هل تخرج تركيا عن دائرة تحالفها الإقليمي ضد العراق؟

تم نشره في السبت 20 أيلول / سبتمبر 2008. 02:00 صباحاً

في الأيام الخمسة الماضية، بذل الأميركيون جهوداً ناجحة، خلف الستار، لتهدئة الأجواء وصياغة تفاهمات مشتركة وحلول توافقية لأزمة خانقين وكركوك التي عصفت بالعلاقات الكردية العراقية في الأشهر القليلة الماضية. في هذا الإطار، نجح السفير الأميركي في بغداد رايان كروكر، خصوصاً إثر الزيارة المفاجئة التي قام بها وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس الى العاصمة العراقية، نجح في إقناع الطرفين بسحب قطاعاتهما العسكرية من خانقين وأطرافها وتسليم الحماية الأمنية فيها الى قوات الشرطة المحلية. كذلك نجح في تنشيط المداولات الجارية بين العراقيين حول الفقرة 24 من قانون انتخاب مجالس المحافظات، وإقناعهم بالتركيز على مقترحات قدّمها المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا في خصوص تأجيل الانتخابات في كركوك مدة ستة اشهر، والعمل في الوقت ذاته لتسريع الخطوات في إتجاه تطبيق الإستحقاقات الدستورية الخاصة بالمناطق المتنازع عليها، أي تطبيق المادة 140.

الى هنا، يصح التأكيد أن الأميركيين بذلوا بالفعل جهودا ناجحة في اتجاه تطويق الأزمة بين الأكراد وحكومة نوري المالكي، ووضع حد لاحتمالات تحولها الى مواجهات عسكرية بين الطرفين. غير أن هذا لا يمكن أن يعني أن الحلول المقترحة عن طريق كروكر ودي ميستورا سترى النور قريباً. أو أنها ستسهم في إنهاء الخلافات المتعلقة بالمادة 140 وأن التعاون والتناغم سيعودان الى العلاقات بين المالكي والمكوّن الكردي. فالرأي بين الأكراد أن هذه الحلول والتفاهمات ستظل وقتية، هشة، قابلة للانهيار في أي لحظة لأسباب لا أقلها أن المزاج السياسي العام في بغداد بشكل عام، وفي أروقة حكومة المالكي بشكل خاص، لا يشير، على الأقل حتى الآن، الى أي استعداد فعلي لتطبيق المادة 140 رغم مضي نحو عامين على سنّها وربطها بسقف زمني محدد. الى ذلك، يضيفون أن عوامل عدة دفعت وما تزال تدفع  بالحكومة العراقية الى تأخير تطبيق هذه المادة التي يرى فيها الأكراد الحلقة الأكثر مركزية في حركتهم القومية من جهة، وفي توطيد اندماجهم الكامل مع الدولة العراقية من جهة ثانية.

في هذا المنحى، يعتقد الأكراد أن أحد أهم هذه العوامل وأعمقها تأثيراً في تردي العلاقات بين بغداد وأربيل، هو شدّة تأثير التحالف الإقليمي على المالكي وسياساته ومواقفه. هنا، كثيراً ما يتحدث الأكراد عن أن خلافاتهم الراهنة مع بغداد لا تعود في جذورها الى حكومة المالكي أو الى اخطاء في طريقة تعاملهم مع العملية السياسية العراقية، إنما تعود في المقام الأول الى التحالف الإيراني التركي السوري الذي يركّز جهداً استثنائياً على تعكير العلاقات بين العراق وأكراده. أما عن طبيعة مواقف التحالف الإقليمي، فإن الأكراد يرون اختلافات جوهرية بين مواقف كل من إيران وسورية من جهة وتركيا من جهة ثانية حيال الموضوع الكردي في العراق. ففي خصوص الدولتين الإيرانية والسورية، يعتقد الأكراد أن الدافع الاساس لموقفيهما هو رغبتهما في تصفية حساباتهما وصراعاتهما مع الأميركيين انطلاقاً من قناعة مفادها أن الحالة الكردية هي دعامة رئيسة من دعامات الأميركيين في العراق. أما الدافع التركي فهو متعلق لا بأي صراع تركي أميركي، إنما بمخاوف أنقرة من الحالة الكردية العراقية واحتمالات تمددها الى داخل حدودها حيث تعيش كتلة كبيرة يربو تعدادها على 17 مليون كردي.

إذا صحّ هذا التفسير، يصح أيضاً أن الولايات المتحدة لا تستطيع التأثير في المواقف الإيرانية والسورية. لكنها قطعاً تستطيع عمل شيء كثير في اتجاه إزالة المخاوف التركية وإقناع أنقرة بضرورة تطبيع علاقاتها مع المكوّن الكردي العراقي. هذا التطور في حال حدوثه، سيفيد، بالتأكيد، في دعم الموقف الأميركي داخل العراق والمنطقة. كذلك في تنشيط مختلف العلاقات السياسية والاقتصادية والعسكرية بين العراق وتركيا. لكن الأهم، أنه سيفيد في تعزيز الأمن الداخلي والإقليمي للعراق عبر فك الارتباط بين محور الاعتدال التركي ومحور التشدد الإيراني السوري.

استطراداً، تحوز هذه المسألة على أهمية خاصة لأسباب كثيرة لا أقلها، أولاً، أن الأكراد تحولوا في ظل المتغيرات السياسية في العالم خلال الأعوام العشرين الماضية الى حقيقة سياسية في المنطقة يصعب نكرانها، ما يعني ضرورة دمجها، أو على الأقل تطبيع علاقاتها مع الفضاء الإقليمي المتناغم مع الديمقراطية والانفتاح على الغرب. ثانياً، أن هذا التطبيع سيفتح باباً واسعاً أمام تركيا للعب دور أساسي في مساعدة العراقيين في البناء السياسي والاقتصادي والثقافي لبلادهم. ثالثاً، سيسهم أيضاً في موازنة النفوذ الإيراني في العراق وتعزيز مواقع القوى الرادعة لأي محاولة تهدف الى تحويل العراق الى نموذج ديني على غرار إيران. رابعاً، أن التطبيع التركي الكردي سيحفظ التوازنات الإثنية والدينية والمذهبية في العراق خصوصاً مع اقتراب موعد خروج العراق من إسار البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

خلاصة القول إن التهدئة الحالية لحالة الاحتقان والخلافات بين بغداد وأربيل، تظل هشة وناقصة ما لم تبذل واشنطن جهوداً إضافية من أجل حثّ حكومة المالكي، أولاً، على تطبيق المادة 140، وحثّ أنقرة، ثانياً، على تطبيع علاقاتها مع حكومة إقليم كردستان العراق والخروج من التحالف الإقليمي البغيض الذي يهدف الى تدمير حرية العراق وتفتيت الدولة العراقية ودفع مكوناتها الى التحارب والعنف بدل الانخراط في بناء عراق دستوري، ديمقراطي، فيدرالي موحد.

كاتب وسياسي كردي

التعليق