في الذكرى السابعة لأحداث أيلول.. لا تغيير!

تم نشره في الأربعاء 10 أيلول / سبتمبر 2008. 03:00 صباحاً

نشهد في هذه الايام الذكرى السابعة للأحداث المفجعة التي وقعت في الحادي عشر من ايلول عام 2001، والتي شكلت علامة فارقة في التاريخ المعاصر, اما بالنسبة لنا في هذه البلاد فقد كانت ضربة قاصمة لعلاقاتنا كعرب, او كمسلمين مع العالم الغربي, ولكن مع الولايات المتحدة بالذات, كما انها شوهت صورتنا في العالم.

ومع ان الزمن عادة يعمل على دمل الجروح, الا ان ما نشهده ازاء ما جرى ذلك اليوم المشؤوم قبل سبع سنوات ما تزال اصداؤه تتردد وتتصاعد.

الاسباب لذلك كثيرة ولكنني سأكتفي بالاشارة لما اعتقد انه اهمها:

وأولها فشل الحرب على الارهاب, في الحقيقة ان الحرب على الارهاب لم تفشل فقط بل اتت بنتائج عكسية تماما.

لقد شنت اميركا بعد تعرضها لهجمات ايلول حربا شاملة على الارهاب, وفي حينه وقف العالم بأسره معها, لأنها ضربت في عقر دارها, ولأنه كان من حقها ان تتعقب الذين دبروا ونفذوا ذلك العدوان, كما ان العالم اعترف لاميركا, المجروحة انئذ بحقها بأن تدافع عن نفسها وعن مواطنيها.

بعد اقل من شهر من وقوع تلك الهجمات شنت اميركا بترخيص دولي حربا على افغانستان لمعاقبة طالبان على ايوائهم لبن لادن, ولرفضهم تسليمه للعدالة, ولكن اهداف الحرب شملت اكثر من ذلك, شملت وضع حد للفوضى في افغانستان, ببناء الديمقراطية ومؤسسات الحكم الصالحة, وتنظيف البلد من الفوضى, وبناء المجتمع والاقتصاد والتعليم, والتكفير عن اخطاء الماضي التي تركت افغانستان فريسة التخلف والتطرف والحرب الاهلية والفوضى بعد نضال خاضه البلد للتحرر من حكم السوفيات بدعم القوى التي تخلت عنه.

لم تحقق الحرب على افغانستان ايا من اهدافها, صحيح انها تمكنت في البداية من اسقاط حكم طالبان, فلم تكن تلك بالمهمة الصعبة, ولكن طالبان تعود بقوة الان لتحارب قوات الناتو التي تصارع لسبع سنوات من اجل الحفاظ على اي قدر من السيطرة خارج بعض اجزاء العاصمة.

ولا كانت التجربة الديمقراطية جديرة بأي تقدير, فالفوضى هي الفوضى, والحرب ما تزال مستمرة, والوعود تبخرت كالعادة, ولم يتحقق اي بناء يذكر, وكل ما يعني المتورطين في المستنقع الافغاني هو الخروج ببعض ماء الوجه.

والاكثر ايلاما ان بن لادن ما يزال حرا طليقا مع بعض اهم اعوانه, يضربون, ويتوسعون, ويبنون المزيد من البنية الارهابية, ويستغلون اخطاء الحرب وسياسات القائمين عليها لكسب المزيد من العناصر المستعدة للانضمام لصفوف الارهابيين.

كان ذلك نتيجة لسلوك الحرب على الارهاب كل الدروب الخاطئة الاخرى, باستثناء الاستمرار على الطريق الصحيح الوحيد, اي طريقة بناء تعاون دولي لمحاصرة الارهابيين, وتحركاتهم, وتمويلهم, واتصالاتهم, ورصد كل ما يوفر لهم التسهيل والدعم, عن طريق التنسيق الاستخباراتي والاجراءات الامنية الموحدة, ضمن عملية دولية شاملة نزيهة الاهداف, مقنعة وواضحة وموثوقة.

الحقيقة ان هذا الطريق الصحيح قد اقفل بسرعة, واصبحت الحرب على الارهاب الفرصة لمجموعة المحافظين الجديد, صناع القرار في واشنطن, لتصفية حسابات قديمة وكثيرة, فأصبحت الحرب على الارهاب هي الحرب على الاسلام والمسلمين, وخرج المنظرون امثال برنارد لويس, يؤكدون نظرية صراع الحضارات وهو صانعها قبل ان يلتقطها منه ويروجها صامويل هانتنغتون من ورائه, فلم يوفر برنارد لويس ذرة من الوقت بعد أحداث ايلول ليكتب ان تلك الهجمات كانت بداية المعركة الاسلامية الاخيرة على الغرب, لم يقبل لويس ان الذين قاموا بتلك الهجمات هم افراد, وانهم وان كانوا مسلمين فليس من المعقول ان تتحمل أمة بأسرها, أمة تتكون من اكثر من مليار وربع المليار من المسلمين, وزر ما ارتكبه نفر قليل من ابنائها لا يزيد عددهم عن العشرين.

ولذلك حول اولئك المغرضون المسألة من جريمة ارتكبها البعض فاستحقوا, هم, ومن وقف وراءهم من مدبرين ومنظمين ومؤيدين, العقاب والعدالة والمطاردة, الى مسؤولية أمة بكاملها.

ومن عواقب ذلك ان نبوءة لويس وهانتنغتون, قد اصبحت محققة لذاتها, واصبح كل مسلم اينما وجد متهما, ونشأت بسرعة حواجز الشك والارتياب والخوف والحذر بين الجاليات الاسلامية والمجتمعات الاخرى التي عاشت بينها في كل البلدان الغربية التي انجزت, او جرتها التطورات, الى هاوية تلك التناقضات والمضاعفات الخطيرة التي ما زلنا نشهد تفاعلاتها.

لقد قسمت الحرب على الارهاب العالم الى خيرين وشريرين, ودفع اربابها مع الاسف بالاسلام والمسلمين الى الجانب الثاني, ومع ان كل القواعد والاعراف والقوانين المعمول بها في كل بلدان المعمورة تحمل الفرد مسؤولية عمله ولا تقبل فكره المسؤولية الجماعية نتيجة العلاقة, الا ان ذلك لم يطبق بشأن جرائم الحادي عشر من ايلول.

ولم تكن الحرب على العراق خارج اطار هذا المنطق, ومن كان لديه اي شك في ذلك من قبل, فقد اصبحت الشواهد قاطعة الان بأنها حرب قامت لاسباب مغرضة وواهية ولا اساس لها من الصحة.

وقد توسعت دائرة الصراع نتيجة لتلك الحرب عندما جرت الولايات المتحدة دولا كثيرة اخرى معها الى الحرب, دولا لم تكن لها صلة ولا عداوة مع العراق او مع العرب او مع المسلمين, ولكنها نتيجة لمشاركتها في حرب عدوانية غير شرعية وظالمة, وضعت نفسها كأهداف جديدة للاعمال الارهابية المستنكرة والمدانة.

اننا, وبعد سبع سنوات على احداث مروعة كان علينا ان نستخلص منها العبر لبناء عالم اكثر أمنا واكثر سلاما, واستقرارا, وازدهارا وتعاونا في شتى المجالات, نجد انفسنا في عالم يسوده الانقسام ويستبد به الخوف وفقدان الامن, ذلك بالاضافة الى ان التخبط اباح التعذيب والتجسس والاعتداء على الحريات الشخصية وتجاوز القضاء, النزيه واحكام القانون التي عمل الانسان لقرون على تطويرها وبنائها, اباح كل ذلك في اعرق الديمقراطيات.

وها هي تتحول الى مهزلة كل دعوات الدمقرطة والاصلاح ومحاربة التطرف والتعصب لأنها كلها افكار مرتجلة تدور في حلقات التجربة والخطأ, كما انها اول من ينقلب على ما تفرزه اية محاولة من نتائج عندما تختلف تلك النتائج عن المطلوب او عن المعد مسبقا, ولأن اولئك الذين يحاضرون علينا بضرورة اصلاح افكارنا ومناهجنا ومؤسساتنا هم الذين يغذون التطرف ويدفعون الناس لليأس والتشكك والانكفاء.

نعم لكل دعوات الإصلاح في كل مجال ممكن, ولكن يجب أن يسبق ذلك بناء مناخات النزاهة والعدالة والثقة واحترام المقاييس وتطبيقها بعيدا عن المزاجية والانتقائية.

سوف يفصلنا بين الذكرى السابعة والثامنة تغيير في الادارة الاميركة التي ارتبط اسمها وثيقا بتطورات ومضاعفات ما بعد أحداث أيلول, فهل نتوقع تغييرا؟

لنترك ذلك للتجربة لا للتكهن.

التعليق