المدونات والتغيير عن طريق التنمية

تم نشره في الأحد 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2008. 03:00 صباحاً

يتوافر العالم العربي منذ أكثر من سبعين سنة، على حياة فكرية نشطة، تتخللها نقاشات ومشاركات لا تقتصر على المفكرين المعترف بهم، بل تشمل جميع المعنيين بالشأن العام، وكل الذين يشتركون بالإحساس بـ"الأزمة العربية". وهذا كله لا يجعل المشهد العام، على مستوى الأفكار، ثرياً وحسب، بل إنه يجعل الحلول الممكنة لتلك الأزمة، مُنجزة فعلاً، ولا تنتظر إلا التطبيق لتظهر صحتها من خطئها. لكن التطبيق لا يريد أن يأتي!

على هذا فإن مشكلتنا الحضارية لا تكمن في سؤال "الماهية": أي ما الذي نريده، بل في سؤال "الكيفية": أي إيجاد السبيل للوصول إلى تلك الماهية. وما دام العالم اليوم يشهد حراكاً اجتماعياً كثيفاً، يصنع التغيير، فقد بات سؤال الكيفية متعلقاً بالمجتمعات، بعد أن تبين عدم اهتمام "السلطات" به (وهو ما يفسر إخفاقها فيه).

لكن حل لغز الكيفية، وصناعة التغيير، يرتبطان جدلياً بحيث يعتمد أحدهما على الآخر، فضلاً عن أنهما – وهذا هو المهم هنا- يشتركان في الحاجة إلى إحداث تنمية حقيقية وشاملة في المجتمع، وهي المسألة الغائبة عن العالم العربي في ظل تبعيته الاقتصادية وغير الاقتصادية للدول الكبرى المسيطرة.

لذا، فإن تجاوز الأزمة وإنجاز التغيير، مرهونان حالياً بجهود غير حكومية لتنمية المجتمعات العربية، يقوم بها –ربما- أثرياء عرب مخلصون، أو جماعات من المثقفين يعملون بمثابرة وتنسيق عالٍ لتطوير مجتمعاتهم إلى الحد الذي تصير فيه مؤهلة للوصول إلى تلك "الماهية"، التي تناقشها منذ عقود طويلة.

في الأردن، تشهد مسألة الديمقراطية والإصلاح السياسي، على سبيل المثال لا الحصر، نقاشات معمّقة منذ العام 1989، لكن شيئاً على أرض الواقع من تلك "الماهية" الديمقراطية لم يُنجز بعد، ولا يبدو أن إنجازه ممكن ما لم تترافق إجاباتنا الجاهزة عن سؤال الماهية، بالإجابة عن سؤال الكيفية.

هنا، وبتأثير من المقال الذي كتبه الأستاذ محمد أبورمان، قبل أيام، عن المدونات وأثرها، يمكن أن نناقش ضعف تأثير تلك المدونات على المجتمعات العربية، من حيث هي أداة في "كيفية" حل الأزمة، من زاوية غياب أو محدودية التنمية في هذه المجتمعات، بالشكل الذي يجعلها مؤهلة للاستفادة من الإمكانيات المتاحة للوصل إلى "الماهية" التي تريدها وتعرفها جيداً.

صحيح أن "زمن الاحتكار الإعلامي انتهى" بفضل تلك المدونات، كما قال الأستاذ أبورمان، لكنني أجادل أن عهد تعميم فرص التأثير في رأي المجتمعات، باستخدام تلك المدونات أيضاً، لم يبدأ بعد في العالم العربي. ثمة تفاوت طبعاً بين مجتمع عربي وآخر، إذ يبدو المجتمع المصري مثلاً مستفيداً -إلى حد ما- من الفرص التي تتيحها المدونات في العالم العربي، وكذلك المجتمع السعودي، ويتضح أن للأمر علاقة بالخصوصية الوطنية، والحاجة الفردية لمصادر إعلامية حرّة، فمصر تشهد حراكاً اجتماعياً نشطاً نسبياً، قياساً إلى الدول العربية الأخرى، ومثال ذلك حركة كفاية، فيما أن الظروف الثقافية الداخلية للمجتمع السعودي، أنتجت فيه حراكاً "إصلاحياً" ملحوظاً، وفي الحالتين فإن الإقبال على المدونات، وتزايد دورها، قد ارتبط بالحراك الاجتماعي. علينا أن نلاحظ هنا أن ذلك الحراك، القائم على خصوصيات وطنية، لم يكن ليحدث لولا توافر حالة معقولة من التنمية في المجتمعين المصري والسعودي، وبالطبع فإن الاستفادة ستكون أكبر، وبلوغ النتائج المرجوة سيكون متاحاً أكثر، لو كانت حالة التنمية فيهما أعمق وأكثر تعميماً على الفئات والشرائح.

وبما أننا في الأردن لا نتوافر على ذلك الحراك الاجتماعي، وليس لدينا إلا ذلك النقاش الفكري النشط الذي صاغ الماهية من دون أن يعرف الكيفية، فإن دور المدونات سيظل محدوداً. الأمر، في العالم العربي كله، على علاقة وثيقة بالوصول إلى تنمية أفضل، وحينها يمكن توظيف المدونات أداة في "الكيفية" التي نبلغ بها "الماهية".

samer.khair@alghad.jo

التعليق