الاقتصاد العالمي: الازدهار والانهيار ثم استعادة العافية

تم نشره في الخميس 30 تشرين الأول / أكتوبر 2008. 03:00 صباحاً

نيويورك ـ سوف يسجل التاريخ هذه الأزمة الاقتصادية العالمية تحت عنوان "حماقة غرينسبان". كانت هذه الأزمة في الأساس من صنع مجلس إدارة بنك الاحتياطي الفيدرالي في الولايات المتحدة أثناء فترة اتسمت بسهولة كسب المال وإلغاء التنظيمات المالية الرسمية منذ منتصف تسعينيات القرن العشرين وحتى اليوم.

إن سياسة المال السهل، التي دعمها مسؤولون فشلوا في التنظيم والمراقبة، كانت سبباً في خلق فقاعات لم يسبق لها مثيل في الحجم في أسواق الإسكان والائتمان الاستهلاكي في الولايات المتحدة وغيرها من البلدان، وعلى الأخص تلك البلدان التي شاركت أميركا في توجهاتها الاقتصادية. والآن انفجرت الفقاعات، وأصبحت هذه البلدان في طريقها إلى الانزلاق إلى حالة من الركود الحاد.

وفي قلب هذه الأزمة كان ذلك الارتفاع غير العادي في أسعار المساكن والأوراق المالية والذي تجاوز كل الحدود التاريخية. كان غرينسبان سبباً في تغذية فقاعتين ـ فقاعة الإنترنت أثناء الفترة من العام 1998 إلى العام 2001، ثم فقاعة الإسكان التي انفجرت للتو. وفي كل من الحالتين كانت الزيادة في قيم الأصول سبباً في اقتناع الأسر الأميركية بأنها أصبحت أكثر ثراءً، الأمر الذي أغراها إلى زيادة هائلة في الاقتراض والإنفاق ـ لشراء المساكن، والسيارات، وغير ذلك من السلع الاستهلاكية المعمرة.

كانت أسواق المال متلهفة إلى إقراض هذه الأسر، وذلك لأن أسواق الائتمان كانت غير محكومة بتنظيمات رسمية، الأمر الذي كان بمثابة دعوة موجهة إلى الإقراض المتهور. وبسبب ازدهار أسعار الإسكان وسوق الأوراق المالية، فقد تزايد صافي ثروات الأسر الأميركية بما يقرب من 18 تريليون دولار أثناء الفترة من العام 1996 إلى العام 2006. وبالتالي، كان ارتفاع معدلات الاستهلاك استناداً إلى هذه الثروة سبباً في المزيد من الارتفاع في أسعار المساكن، الأمر الذي أقنع الأسر الأميركية والجهات المقرضة بأن هذه الفقاعة دائمة ولن تنفجر أبداً.

ثم انهار كل شيء. فقد بلغت أسعار المساكن أوجها أثناء العام 2006، وبلغت أسعار الأوراق المالية العادة أوجها في العام 2007. ومع انهيار هاتين الفقاعتين فسوف تنمحي ثروة ورقية ربما تقدر قيمتها بحوالي عشرة تريليونات من الدولارات أو قد تصل قيمتها إلى خمسة عشر تريليون دولار.

إن وقتنا الحالي يشهد حدوث العديد من الأمور المعقدة في نفس الوقت. أولاً، بدأت الأسر الأميركية في تخفيض استهلاكها بحدة بعد أن شعرت ـ وهو شعور حقيقي ـ بأنها أصبحت أكثر فقراً عما كانت عليه منذ عام واحد. ثانياً، أفلس عدد كبير من المؤسسات التي بالغت في الاعتماد على الروافع المالية، مثل بير شتيرنز وليمان برذرز، الأمر الذي أدى إلى المزيد من الخسائر في الثروات (ثروات هذه المؤسسات المفلسة، وحملة الأسهم، والدائنين) والمزيد من خسائر الائتمان الذي كانت مثل هذه المؤسسات تقدمه ذات يوم.

ثالثاً، خسرت البنوك التجارية أيضاً الكثير في هذه الصفقات، فضاع القدر الأعظم من رؤوس أموالها. ومع انحدار رؤوس الأموال، ستنحدر أيضاً قروض هذه البنوك في المستقبل. ورابعاً، كان إفلاس ليمان برذرز واقتراب مؤسسة التأمين العملاقة AIG من الإفلاس سبباً في إحداث نوع من الهلع المالي، الذي جعل حتى الشركات القوية عاجزة عن الحصول على القروض المصرفية قصيرة الأجل أو بيع الأوراق التجارية قصيرة الأجل.

والتحدي الماثل أمام صناع القرار السياسي اليوم يتلخص في استعادة القدر الكافي من الثقة للسماح للشركات بالعودة إلى الحصول على أرصدة الائتمان قصيرة الأجل لتغطية رواتب موظفيها وتمويل أصولها. ولسوف يكمن التحدي التالي في التحرك من أجل استرداد رؤوس أموال البنوك، حتى تتمكن البنوك التجارية من العودة إلى إقراض الاستثمارات الأطول أمداً.

ولكن على الرغم من أهمية هذه الخطوات وإلحاحها، إلا أنها لن تنجح في منع الركود في الولايات المتحدة وغيرها من البلدان التي ضربتها الأزمة. فمن غير المرجح أن تتمكن أسواق الأوراق المالية والإسكان من استعادة عافيتها في أي وقت قريب. ونتيجة لهذا فقد أصبحت الأسر أكثر فقراً، ولسوف تضطر إلى تخفيض إنفاقها بصورة حادة، الأمر الذي لابد وأن يجعل الركود أمراً محتماً في الأمد القريب.

سوف تكون الضربة الأشد من نصيب الولايات المتحدة، بيد أن الدول الأخرى التي شهدت ازدهاراً في الإسكان والاستهلاك حديثاً (والتي تشهد انحداراً الآن) ـ وبخاصة المملكة المتحدة، وأيرلندا، وأستراليا، وكندا، وأسبانيا ـ فلن تنجو من الضربات. أما أيسلندا التي بادرت إلى خصخصة بنوكها وإلغاء التنظيمات المالية منذ بضعة أعوام، فإنها تواجه اليوم خطر الإفلاس على المستوى الوطني، وذلك لأن بنوكها سوف تعجز عن السداد للدائنين الأجانب الذين أقرضوا هذه البنوك بكثافة. وليس من قبيل المصادفة أن كل هذه الدول، باستثناء أسبانيا، كانت ملتزمة التزاماً تاماً بالفلسفة التي كانت سائدة في الولايات المتحدة، ألا وهي فلسفة "السوق الحرة" والنظام المالي غير الخاضع للتنظيمات.

ولكن رغم الآلام التي تعيشها الأنظمة الاقتصادية غير الخاضعة للتنظيمات، على غرار النظام الأنجلوسكسوني، فإن أياً من هذا ليس بالضرورة أن يؤدي إلى كارثة عالمية. وأنا لا أرى أياً من الأسباب التي قد تؤدي إلى كساد عالمي، أو حتى ركود عالمي. أجل، سوف تتعرض الولايات المتحدة لانحدار في الدخل وارتفاع حاد في معدلات البطالة، الأمر الذي سيؤدي إلى انخفاض حجم صادرات بقية دول العالم إلى الولايات المتحدة. بيد أن العديد من أجزاء العالم الأخرى التي ما زالت تنمو، والعديد من البلدان ذات الاقتصاد القوي، بما في ذلك الصين، وألمانيا، واليابان، والمملكة العربية السعودية، ما زالت تتمتع بفوائض تصديرية ضخمة، وعلى هذا فقد استمرت في إقراض بقية العالم (وبخاصة الولايات المتحدة) بدلاً من الاقتراض.

إن هذه البلدان تفيض بالسيولة النقدية، ولا تتحمل مثل هذه الأعباء المترتبة على انهيار فقاعة الإسكان. ورغم أن الأسر في هذه البلدان قد عانت إلى درجة ما بسبب انهيار أسعار الأسهم، إلا أنها ليست قادرة على الاستمرار في النمو فحسب، بل إنها قادرة أيضاً على زيادة الطلب الداخلي من أجل معادلة الانحدار في الصادرات إلى الولايات المتحدة. ويتعين على هذه البلدان الآن أن تبادر إلى تخفيض الضرائب، وتخفيف شروط الائتمان المحلية، وزيادة الاستثمارات الحكومية في الطرق، ومشاريع الطاقة، والإسكان العام. كما تمتلك هذه البلدان ما يكفي من الاحتياطيات من العملات الأجنبية لكي تتجنب خطر عدم الاستقرار المالي بسبب زيادة إنفاقها الداخلي، ما دامت تتوخى الحكمة والحرص في إنفاقها.

وفي الولايات المتحدة، فإن المعاناة التي يعيشها الملايين من الناس حالياً، والتي سوف تنمو أثناء الأعوام القادة بسبب ارتفاع معدلات البطالة، تشكل فرصة لإعادة النظر في النموذج الاقتصادي الذي تبنته أميركا منذ تولى رونالد ريغان منصب الرئاسة في العام 1981. فقد أدى انخفاض الضرائب وتخفيف التنظيمات إلى نوع من العربدة الاستهلاكية التي استمتع بها الأميركيون طيلة بقائها، ولكنها كانت أيضاً السبب في خلق فجوة تفاوت هائلة في الدخول، ونشوء طبقة دنيا ضخمة، والاستغراق في الاقتراض الأجنبي، وإهمال البيئة والبنية الأساسية، والآن هذه الفوضى المالية الهائلة. ولقد حان الوقت الآن لتبني إستراتيجية اقتصادية جديدة ـ قائمة على "صفقة جديدة" جديدة.

جيفري دي. ساش أستاذ علوم الاقتصاد ومدير معهد الأرض بجامعة كولومبيا.

خاص بالغد بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت، 2008.

التعليق