إبراهيم غرايبة

شاطئ عمان السياحي

تم نشره في الأحد 5 تشرين الأول / أكتوبر 2008. 03:00 صباحاً

خطر لي في إجازة العيد وأنا أمضي مع أسرتي بضع ساعات في شاطئ عمان السياحي في البحر الميت، أنه يمثل أكثر من مكان سياحي وترفيهي، ولكنه يساعد في تشكيل أساليب جديدة من الحياة والسلوك تؤسس لحياة مدينية هادئة وجميلة أيضا، فالمتنزه الذي يغص بالناس في الإجازات يبدو أيضا مكانا هادئا ومنعزلا، ويتصرف الزوار بأسلوب يحترم كثيرا الخصوصية، ويجعل الناس يتمتعون بجمال المكان ودفئه، ويقضون ساعات من الاسترخاء والنزهة، ويلعب الأطفال ويقضون وقتا جميلا كما لو أنهم في مكان خاص بهم، ويمكن ممارسة السباحة والاستشفاء بطين البحر وأملاحه، كل ذلك بتكلفة معقولة هي أقل من ثمن الفنادق المجاورة أو الربع بالنسبة للشاطئ الأول، وهذا يتيح لشريحة واسعة من المواطنين القدرة على الترويح الذي أصبح من ضرورات الحياة ومتطلباتها.

وقد أدهشني سلوك الزوار، فلا تكاد تلحظ سلوكا مؤذيا، ولا أظن سبب ذلك فقط أن المكان مخصص للعائلات، برغم ما في ذلك من ظلم للشباب، ولكن قد يكون من المناسب أيضا إقامة شاطئ ثالث مخصص للشباب.

الواقع أن تجربة شاطئ عمان تشجع على مقولة وملاحظة متكررة عن غياب المرافق والمؤسسات والمتاجر والسلع الموجهة للطبقة الوسطى، فيجد المواطن نفسه حائرا بين خدمتين أو سلعتين، إحداهما تكلفتها باهظة وتفوق قدرته المالية والنفسية أيضا، وأخرى بالغة الرداءة ولا تكاد تصلح للاستهلاك البشري، وهذا يشجع على اتجاهات متردية في السلوك والحياة والإنفاق ليس أقلها الفوضى وغياب السلوك الجمالي، ففي غياب المتنزهات الملائمة ينتشر الناس على جوانب الطرق وفي الساحات والغابات على نحو فوضوي، وبخلو الأماكن من المرافق والمراقبة يتردى السلوك البشري نفسه للزوار، فتتحول الطرق والساحات إلى أماكن يكاد يستحيل استخدامها إلا بالتخلي عن متطلبات الذوق والانتماء إلى المكان والحضارة، وأحاول أن أمنع نفسي عن وصف المشاهد والصور القائمة لدينا اليوم، وأقل ما يمكن وصفها بأنها لا تساعد على تحسين حياة الناس بل العكس فإنها تزيد معاناتهم وشعورهم بالضيق وغياب العلاقة الجميلة بالمكان والناس والحياة أيضا.

أمانة عمان بإقامتها هذا الشاطئ الجميل لا تشجع فقط السياحة الداخلية والخارجية فثمة عدد من السياح العرب والأجانب يقصدون المكان، ولكنها تساعد في تشكيل سلوك جمعي ثقافي واجتماعي ملائم للمدن والأعمال والمهن، ففي المدن المزدحمة وفي الأعمال والطبقات التي لا تساعد على الحصول على خدمات الفنادق والمنتجعات المترفة يحتاج الناس إلى مؤسسات تقدم خدمات معقولة وأيضا إلى سلوك اجتماعي وثقافي يجعل هذه الأماكن والمرافق قادرة على منح الناس ما يتطلعون إليه من الخدمة نفسها في الأماكن الخاصة والمكلفة، فالسلوك الراقي من النظافة واحترام الخصوصية والهدوء وسائر التفصيلات الأخرى التي ليس مكانها هذه المقالة تعوض الناس كثيرا مما يعجزون عن تحقيقه أو الوصول إليه في القصور والفلل والمنتجعات والفنادق الغالية (وليست بالضرورة الراقية).

لماذا لا يكون في عمان فروع لمحلات سي آند إيه على سبيل المثال ويكون فروع للماركات الشهيرة والمكلفة؟ لماذا لا نفكر في منظومة من السلع والخدمات والمرافق والأعمال والمشروعات الاستثمارية والتي لا تقوم على فكرة أنها موجهة للأغنياء ولا على حساب الجودة لأجل تقليل التكلفة، فثمة خيارات أخرى كثيرة، وقد ثبت بالفعل أن التضحية بجودة الخدمات والسلع يودي بثقافة الناس ويجعلهم في أزمتين فظيعتين، التراجع الثقافي والاجتماعي أو التطلع الفج والازدواجية في أسلوب الحياة ووجهة الإنفاق وتوزيع الموارد.

الطبقة الوسطى في عمان والأردن واسعة وآخذة بالاتساع، ولا يقلل من وجودها وحضورها تراجع مستوى دخلها، فالدخل هو أحد مؤشرات وأسس تشكل الطبقات ولكنه ليس العنصر الوحيد، ومن ثم فإن مواصلة تجاهل هذه الطبقة في السياسات والاستثمار والمرافق والمؤسسات ينشئ أسلوبا في الحياة يضج بالأزمات والتوتر والأمراض والعيوب والجرائم أيضا، نحتاج لأكثر من الإسمنت والحديد والمال في تنظيم المدن والخدمات، وربما يكون المورد الأساسي في التخطيط هو الخيال القائم على حساسية جميلة باحتياجات الناس ومشاعرهم وحياتهم، وعندما أسس ابن خلدون علم الاجتماع سماه "العمران" ولكن مصطلح العمارة اليوم ينصرف تلقائيا في أذهان الناس وربما القادة والمسؤولين والمستثمرين إلى غير معناه الأصلي برغم أنه مايزال عند أصحابه كما هو عند ابن خلدون.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الطبقه الوسطى (خالد الشواقفه)

    الأحد 5 تشرين الأول / أكتوبر 2008.
    بالحقيقه مقالك بمكانه استاذ ابراهيم وانا اؤيد كل حرف تفضلت بيه .اسمحلي بس مش فاهم الاخت سهاد شو علاقه شرائح ضريبه الدخل بتصنيف الطبقات وما بيوم درسنا هيك تصنيفات
    اما سؤالك المشروع وين ضرائبك يا ليتك تتذكري نعمه الامن والامان اللي الله اعطانا اياها وطبعا ما لازم ننسى انها مكلفه بالاضافه الى النفط والكهرباء والطرق والرواتب وووووووو

    ليتنا نتوقف عن جلد الذات ونحكي الحمد لله
    مع كل الاحترام الك سهاد وللكاتب
  • »حكي بينسمع (لانا)

    الأحد 5 تشرين الأول / أكتوبر 2008.
    بالعيد الواح بحب انو يرفه شوي عن حاله بس مافي اماكن بتناسب الوضع المالي والنفسي والعادات والتقاليد اللي الواحد متعود عليهم
  • »الاردن (صفاء)

    الأحد 5 تشرين الأول / أكتوبر 2008.
    مشكور استاذي على المقال الرائع.
    بصراحه انا كنت بتصفح الجريده تصفح سريع لمعرفة الاخبارو لفت انتباهي اول شي العنوان الجميلللمقاله فقرأتهاو انني لأتم على فكرتك و أاكد عل رأيك.
  • »سواليف حصيدة (سهاد)

    الأحد 5 تشرين الأول / أكتوبر 2008.
    الي اعجبني بالكات انه ضمن نفسه للطبقى الوسطى التي انتهت زالت من الوجود
    اذا يا استاذي ضريبة الدخل حددت الشريحه الاولى للضريبة بي 10 الاف فما فوق
    والثانيه بي 20 الف فما فوق
    اي بعد كل الاقتطاعات عن الزوجه والاولاد وايجار البيت والعلاج والتعليم وخلافه
    المبلغ الخاضع للضريبه هو 10 - 20 الف
    مما يعني ان دخل الطبقه الوسطى هو من 2000 الى 3000 دينار شهريا
    فهل انت من ضمن هذه الطبقه؟؟

    وبعدين ليش يكون عنا شاطيء سياحي واحد او اثنين او عشرة مكتمل المرافق؟؟
    ليش ما تكون كل شطائنا مكتملة المرافق؟؟
    يعني تقول عنا 10 الالاف كيلو شواطىء

    وين الشواطىء العامه للعموم؟؟

    احنا وين ضرايبا بتروح على مين بتنصرف؟؟
    اذا الحد الادنى من الخدمات "الي مفروض مجاني او مدعوم" بندف عثمنه اضعاف مضاعفه واكثر من مرة