محمد برهومة

الطبقة الوسطى ضحية التضخم وتريّف المدن

تم نشره في الثلاثاء 2 أيلول / سبتمبر 2008. 03:00 صباحاً

ارتبط دور الطبقة الوسطى في الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والسياسي، وكونها ركيزة أساسية في التنمية والتحديث، وكلما اتسعت هذه الطبقة في أي مجتمع ـ بأن يكون الهرم الاجتماعي قائما على قاعدة واسعة وقمة ضيقة جدا ـ كان ذلك علامة عافية ومؤشرا إيجابيا على مستويات معيشية جيدة، وعلى الاستقرار وتراجع منسوب الأزمات المجتمعية الحادة، وكلما ضاقت هذه الطبقة أو اقتربت من الطبقة الدنيا كان ذلك من أهم المؤشرات على استحالة الأزمة إلى مأزق خطير يتطلب حلولا جذرية.

وقد ارتبطت الطبقة الوسطى في بلادنا بالمتعلمين، لكن منذ سنين أصبحت هذه الطبقة تضم (في بعدها الاقتصادي) فئات غير مثقفة أو متعلمة ( نجارين وحدادين وحلاقين ..)، ممن حققوا مستوى معيشيا أهّلهم اقتصاديا ليكونوا جزءا من الطبقة الوسطى، الأمر الذي أسهم في إفقاد هذه الطبقة تجانسها القيمي، وقرّب الفوارق بينها وبين الطبقة الدنيا، وجعل المشكلات التي تواجهها الطبقة الوسطى تتشابه مع تلك التي تعانيها الطبقة الدنيا إلى درجة كبيرة، وبالتالي أفقد الطبقة الوسطى تميزها، ما كان سببا في إبعادها عن الفاعلية الاجتماعية، وتهميش أدوارها السياسية. وكثيرون من الطبقة الوسطى نظروا إلى الوظيفة أو طبيعة العمل لا كمجرد مصدر للرزق أو الدخل فحسب، بل كأساس يرتبط بالمكانة الاجتماعية أو حتى بـ"الرسالة" ( المدرسون بشكل أساسي..)، وهذا، كما أوضح الباحث جميل هلال في دراسته عن الطبقة الوسطى ( مؤسسة الدراسات الفلسطينية 2006)، يترافق مع أشكال الشعور "النخبوي" و"النرجسية" التي تشيعها ثقافة "المهنية المبالغ فيها" والسلوك "المتعالي". وتنسب إلى هذه الطبقة حيازة قدرة على استخدام المعرفة لتنمية مصالحها وسلطاتها وشروط عملها. وهذا ينطبق على فئة المثقفين الذين ينظرون إلى الرأسمال المعرفي الذي يحوزونه بوصفه سلطة ومكانة قد تعوّض إلى درجة ما الافتقار في معظم الأحيان، إلى سلطة المال أو السياسة. لكن تراجعت المكانة الاقتصادية للطبقة الوسطى، بسبب الارتفاع القياسي في معدلات التضخم، كما تراجع دور المثقفين التنويري الحاسم في المجتمع  بسبب منطقين أولهما ثقافة جماهيرية مرئية ـ سمعية تنزع إلى الاستسهال والاستهلاكية والتسلية ولا تضع المساءلات النقدية والمعرفية في مضامينها واعتباراتها، وثانيهما منطق التسليع والربح والخسارة واعتبارات السوق، التي يضع دعائمها صاحب المال، وهو لا يحمل غالبا مشروعا ثقافيا، بل يستخدم المثقف لصالح مشاريع ليست ثقافة التنوير محورها وغايتها. ناهيك عن  أن توجّه السلطوية العربية نحو تجفيف منابع السياسة والعمل العام كان المقصود به هذه الطبقة. هذا الأمر يجعل الطبقة الوسطى لا تنظر إلى نفسها كفاعل مؤثر في الدولة الوطنية، بل تقوم بإدارة شؤونها بعيدا عن النخبة السياسية والاقتصادية في بلادها. وقد أشار تقرير التنمية الإنسانية العربية 2003 إلى أن تقلص حجم الطبقة الوسطى العربية يجعل أمر بناء منظومة المعرفة مهمّة أكثر صعوبة وعسرا، وذلك بسبب تراجع الشعور لديها بالأمن المالي والمعيشي، وما ينتابها من هواجس وفقدان ثقة بشأن أهدافها المستقبلية، وكلها موارد للعزلة والاستلاب وتراجع الدافعية لتبني الثقافة كمشروع حياتي. وبضعف الطبقة الوسطى أو غيابها في أي مجتمع تغيب الإجماعات الوطنية العريضة، والتوافقات القيمية المشتركة على شكل نظام الحياة (ثقافة واجتماعا وسياسة واقتصادا) الذي يسعى المجتمع لإرسائه، إذ لا حياة طويلة لأي نموذج تنموي لا تكون الطبقة الوسطى الشريك الأكثر إسهاما في صناعته وتثبيته مؤسسيا والعمل على حمايته وتطويره.

وثمة علاقة قوية بين الاعتدال والتطرف من جهة والطبقة الوسطى من جهة ثانية، وإذا ما حدثت انتخابات في ظل أجواء اقتصادية جيدة واستقرار اجتماعي، وتراجع الصراعات الطائفية والمذهبية فإن الأغلب أن ينتخب الناس، وفي ظل طبقة وسطى واسعة، المرشحين الأكثر اعتدالا وديمقراطية. لكنّ غياب التجانس القيمي في الطبقة الوسطى العربية، ونزوعها إجمالا إلى المحافظة، أضعف وظيفة الأداة الانتخابية كأحد مفاتيح العملية الديمقراطية، إذ أصبحت الانتخابات وسيلة لتثبيت الواقع الاجتماعي وإضفاء الشرعية على ما فيها من خلل وأمراض.

والمرجّح أن ضعف البناء التحديثي وتراجع التقاليد الفكرية والانفتاح في المدن العربية بسبب تريّف المدن وما أصاب الطبقة الوسطى من "ضعضعة" وانكماش دورها كحامل اجتماعي للتحديث والديمقراطية، كل ذلك انعكس على فن "الرواية"، كفن راقٍ يعتبره القسم الأكبر من النقاد فنا مدينيا وموجها أساسا للطبقة الوسطى. أي بعبارة أخرى: إن اتجاه المدن العربية إلى المحافظة و"التريّف" أوجد فنا روائيا عربيا متأثرا بهذا السياق الثقافي ـ الاجتماعي، وضيق تاليا الآفاق والمجالات أمام الرواية العربية لمساءلة البنى التقليدية التي تحكم مجتمعاتنا ووضعها تحت مشرحة النقد والتفكيك. وتراجع دور المدينة العربية كمركز لإشاعة الثقافة العصرية وتوطين الحداثة مرتبط بمسألة مهمة وهي أن وقت الفراغ الذي كان في السابق محركا أساسيا لدى الطبقة الوسطى للانخراط في العمل الاجتماعي والسياسي والثقافي، أصبح هامشه أضيق أمام انشغال القسط الأكبر من أبناء هذه الطبقة في تدبير شؤونهم الحياتية الأساسية، وهو ما تبدو الثقافة والعمل العام أمامه نافلة وربما ترفا، لا تدفع مشاعر الإحباط وفقدان المعنى إلى اقترافه!!

 moweanla@yahoo.com

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »why ? (basel)

    الثلاثاء 2 أيلول / سبتمبر 2008.
    أخت رندة ، هل لك أن تطلعينا على هذه الأسباب المانعة للأعمال التطوعية أو حتى المنفرة من التوجهات الثقافية للطبقة الوسطى
  • »الطبقة الوسطى (مصطفى محمد العمري)

    الثلاثاء 2 أيلول / سبتمبر 2008.
    مع أن الطبقة الوسطى هي أساس المجتمع ولا يكمن الاستغناء عنها في كل المجتمعات , لكن على ما يبدو أننا لم ندرك هذا الشيء حتى الساعة حيث بدأت هذا الطبقة بالتراجع إلى الخلف والاقتراب من الطبقة الفقيرة وليس التلاشي فحسب كما يقول البعض, وتكمن أهمية هذا الطبقة في تشغيل كافة أنظمة المجتمع حيث يكون لديها حضور رئيسي وطاغي في الشؤون الاجتماعية والاقتصادية , وتحظى من مكانة مرموقة في مجال التعليم , وليس هناك أي هيئة لحماية هذا الطبقة الوسطى و التي أن استمرت الأوضاع على ما هي عليه سوف نعاني المزيد حتى يتم بناء هذه الطبقة المميزة. في السنوات الماضية كان من يملك سيارة و يملك بيت متواضع ولدية دخل ثابت يكون في أوساط هذا الطبقة ولكن ألان أصبح يعش هذا المواطن إلباس في ظل الطبقة الفقيرة وأصبح من كان ينادي انه من الطبقة الفقيرة يهبط إلى الطبقة المعدومة والتي أصبحت طبقة متعارف عليها وحديثة العهد والإنشاء بامتياز حكومي,وحين تسافر إلى أي بلد وأن كان عربي تلاحظ الطبقات الثلاث بشكل واضح وملفت للنظر هذا أن لم يكن هناك أكثر والملاحظ في بلدنا المعطاء نجد أن لا طبقة سوى الطبقة الأولى والطبقة الثانية والتي الثالث لهما ,وحين يحظى بعض المغتربين بطبقة مرموقة في المجتمع الذي كان قد عاش فيه نجدة أنه قد أنضم إلى الطبقة الفقيرة دون أن يحس بنها حقيقة واقعية تطبق عليه.
  • »انطباعات حول الطبقة الوسطى (رندة جميل)

    الثلاثاء 2 أيلول / سبتمبر 2008.
    مقال مهم. قبل سنوات سألني صحفي فرنسي عن حالة الطبقة الوسطى في الأردن ولم أستطع أن أجيبه جواباً دقيقاً لشح الاحصاءات والدراسات في هذا المجال، وحتى هذا الشحيح في الغالب يعتمد على منهجية بحث مثيرة للجدل. معظم ما لدينا من وجهة نظر حول الطبقة الوسطى في الأردن هي انطباعات. من انطباعاتي أن جزء مهم من الطبقة الوسطى في الأردن تنمو خارج البلد وتعود إليه للتقاعد وأحياناً لا تعود. أن الجزء الهام من الطبقة الوسطى متركز في عمان الغربية، وهو في معظمه منعزل عن بقية المملكة ولا يستيغ أسلوب الحياة خارج عمان الغربية، ولا يختلط معه إلا لأسباب عائلية وفي المناسبات. أن الطبقة الوسطى، وحتى الغنية، في الغالب تصرف وقتها ومالها الفائض في المظاهر وإبراز النعمة، وليس في الحياة الثقافية والفكرية والعمل الطوعي، وذلك لغياب حياة ثقافية وفكرية وطوعية ذات وزن وقيمة اجتماعية لأسباب عديدة. وحتى العاملين في صناعات الثقافة في البلد، مثل الاعلاميين والكتاب والشعراء والرسامين... غير مهمين شعبياً ولم ينتجوا، إلا في حالات نادرة، ما يعطي الحياة الثقافية قيمة ويؤثر على مزاج الطبقة الوسطى، ولم يؤثروا في تشكيل الهوية الوطنية إلا قليلاً. أخيراً، أظن أن النظام الاقتصادي والاجتماعي والسياسي لدينا يحمل كثير من المتناقضات داخله مما سبب في خلق جزر اجتماعية متناقضة وغير متفاعلة، بمعنى أن المدينة والقطاع الخاص والمهجر ينتجون معظم الطبقة الوسطى بينما من يؤثر في صناعة القرار وملامح الهوية هو الريف والعشائرية والقطاع العام.
  • »الطبقة الوسطى ام النخب!! (امال)

    الثلاثاء 2 أيلول / سبتمبر 2008.
    نخشى من اختفاء الطبقة الوسطى وكأننا لانتمي الى هذا البلد. او لم تكن الطبقة الوسطى هي منبع الاصولية في بلادنا. الاخوان المسلمون ممثلون للطبقة الوسطى بامتياز، ولم يأتو بالتغيير لصالح المواطن، هم الان عاجزون عن طرح بدائل. ما نريد هو طبقة وسطى مستنيرة، وللاسف في بلادنا ليست هذه بكبيرة العدد ولا تنتمي بالضرورة للتعريف السيوسياقتصادي للطبقة الوسطى. هذه الطبقة موجودةولكنها عبارة عن نخبة او نخب تتمتع بوعي ورغبة في التغيير ينقصها فقط المجال العام الحر الذي يساعدها في تحقيق ذلك. على من ينتقد نخبوية المجتمع المدني في الاردن عليه ان يراعي ظروف الطبقة الوسطى التي لا ينطبق عليها في بلدنا تلك الاوصاف الغربية.