصاد بلاده شبه المنهار أم لا ؟, وهل ستكون القوات الأمريكية خارج العراق قبل الولاية القادمة بعد أربع سنوات كما وعد ؟ .
  • »نتحسر على انفسنا (مواطن)

    الجمعة 7 تشرين الثاني / نوفمبر 2008.
    شكرا استاذ ابراهيم على المقال الرائع فقد أصبت عين الحقيقه وعبرت عن واقعنا المؤلم.
  • »Thank You! (MOHAMMAD)

    الجمعة 7 تشرين الثاني / نوفمبر 2008.
    Extermely amazing article!

    I agree with you totally.

    Thank you very much