زليخة أبوريشة

عندما طيَّر خليفة الحَمام

تم نشره في الثلاثاء 7 تشرين الأول / أكتوبر 2008. 03:00 صباحاً

 

لا حدود لإعجابي ولا لمحبتي لذاك الفنان الجميل الذي اسمه مارسيل خليفة، كما لا حدود لإعجابي ولا لمحبتي لذاك الشاعر العظيم الذي اسمه محمود درويش.. وكل ذلك مبرر وموثق كما ينبغي.

ففي الذكرى الأربعين لرحيل درويش طيَّر مارسيل خليفة في سماء مدرج الأمير الحسن وسماء الجامعة الأردنية وسماء عمان وسماء الأردن، حمام درويش الذي راح يتناسل في الفضاء ويطير في كل اتجاه بما فيه القلوب التي راحت تنشج.

لم تكن سوى وقفة قصيرة لوفاء مرتبك.. عندما احتضن مارسيل عوده الذي ينطق بسبع لغات، وراح يحاوره ويصغي اليه كما يحاور الحضور الراقي لشعب يتذوق جمال اللغة، وجمال الايقاع في أول نقرة لمارسيل.

كان درويش في فتوّته الاولى قد كتب عن ريتّا والبندقية التي تقف بينهما. وكان ذلك تعبيراً حياً وجميلاً عن علاقة مستحيلة بين ابنة الجلاد والضحية... وكان ذلك غير مستحيل في الشعر. ولكن الذي كان مستحيلاً حقاً هو نقل القصيدة من سياقها الشعري الذي يمكن أنْ يُلقي معطفه على أكثر الصور صراحةً، إلى سياق الغناء حيث تصبح الشفاه، شفاه الحبيبة, تابواً غريباً.. ولكنه متاح كالفن ومشرع كما الحياة.

اذ لم يمنع مارسيلُ، ومن قبله درويشُ، الانصراف الكلي إلى القضايا، من التوقف قليلاً عند ثنايا المحبوبة الحسية وتشهّي لمسها الوشيك.. واذا كان محمود يربّي حسّيته التي ستخرج من بين أعطاف قصيدته "ريتا" كما يربي المزارع خلية نحله (على نحوٍ مما قاله المفكر فواز طرابلسي في ملتقى الأربعين الذي أعدت له رابطة الكتاب الاردنيين السبت الفائت)، فإن مارسيل خليفة قد تعهد هذه الحسية أيضاً ولكن في سياق خطير آخر هو "غناء المقاومة" او ما يسميه بعض الناس "الغناء الملتزم".

لقد أحدثت قصيدة ريتّا ثقباً في بالون ايدولوجيا شعر المقاومة، بل إن شئنا الدقة أدارت دفة السفينة التي كانت تقله، نحو أفق جديد ومراعٍ جديدة للحب وتحقق الإنسانية.

 إن التقاط خليفة لهذا الأمر، لهو تعبير استثنائي عن رهافة إحساسه وقدرته الخارقة على مخاطبة الوعي والوعي الجمعي، واللاوعي الفني العميق.

وكالعادة ايضاً، غنّى مارسيل، وغناها.. ودمج جمهوره العاشق في عبارته الموسيقية، وعبارة درويش الشعرية، وخَلَقَ جواً ليس نادراً على أجواء مارسيل ولا على أجواء محمود.

كانت أجمل تحية من أجمل فنان.. الفنان العظيم المتواري في تواضعه ولطفه وشغفه الدائم لان يكون ذاك الضوء قويّ الشكيمة الذي يقوم في حياتنا، ويهدهد بنبل لم يَرْتَوِ من آلامنا بعد.

zulayka.abureesheh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لو ان لدينا مليون مارسيل (لينا خالد)

    الثلاثاء 7 تشرين الأول / أكتوبر 2008.
    لقد حالفني الحظ بان اكون في تلك الامسية الرائعة التي ابنت الشاعر الكبير بالطريقة الى تليق به وترتقي الى مستواه، من تنظيم الحفل الى دقة التوقيت الى الصورة المأخوذة لدرويش والمزينة ببعض اشعاره الى روعة الكلمات التي قيلت في الراحل العظيم، كان كل مؤبن يلقي بكلمة اجمل من سابقتها بحيث ان الجمهور لم يتململ من كثرة الخطابات، وكانهم قد اتفقوا ان يتخذ كل منهم جانب من حياة درويش فيثري الحديث عنه، وكان مسك الختام مارسيل هو المتمم لهذه الصورة، بالفعل لقد حلق بنا مارسيل الى عالم آخر حيث انتقى اجمل ما غنى من قصائد درويش وجعلنا نشدو معه (على الرغم من افتقارنا للاصوات الجميلة) الا انه جعلنا نشعر بان كل واحد منا يعيش قصة حب مع ريتا، ودق ابواب الحنين لامهاتنا وخبزهن وقهوتهن.
    لقد شعرنا في هذا الحفل (او انا على الاقل بان درويش لا يزال بيننا) ربما لان الرثاء كان فعلا نابعا من القلب.
  • »مع التحيه (حازم بلعاوي)

    الثلاثاء 7 تشرين الأول / أكتوبر 2008.
    الفاضلة السيده زليخه
    يسعدني متابعة كتاباتك حتى لو كنت اعارض مضمون بعضها الا اني اتابعك وابحث عن انتاجك بين الجميع متخطيا عناوينهم حتى يقع بصري على مواضيعك , انا بعثت غير هذا التعليق من بداية الفجر وكررته كثيرا املا ان يقوم الاخ المحرر بتنزيل ما احببت ان اشارك به وظمن الموضوع الخاص بالشعر والشعراء حبذا لو تردي على اميلي لسؤالك ببعض الامور التي ارغب بالكتابة عنها مع الشكر