تراجع أميركا عن (الصحوات) لا يخدم مصلحة الاستقرار في العراق

تم نشره في السبت 30 آب / أغسطس 2008. 03:00 صباحاً

 

ليس من الحكمة في شيء أن تتراجع واشنطن عن دعمها لتجربة الصحوات في العراق. فالتراجع، في هذه المرحلة العصيبة من الجهد العراقي والأميركي الرامي الى بناء الاستقرار والتنمية والديمقراطية في العراق، لا يمكن أن ينتهي سوى الى حضّ الحكومة العراقية الراهنة على الاستفراد بالقرار والانقضاض، المباشر أو غير المباشر، على الطوائف والمكونات العراقية غير الممثلة بشكل متوازن في هيكلية الحكومة. بالطبع، لا يفيد في نفي هذا الكلام، تأكيد الأميركيين أنهم لم يتخلوا عن دعم السنة، بل كل ما فعلوه هو حثّ الحكومة العراقية على دمج أعضاء مجالس الصحوات واللجان المساندة في الأجهزة الحكومية بعدما استتب الامن في كثير من المناطق العراقية وانتفت الحاجة بشكل فعلي لجهودها.

قبل عامين، أطلق الأميركيون سياسة ناجعة في العراق تمثلت إحدى صفحاتها بزيادة عديد قواتهم العسكرية في العراق. لكن الصفحة الأكثر أهمية من هذه السياسة تمثلت في الوقت عينه في شروع واشنطن في سياسة الانفتاح على التكوين السني العربي العراقي. وكانت الزيارة التي فاجأ بها الرئيس جورج بوش العراقيين بهبوط طائرته في صحراء محافظة الأنبار وإلتقائه مع عدد من وجهاء العشائر السنية في تلك المنطقة، إشارة واضحة الى تلك السياسة. الأرجح، أن الرئيس بوش لم يكن مضطرا لمثل تلك الزيارة، ولا واشنطن كانت ستضطر لانتهاج هذه السياسة لو أن حكومة نوري المالكي تولت هي زمام المبادرة وبدأت في التطبيع مع القوى السياسية ومهّدت أمامهم شروط الاندماج مع العملية السياسية في العراق. لكن الحكومة العراقية أثبتت إخفاقاً واضحاً في هذا الخصوص، ما أدى، من جهة، الى تصاعد خطير في وتيرة النشاطات الإرهابية في المناطق السنية، ومن جهة ثانية، الى إضطرار الأميركيين لزيادة قواتهم في العراق والشروع في مفاوضات مكثفة مع القوى السنية والمجموعات المسلحة في منطقة الأنبار وتكريت والفلوجة والموصل وأطراف بغداد.

عراقيون مطلعون على تفاصيل التعقيدات في بلادهم يؤكدون أن المالكي وافق في تلك الفترة على الفكرة الأميركية القائلة بضرورة إطلاق سياسة المصالحة الوطنية. بل أنه أطلقها في الوسائل الإعلامية. لكنه عارض في الجوهر فحواها، ورأى أن تسليح العشائر السنية وتكتيلها وراء مبدأ التعاون المباشر مع الأميركيين وحثّهم على الدخول في مواجهات ومعارك ضد مسلحي القاعدة، سيفضي في نهاية المطاف الى تعميم مبدأ الميليشيات وتخفيف هيبة الدولة والأجهزة الحكومية والجيش العراقي. الأرجح أن المالكي، أو بشكل أدق، أوساط متطرفة في حكومته، لم تنطلق تخوفاتها من تعاظم النفوذ المسلح للمكوّن السني العربي في العراق، إنما انطلقت تلك التخوفات، أصلاً، من قيام جسور للعلاقات المباشرة بين أميركا والسنة العرب، ما يمكن أن ينتهي بدوره الى تخفيف الصبغة الطائفية الأحادية للدولة العراقية عبر عودة المكوّن السني بشكل قوي الى مشهد الحكم في العراق.

في ما بعد، تضاعفت مخاوف حكومة المالكي حينما شرعت العشائر السنية العربية في غرب العراق ووسطه بمحاربة المجموعات الإرهابية وتنظيم القاعدة. وكانت الأوساط الإعلامية الحكومية تشدد على الدوام أن هذه المهمة يجب أن تتولاها القوات العراقية، في تلميح غير مباشر الى انزعاج الحكومة من دعم العشائر السنية. أوساط بين سُنّة العراق لم تخف شكوكها في أن وزارات معينة في حكومة المالكي تعمدت في السنتين الماضيتين صبّ مزيد من الزيت على نيران اللااستقرار في العراق بغية امتلاك الذريعة لاقناع الأميركيين بالسماح لها بتقوية المؤسسات الأمنية والجيش العراقي وتعزيز ترسانته التسليحية وتوسيع قاعدته واستخدامه في صراعاتها الداخلية.

كائنة ما كانت الحقيقة، الواضح ان الأميركيين نجحوا في السنتين الماضيتين في إدارة سياسة ناجحة في خصوص التعامل مع السنة العرب. لكن المشكلة أنهم أخذوا، خلال الأشهر القليلة المنصرمة، يتراجعون عن تلك السياسة بحجج واهية كقولهم إنهم يريدون التركيز على دعم المالكي في جهوده على صعيد محاربة النفوذ الإيراني في العراق، ويتطلعون الى إقناعه بالموافقة على توقيع الاتفاقية الأمنية بين واشنطن وبغداد بأقل اعتراض ممكن. لكن الحقيقة أن استمرار واشنطن على سياسة التراجع عن دعم تجربة الصحوات سيكون بمثابة خطأ آخر يضاف الى ركام الأخطاء الأميركية في العراق. فتجربة الصحوات لا تزال ضرورية في العراق رغم كل التحسن الأمني الذي نشهده في بعض المدن العراقية.

في هذا السياق، لا يزال الاحتفاظ بالتوازنات الداخلية العراقية أمراً ضرورياً.

ولا تزال إيران قوية ونشطة في نفوذها داخل العراق. كما أن التقارير الأميركية لا تني تتحدث عن عزم قادة الميليشيات وفرق الموت، العودة الى العراق بعدما أنهوا تدريبات مكثفة على يد ضباط فيلق القدس. الى ذلك، لا تزال الصحوات تجربة نافعة ولم تنتف الحاجة إليها، لأن حكومة المالكي، ببساطة، لم تستطع حتى اللحظة توفير الحد الأدنى من شروط الحفاظ على الأمن في المناطق السنية العربية رغم نجاحها المحدود في إعادة ضم جبهة التوافق العراقية الى مجلس الوزراء.  

من دون شك، لا يعني هذا الكلام أن تجربة الصحوات في العراق معصومة عن الأخطاء، أو أنها عصيّة على الاختراق من قبل الأعداء. أو أنها تجربة تصلح للاستمرار الدائم. لكن الأكيد أن تخلي واشنطن عن دعم الصحوات في هذه الفترة خطأ فادح ولا يمكن أن يخدم مصلحة العراق ولا مصلحة أميركا ولا المصلحة المشتركة بين الدولتين.

*كاتب وسياسي كردي

التعليق