زليخة أبوريشة

شمال جنوب شرق غرب

تم نشره في الخميس 16 تشرين الأول / أكتوبر 2008. 03:00 صباحاً

بالي - اندونيسيا

هذه هي المرة الاولى في حياتي التي اهبط فيها تحت خط الاستواء، أي النصف الجنوبي من الكرة الارضية. وقد منحني هذا فوراً إحساساً مزعجاً تجاه الشمال الذي يحوز الاهتمام والاهمية والثروة والسلطة من ثم..

وطرح هذا الاحساس جملة افكار حول علاقتنا - نحن العرب - بغيرنا من شعوب العالم؛ وهي علاقة آن لها ان تكون موضع تساؤلٍ جديٍّ, في ضوء كل ما تقدمه العلاقات القائمة او كل ما تحجبه.

فلأسبابٍ جغرافيةٍ وتاريخية توطدت صلاتنا بالغرب الذي هو الشمال في آنٍ واحد، وهي صلات غير ديمقراطية أي غير ندية، ولن توصلنا لا في غدٍ قريب او بعيد، الى مكانٍ شريفٍ, أي محترم ولائق.

وبسبب طول مدة هذه العلاقة مع الغرب الذي هو الشمال (قرن من الزمان أو يزيد) فلقد ازدادت معرفتنا به، وبتفاصيل حضارته وثقافته، ورغبتنا المخلصة - من ثم - في التماهي بها، بينما ازداد جهلنا بالشرق الذي هو الجنوب "مثلنا" أيضاً، وانحصرت في العقود الاخيرة معرفتنا به في أمرين لا ثالث لهما: الاتجار البشري بالخدم والعمالة الآسيوية، والبضاعة اليابانية او الكورية او الصينية.

بمعنى آخر، إننا على جهل مطبق بحضارة الشرق او لنقل بحضارة آسيا. على جهل مطبق بالأخوة النظرية التي تربطنا بشعوبها، وبثقافة هذه الشعوب... إننا على جهلٍ خطير بالمعاني المشتركة التي تربطنا - دون أن ندري - بروح المعرفة هنا, وبقيم الانسانية الرقيقة والشفافة التي يريد تديننا وتصوفنا مثلاِ ان يأخذنا اليها.. إننا على جهل بالتاريخ المشترك, تاريخ الاستعمار الغربي لنا ولها, والذي يصنع - دون ان نستفيد مما يصنع - جسراً يمكن ان تعبر عليه احلامنا في غدٍ مسالمٍ وعادل.

الشمال شمال, والجنوب جنوب, والشرق شرق, والغرب غرب.. هذه هي المعادلة الآن. وما الخطاب السطحي الغربي عن التقاء الشعوب وكرامتها إلا ماكياج لتمويه حقيقة الامبراطورية الغربية (الاميركية, الفرنسية, الالمانية, الاتحاد الاوروبي...) التي تتربص بالعالم وتمد ايديها (سياساتها وجيوشها) لصنع أقداره وعلى مقاسها هي ومصالحها هي.

فما الذي يضيرنا - انظمةً وشعوباً - ان نوثق صلاتنا بهذه القارة الجميلة والغنية والباذخة بقدراتها الثقافية والانسانية، آسيا، التي نحن جزء غير قليل منها؟؟ ما الذي يضيرنا لو تعرضنا أكثر لافكارها واديانها وفلسفتها وفنونها؟ تلك التي ستلتقي مع اكثر افكارنا وفلسفتنا وادياننا اخلاصاً للطبيعة وللانسان؟! وستعدل ما شوهه التغرب والاستغراب في سلوكنا ومظاهرنا وطموحاتنا المزيفة.

لقد وصل اجدادنا المغامرون الى هذه البلاد القصية حاملين تجارتهم وافكارهم، وتركوا هنا دينهم الاسلام.

كانوا اكثر طموحاً منا، وأصبر على تقلبات الطبيعة والزمن. فكيف يمكن ان نجدد عهداً لم تكن فيه فتوحات جندٍ، ولا حروب دول، بل مصالح وتجارات ورحالة؟؟

هنا شعوب بسيطة وطيبة وطبيعية (أي أكثر التصاقاً بالطبيعة)، تحترم الطبيعة وتحبها وتعبر عن حبها واحترامها بأجمل الصور وارقاها، وتحترم العمل اليدوي وتتقنه، وتعنى بالتفاصيل.

انها بعبارة اخرى شعوب حضارات التفاصيل. وليس التعرف اليها والتواصل معها الا اغناء حقيقي لثقافتنا ومعرفتنا ووجودنا في معترك الاجتثاث والمحو.

ومثلما ثمة طب بديل, وموسيقى بديلة, وفنون بديلة, فثمة ايضاً ثقافة بديلة هي ثقافة الشعوب المهمشة: آسيا وافريقيا.. وهي ثقافة ستساعدنا على أن ننقذ جيوبنا ومن ثم كرامتنا من دفع فواتير الولاء للغرب, بأن نملأ هذه الجيوب وهذه الكرامة, بصداقة شعوب لطيفة وبالغة التواضع ولا تعاني من عقدة الاستعلاء او عقدة "الرجل الابيض" الذي يَفْضُل سائر البشر.

آسيا جميلة وغنية ومحبة لمن يقترب منها.

zulayka.abureesheh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »أسمعت لو ناديت حيا (sanad albanna)

    الخميس 16 تشرين الأول / أكتوبر 2008.
    أتفق كثيرا مع ما ذهبنت إليه الكاتبة من تقصيرنا في حق هذه الثقافات ( الجنوبية والآسيوية) سواء بالترجمة أو التفاعل أو التعامل مع شعوبها’ من المؤسف أن ندير وجوهنا عن شعوب وثقافات تجمعنا بها كل تلك المساحات الجغرافية والسياسية والاعتقادية وتشكل ثقافتنا جزءا من ثقافتهم ثم لا يجدون منا إلا الصد والاستعلاء والنظر إليهم كشغ لات في بيوتنا قلما يعاملون بطريقة تحفظ حدا أدنى من إنسانيتهم . في حين أننا نصفق ونركض ونلهث وراء غرب ظالم مهيمن مستعل علينا محتل لأرواحنا وبلادنا ناهب لثرواتنا ، لو وظفنا جزءا من مال العرب في ترجمة ثقافة الشرق والجنوب ولو وظفنا جزءا من مال العرب في مشاريع تنموية في هذه المناطق من العالم لكنا حافظنا على خزان استراتيجي لأمتنا نجده معنا كما كان معنا عبر التاريخ الطويل لنا ولهم .ولكننا آثرنا تبديد جهودنا وأموالنا في إرضاء الغرب الذي لن يرضى إلا بمسخنا وتحويلنا إلى تابع له مستهلك لمنتجاته من كل نوع وعلى رأسها المنتج الثقافي،
    لهذه الشعوب دين في رقابنا ولكن من هانت عليه نفسه وأمته تهون عليه نفوس وأمم اخرى.
    أسمعت لو ناديت حيا
  • »شرق ماذا؟ (ديمة خليفات)

    الخميس 16 تشرين الأول / أكتوبر 2008.
    شكراً لك. ولكني أختلف معك في تسمية الشرق شرقاً والغرب غرباً. فهذه التسمية تعني أنه لا بد أن يكون مكان ماهو محور الكون، وما يكون شرقه يكون شرقا ومايكون غربه يكون غربا.
    فعلى سبيل المثال، هل تعتبر الهند وايران دولا غربية بالنسبة لليابان ؟؟ قطعا لا، لأن من أطلق هذه التسمية بالتأكيد لم يكن يابانيا.
    قد لا اختلف معك في تقسيم الشمال والجنوب اذا اعتبرنا خط الاستواء أو المدارات حدوداً فاصلة.
  • »مرجعيات فرديه (سندس داود)

    الخميس 16 تشرين الأول / أكتوبر 2008.
    أحب أن أضيف أنه من الطبيعي أن تكون التجربه العمليه في التعرف على الحضارات الاخرى أكثر إثراء لفكرنا وتجاربنا الشخصيه. ولكن هنالك أيضا أفلام وثائقيه تتناول حضارات الشعوب، وهذه الأفلام التسجيليه التي تعرض على الفضائيات في غايه الأهميه لان من شأنها أن تنقل بالصوت والصوره حقائق مصوره ، المشكله الحقيقيه تكمن في أن التعرف على حضارات أخرى والالتحام مع شعوبها هي عباره عن مرجعيات فرديه، قد لا يوجد لها اولويه عند البعض أو لا تحظى باهميه تبرزها كاداه ثقافيه، مما يوسع دائرة الانضمام إلى ترسيخ الصوره النمطيه المتداوله. ورجوعا للخلفيات الثقافيه المتنوعه لمن يعتبروا مهتمين في ثقافة الحضارات، سيرى كل فرد الحضارات الاخرى بطريقه مختلفه تتناسب مع قيمه و مقاييسه الثقافيه، و مثال على ذلك، قد يعتبر البعض بساطه العيش قيمه نادره من شأنها أن توثق الاندماج مع الطبيعه المحيطه و استقاء قوه روحيه منها، فيما قد يذهب اخرون إلى التفرس في العادات الاجتماعيه السائده و المكتسبه معتبريها قيمه سلبيه في مضمونها أحيانا. كما أود الاشاره إلى أن الثقافة السائده عن حضارة الغرب هي في معظمها غير صحيحه..ولكن للاسف ينحاز البعض لتلميع صورة الغرب ورؤيه الجانب المضيء فقط و مقارنته مع حضارتنا كنوع من إعلان ضرورة إقتلاع الترسبات المضنيه، بدلا من إعلان مظاهره جماعية تهدف للتحديث بشكل جدي وجماعي، كما تهدف لابراز إجابياتنا وترسيخ منجزاتنا