البطاطا في الذكرى الستين لليوم العالمي لحقوق الإنسان!

تم نشره في الأربعاء 29 تشرين الأول / أكتوبر 2008. 03:00 صباحاً

أغنية المطربة اللبنانية المخضرمة صباح، والتي تغنت بالغذاء المتقشف، والعيش على "الخبز والزيتون والبطاطا" تثبت هذه الأيام أنها أغنية ريادية وسابقة لعصرها، ليس فقط لما تنطوي عليه من "خفة دم" وطرافة، على نقيض الغناء العربي المتجهم أو المسرف في النواح على "فراق الحبيب"، وإنما أيضاً لأنها استبقت الأمم المتحدة في تمجيد البطاطا والرفع من شأنها. ولذلك لن نستغرب أن تستعيد هذه الأغنية اعتبارها، وربما اعتمادها الأغنية الرسمية للسنة الدولية للبطاطا او البطاطس، على الأقل في الاحتفالات العربية بسنة البطاطا.

وحتى لا يظن القارئ أني أفرط في التهكم فإني أسارع إلى القول بأني فوجئت، وأنا أتلقى مقترحا رسميا حول احتفالات جامعة الدول العربية بالذكرى الستين للاعلان العالمي لحقوق الإنسان، أن فاتحة احتفالات الجامعة العربية بهذه المناسبة، وبإطلاق الميثاق العربي لحقوق الإنسان، الذي سوف يبدأ الشهر المقبل في عمان، يتضمن مهرجاناً للبطاطا!

ليس لدي تعليل للعلاقة بين حقوق الإنسان والبطاطا، سوى تزامن احتفال العالم بالذكرى الستين لاعلان حقوق الانسان مع اعتماد الأمم المتحدة هذا العام (2008) باعتباره سنة دولية للبطاطا. وقد فسر منظمو احتفالات جامعة الدول العربية المشار اليها أعلاه ادماج احتفالاتهم هذه مع اقامة مهرجان خاص بالبطاطا تفسيراً مسهباً، يمكن تلخيصه بأن البطاطا تشكل جزءاً رئيسياً من النظام الغذائي العالمي، حيث سجل الانتاج العالمي منه خلال العام 2007 رقماً قياسياً هو 320 مليون طن، كما يتوسع استهلاك العالم النامي منه بصورة متسارعة، علماً بأن انتاج نحو نصف هذا المحصول يعود إلى العالم النامي. ويوصي الخبراء بأن انتاج البطاطا واستهلاكه سوف يساعد سكان العالم الفقير على مواجهة الارتفاع الكبير في أسعار الأغذية وتأمين أمنهم الغذائي، فالبطاطا بخلاف السلع الغذائية الأخرى لا تدخل إلا جزئياً في نظام التجارة العالمي، ولا تخضع لتقلبات الأسواق الدولية.

ويرى منظمو احتفالية الجامعة العربية أنه نظراً إلى أن الحق في الغذاء واحد من حقوق الانسان الأساسية، ولأهمية التعريف بهذا الحق وتوفير ضماناته ومتطلباته، فقد ارتأت اللجنة المنظمة لاحتفالات جامعة الدول العربية تضمين هذه الاحتفالات نشاطاً خاصاً بالبطاطا، لجذب اهتمام المواطنين وصناع القرار إلى موضوع الحق في الغذاء من خلال الاحتفال بالسنة الدولية للبطاطا، جنباً إلى جنب، مع فعاليات الاحتفال بالعيد الستين لاعلان حقوق الإنسان.

هذا ما أوصت به لجنة خبراء حقوق الانسان في جامعة الدول العربية، ولا أدري بعد كيف سيكون وقع الاحتفال المزدوج بالعيد الستيني لحقوق الانسان والسنة الدولية للبطاطا على عامة الناس، وما إذا كان اهتمامهم سيكون أكثر بحقوق الانسان أم بالبطاطا. لكن الفضول دفعني للبحث عن قرار الأمم المتحدة باعتماد عام 2008 سنة دولية للبطاطا، وكنت أتوقع أن أستغرق وقتاً طويلاً في عملية البحث لأكتشف أن هناك موقعاً حافلاً بالمعلومات والأخبار يحمل إسم "السنة الدولية للبطاطا"، ويسمي هذه الثمرة "بالكنز الدفين". ولمن لا يصدق كل هذه الحفاوة بهذه الثمرة المتواضعة أنصحه بأن يذهب إلى موقعها التالي www.potato2008.org.

تقول الصفحة تحت عنوان: لماذا البطاطس؟ ما ملخصه: ان عدد سكان العالم ينمو سنوياً بمتوسط يزيد على 100 مليون شخص، وأن 95% من هذه الزيادة سوف تقع في البلدان النامية، حيث تتعرض الأراضي والمياه لضغوط كبيرة. ولذلك فإن التحدي الرئيسي للمجتمع الدولي هو تأمين الغذاء للأجيال الحالية وفي المستقبل، جنباً إلى جنب مع حماية الموارد الطبيعية المتناقصة. وستكون البطاطس جزءاً من الحل لهذه التحديات. لماذا؟ لأن زراعتها ممكنة في الأراضي المحدودة، وفي المناخات الأشد قسوة، والبطاطا غنية بالكربوهيدرات ما يجعلها مصدراً جيداً للطاقة، وتحتوي على أعلى كمية من البروتين من بين عائلة محاصيل الجذور والدرنيات، كما أنها غنية بالفيتامين (ج) والبوتاسيوم.

وتشير الصفحة انه على الرغم من ارتفاع متوسط استهلاك الشخص في العالم النامي من 10 كيلو غرام سنوياً، في مطلع الستينات إلى 21.5 كيلو غرام في مطلع العقد الحالي، الا انه دون معدل استهلاك الأوروبي الذي يصل اليوم إلى 93 كغم سنوياً. لذلك تفيد الدلائل، خاصة في ظل ارتفاع أسعار القمح والأرز والذرة والسلع الزراعية الأخرى، إلى ان الإقبال على استهلاك البطاطا في العالم النامي سيزداد مستقبلاً وبقوة.

لقد أُطلقت السنة الدولية للبطاطا بصورة رسمية من مقر الأمم المتحدة في نيويورك يوم 18 تشرين الأول/ اكتوبر 2007، بالتزامن مع الاحتفال بيوم الغذاء العالمي، وحظيت البطاطا باحتفال مهيب القيت فيه كلمات رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة، والأمين العام للأمم المتحدة، ومدير عام منظمة الأغذية والزراعة ووزير زراعة دولة بيرو ورئيس مجلس أمناء المركز الدولي للبطاطا. وتقود منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة فعاليات السنة الدولية للبطاطا بالتعاون مع عدد كبير من الشركاء الذين يضمون حكومات وشركات خاصة ومراكز ومنظمات للبحوث الزراعية، فضلاً عن منتجي البطاطا الكبار في العالم.

أجندة فعاليات السنة الدولية للبطاطا حافلة بالمعارض والمؤتمرات والمحاضرات، وهي تنتشر في أرجاء المعمورة، خاصة في الهند، ثالث منتج عالمي للبطاطا والصين وأمريكا اللاتينية وافريقيا حيث مصر تعد أكبر منتج للبطاطا في القارة السوداء، هذا فضلاً عن الولايات المتحدة والبلدان الأوروبية المختلفة. فماذا عن الأردن؟

باستثناء مهرجان البطاطا الذين أشرنا اليه في مطلع هذه المقالة، لم نسمع ان السنة الدولية للبطاطا مرت على الأردن، علماً بان إنتاج الأردن من البطاطا يصل إلى 160 ألف طن سنوياً حسب أرقام 2006. فهل يشكل المهرجان المنتظر فرصة لإثارة اهتمام المواطنين ووزارة الزراعة بالبطاطا، كبديل رخيص لفاتورة السلع الزراعية المتصاعدة الكلفة. وهل نسمع عن ابتكارات وعادات غذائية جديدة تجذب المواطنين نحو الاعتماد على البطاطا كبديل عن الأرز والحبوب الأخرى. هل نسمع، مثلاً، عن "منسف بالدجاج والبطاطا"؟!

التعليق