"التصفيات الداخلية" في مجلس النواب

تم نشره في الخميس 23 تشرين الأول / أكتوبر 2008. 03:00 صباحاً

لم أكنْ أرغب في التعليق مرة أخرى على الانتخابات الداخلية في مجلس النواب (المكتب الدائم ولجان الاختصاص) حتى لا أكرر نفسي وأبدو كمن يتصيد في الماء الصافي.

لكن مطالعاتي لصحف أمس وأول من أمس، وما حملت من مقالات وتحليلات صحافية من بعض الكتّاب، تشيد بالعملية الديمقراطية في مجلس النواب وتمجِّد "الاكثرية" المنظمة، وتبشر بعهد برلماني جديد (!). وتندب حظ "الأقلية" وتطالبها بالانصياع وقبول نتائج العملية الديمقراطية..

..هذه "الاحتفالية" بالفتح الديمقراطي "الزائف" دفعتني للتعليق مجدداً على "التصفيات" الداخلية في مجلس النواب، وكشف ما تحمله من مخاطر على العمل البرلماني برمته، وما تلحقه من أذى في الصورة المهلهلة أصلاً لمجلس النواب، الفاقد للكثير من شعبيته ومصداقيته السياسية، كما تشير إلى ذلك استطلاعات الرأي (97% غير راضين).

بدا لي واضحاً أنّ هناك "هجمة" إعلامية، لا تخطئها العين، تستهدف تسويق ممارسات "برلمانية" هجينة على العمل البرلماني الأردني استهدفت اصطفاء "نخبة" من نواب الموالاة، وتجميعهم في كتلتين نيابيتين على قاعدة الجيل (العمر)، وتسليمهم مقاليد "الحكم" في مجلس النواب، بدعوى أنّهم الأغلبية البرلمانية.

ولتنفيذ هذه السياسة البرلمانية المدمّرة ذاتياً، جرى تشكيل محور برلماني من الكتلتين، خاصم مسبقاً عدداً واسعاً من نواب الموالاة ومانحي الثقة للحكومة، كتلاً وأفراداً ناهيك عن المعارضة. وعمل هذا المحور البرلماني على إقصاء كل الكفاءات والخبرات النيابية ذات النزعة الاستقلالية، ليس بمعنى "التمرد" او الانقلاب على السياسات المستقرة، بل بالمعنى الاجتهادي في إطار النسق العام والوجهة العامة للدولة والحكومة التي منحوها الثقة. حتى كفاءات المحور جرى إبعادها (أ. منير صوبر، محمد أبو هديب، عدنان السواعير، وحازم الناصر).

ولتحقيق هذا الهدف "النبيل" أُطلقت اليد للمتنفذين المدعومين في كتل المحور (التيار والإخاء)، ليعيثوا في كل قواعد وأصول الأعراف البرلمانية، ويحققوا لأنفسهم مكاسب ومواقع نفوذ إضافية باعتبارهم "المقاولين" لهذا النهج وهذه السياسة الانقسامية المدمرة، وظهر الرئيس عبدالهادي المجالي، مغلوباً على أمره.

عن أي "عرس ديمقراطي" يتحدث السادة المصفقون للأغلبية العددية التي جرى تجميعها انتقائياً ونظمُها في كتل برلمانية مهمتها الدفاع عن سياسات الحكومة.

أيُّ ديمقراطية يتحدث عنها السادة تنتج 90% من لجان مجلس النواب (12 من 14 لجنة) بالتزكية نتيجة لصفقات استهدفت إقصاء الكفاءات والخبرات البرلمانية بهدف "نقاء" الموالاة؟.

أي مرحلة ديمقراطية جديدة يبشر بها السادة الكتّاب تقوم على التكاتف لعزل التيارات البرلمانية والتصفيات الداخلية في اطار كتل المحور ذاتها؟

في كل الدنيا، وفي كل البرلمانات الديمقراطية، تتشكل اللجان البرلمانية باعتبارها "المطبخ السياسي" بتمثيل نسبي لكل التيارات والكتل البرلمانية والمستقلين، حتى تكون كل الأفكار ووجهات النظر حاضرة، كلٌّ حسب حجمه. فالديمقراطية البرلمانية الداخلية - أيّها السادة- لا تقوم ابداً على الاقصاء والهيمنة حتى حين يملك طرف أغلبية عددية (النصف+ 1).

أمّا إطلاق الغرائز والنزعات التصفوية والهيمنة لأغلبية عددية بلا برامج أو سياسات او أهداف معلنة، فهذا ليس من الديمقراطية في شيء. مخطئ من يظن أنّه بهذه التوليفة العرجاء سوف يؤمِّن أغلبية برلمانية سياسية مريحة للحكومة، فهذه الأغلبية العددية لا تملك الدفاع عن نفسها ناهيك عن الحكومة. ولن تتمكن هذه الاغلبية العددية المركبة من إدارة دفة المجلس وحدها.

مصلحة الحكومة ومجلس النواب معاً، أن يجري التخلي عن سياسة العزل والاقصاء و"تلزيم" إدارة مجلس النواب على تيار بعينه. فالمصلحة العامة تقتضي هدم الجدار العازل بين النواب كتلاً وافراداً، والبحث معاً عن سبل النهوض بالدور الوطني والدستوري لمجلس النواب في التشريع والرقابة.

هكذا يريدنا جلالة الملك.. وهكذا تقتضي أمانة المسؤولية.

bassam.haddadin@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »سعادة النائب والكاتب (مراقب برلماني)

    الخميس 23 تشرين الأول / أكتوبر 2008.
    اولا تحية للصحافة الاردنية على الشفافية وعلى نقل الوجهات النظر المختلفة بتوازن وهنا اقول بتوازن ولا اقصد وجهات النظر المختلفة بتعصب او نابعه من مصالح شخصية ولكن يبدو ان سعادة الانائب الكاتب يتحامل وبشكل ملحوظ على موضوع الاغلبية وعلى الكتل النيابية وذلك من خلال كثرت كتاباته عن الموضوع وكان يجب على سعادته عدم ذكر اسماء معينه والتي قد تؤخذ على انها محاولة لزرع بذرة النزاع ولدي سؤال بسيط جدا لسعادته وارجو الاجابة عليه هل تم انتخاب كل الكافاءات التي ترشحت لعضوية المجلس ؟يا سعادة النائب الكاتب مبدأ المصالح الشخصية موجود لدى الجميع بلا استثناء واقولها بلا استثناء ولا مبرر لمن لم يحصل على مصلحة شخصية بمهاجمة الكل والشمس لا تغطى بغربال الكلمات ودمتم
  • »شكرا (aseel)

    الخميس 23 تشرين الأول / أكتوبر 2008.
    انا مع رأيك قلبا وقالبا. جلالة الملك أطال الله عمره وأدامه ذخرا مؤكد غير راضي عن أداء المجالس النيابية التي ما زالت بعيدة كل البعد عن هم الوطن والمواطن وقد أشار لذلك في أكثر من محفل.أنا متأكد أن الأوضاع السياسية والإقتصادية في المنطقة لو كانت مواتية لما حدث ما حدث في المجلس النيابي الحالي.دعنا لا نتسرع نائبي الذي أجل وأحترم ونتسرع لنجرب هؤلاء!و لما لا؟جربنا كل شي. الأمة الواعية والأجيال القادمة لن ترحم من يسرق الوطن الأغلى و الأجمل.ولن تسامح من يأكل الحديد والأسمنت.وخبأقوت الشعب وخان الملك و الو طن و المواطن. وكلها لله (وسيعلم الظالمون أي منقلب ينقلبون) أمريكا تنهارامام العالم.عتبي عليك لرضائك بالجلوس مع رؤوس الأموال!!!وكذلك على كل مواطن باع صوته وخان الأمانة
  • »لننظر إلى النصف المليان (Rami)

    الخميس 23 تشرين الأول / أكتوبر 2008.
    أشكر النائب المخضرم بسام حدادين على مقالاته المتواصلة والتي تعكس حالة متأصلة لديه في البحث مبررات جدلية لما يحدث في أي مؤسسة حزبية أو وطنية يدخل إليهاويعمل ضمن فريقها.
    النائب مبارك أبويامين هو نائب ديقراطي وطني تقدمي شاب قدم هو ووالده وجده الكثير الكثير للأردن وفلسطين إستطاع أن يكون رئيساً للجنة القانونية، والسؤال لماذا لم تستطع "الرموز الديمقراطية" في المجلس أن تستوعب على قاعدة الإئتلاف لا الإحتواء لهذه النخبة الممتازة في كتلة الإخاء؟ لم تنجح المناورات المتبعة عادة هذه المرة، إلا أن الفرصة قائمة للبدء اليوم بما يمكن تلافيه في الغد، وبناء رؤية مشتركة مع قوى شابة في المجلس لمواجهة الإستحقاقات القادمة؟ لذا فإنني أرجو منك إتباع ما عرف قديماً "الأفعال هي التي تسمع لا الأقوال"