مدرسة كمال الشاعر للريادة والأعمال

تم نشره في الأحد 24 آب / أغسطس 2008. 03:00 صباحاً

لم يكن يخطر ببالنا ونحن نحتفي بالدكتور كمال الشاعر في نهاية العام الماضي، بمناسبة حفل توقيع وإطلاق النسخة العربية من كتابه "من الدار إلى العالم، سيرتي والمهنة"، أن ذلك اللقاء سيكون الأخير معه. فقد دخل الشاعر، مع مطلع هذا العام، في صراع شرس مع المرض، وظللنا على وعد بأن نلتقي ثانية لنبحث معه في موضوع إطلاق أكاديمية للريادة والأعمال، تحمل اسمه وتواصل دوره وتستلهم تجربته في الريادة واقتحام الصعاب والبناء في أشق الظروف، ومهما كانت البيئة المحيطة تبدو غير ملائمة أو محبطة.

لقد فقدنا كمال الشاعر الجسد، الفاني على كل حال، طال الوقت أو قصر، لكننا لم نفقد قصة النجاح التي رواها وهو يبني دار الهندسة، في كتابه الذي صدر أولاً بالانجليزية ثم بالعربية مع مرور خمسين عاماً على مباشرة عمل الشركة. هذا فضلاً عن المسؤوليات التي تحملها في مراحل مختلفة من عمره في مجلس الإعمار، الذي كان مسؤولاً عن التخطيط للتنمية الأردنية في مطلع الستينيات، وإبان وجوده على رأس اللجنة المالية في مجلس الأعيان ولعدة دورات.

وكتاب الشاعر عن سيرته الذاتية والمهنية مَثَّل شهادة على العصر، ورسالة للأجيال القادمة. فهو شهادة عن مرحلة حافلة عاشها الشاعر كان فيها الشاهد والمواكب والفاعل في أحداث الأردن والمنطقة، بحلوها ومرها. ومن ناحية أخرى، انطوى الكتاب على رسائل موجهة إلى الأجيال الشابة، ليس من رجال الأعمال فقط، وإنما من مختلف المهن والاهتمامات. فهو يسطر تجربة تفيد بأن ما صنعه ابن السلط في خمسينات وستينات القرن المنصرم، وهو الشاب الخارج للتو من بلدة صغيرة وأسرة متواضعة الامكانات المادية، يمكن أن يشكل نموذجاً ريادياً يحتذى به من قبل الشباب، الذين بإمكانهم أن ينسجوا على منواله وأن ينجحوا.

فالواقع الصعب الذي يعيشه شباب اليوم بقدر ما ينطوي على تحديات جمة، فإنه يحفل بالفرص ويحمل معه آفاق للنجاح، إذا ما اقترن بتوفر الإرادة القوية والذكاء والإبداع.

وحين نقول أن كمال الشاعر مدرسة للأعمال والريادة، فإن ذلك ليس فقط لنجاحه في بناء مؤسسة للاستشارات الهندسية أصبحت رقماً صعباً في هذا القطاع، اقليمياً وعالمياً، فلقد نجح كثيرون غيره في بناء مؤسسات عملاقة من حيث رأس المال وحجم الأعمال والأرباح، لكن نجاحهم ظل كمياً ومادياً. لقد مَثَلَّ كمال الشاعر مدرسة للأعمال والريادة لأنه أدرك في الوقت المناسب كيف يحول مؤسسته من شركة محدودة المالكين إلى شركة مملوكة للعاملين فيها، وبدلاً من أن يبحث عن شركاء استراتيجيين من خارجها، وجد هؤلاء الشركاء في المديرين العاملين في الشركة، حيث باع القسم الأكبر من ملكيته (أسهمه) لهم، واحتفظ لنفسه بنسبة 40% منها فقط.

وهو مدرسة في الأعمال والريادة لإيمانه بأن القوى البشرية العاملة في الشركة هي مصدر قوة دار الهندسة، رغم أننا يمكن أن نزيد بأن قيادته وعلاقاته الواسعة وخبراته المتنوعة هي صلب قوة دار الهندسة. وفضلاً عن إيمانه بأن هؤلاء العاملين هم قوة الشركة الرئيسية، آمن ووثق بالشباب وطاقاتهم المتجددة والمبدعة، ولذلك نجد ان نصف مديري دار الهندسة هم في سن الثلاثينيات والأربعينيات.

ومن حديثه، ونحن نحتفل بصدور الطبعة العربية لكتابه المشار إليه، قوله بأن من يعمل في دار الهندسة لا يفكر بالعمل لغيرها، لأن الشركة تعطي الشركاء والعاملين حقوقهم، ولذلك يشعر من يتقاعد منهم، بعد خدمة 30 عاماً، أنهم مرتاحون وقد حققوا احلامهم وآمالهم، فضلاً عن شعورهم بالافتخار والاعتزاز لإنجازات دار الهندسة.

في ذلك الاحتفال الأخير بقصة نجاح دار الهندسة، ومن خلال تكريم مؤسسها ورأس إدارتها، لم يكن كمال الشاعر يرغب في الحديث عن كتابه وتجربته، وكان من المقرر، بناء على طلبه، أن نكتفي بكلمات د. طاهر كنعان، صديقه وزميله في دار الهندسة لبضع سنوات، ود. فهد الفانك الكاتب الاقتصادي المعروف، لكن حرارة اللقاء وما أثير فيه من قضايا حَفَّزه على الكلام. لم يتحدث بكلمات كبيرة عن "الحاكمية الرشيدة للشركات" أو "مسؤوليتها الاجتماعية"، لكنه ترجم معاني تلك الكلمات بلغة عملية واضحة، استمدت مصداقيتها من الممارسة وليس من التنظير اللفظي أو التسويق التجاري.

ولن أنسى، وهو يتجول في صالة الفنون التي اقيم فيها حفل إطلاق كتابه، حين قال لي كمال الشاعر أن "ما تقوم به الصالة، وما يقوم به الرواد الاجتماعيون والثقافيون أصعب بكثير مما أحاول القيام به". وكدت لأول وهلة، أن اعتبر ذلك مجاملة لبقة من المرحوم الشاعر، لكني أيقنت أنه يعني ما يقول عندما اطلعت على ما قام به، ودار الهندسة، من دعم ومشاركة في تنمية المجتمع المحلي ومن تقدير العمل الاجتماعي والتطوعي حيثما عملت هذه الشركة.

لقد اقترح د. الفانك أن يتقرر كتاب كمال الشاعر "من الدار إلى العالم" كقراءة إلزامية لطلبة الكليات والجامعات، انطلاقاً من أنه "لا شيء يغري بالنجاح أكثر من النجاح نفسه والقدوة الحسنة"، ولقد أشاد الكثيرون بكمال الشاعر باعتبار أن سيرته وإنجازه هما مدرسة للريادة الاقتصادية والاجتماعية. الا إني لا زلت أعتقد ان هذا كله لا يكفي، وأؤمن بأن خير تخليد لسيرة الرجل ولمواصلة الدرب الذي شقه هو بإقامة "أكاديمية حرة للأعمال والريادة" تحمل اسمه، تعلم مهارات القيادة والتخطيط الاستراتيجي للأعمال، وتزود رجال الأعمال الشباب بمزيج من الخبرات العملية والأكاديمية وقصص النجاح والأمثلة الملهمة.

لقد كنا نحلم بإطلاق "مدرسة كمال الشاعر للأعمال" في حياته، أما وقد غادرنا فليس هناك ما هو أفضل من أكاديمية تحمل فلسفته واسمه لكي نحتفظ بكمال الشاعر موئلاً وملهماً للأجيال الشابة، ولا سيما المواهب الواعدة منها.

hani.hourani@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الغنى غنى النفس والآخلاق والعشرة الصالحة ....هذا ما ترجمه عمنا عبده الشاعر (د. عبدالله عقروق \بيروت مؤقتا)

    الأحد 24 آب / أغسطس 2008.
    قبل ان اثني على الانجازات الكبيرة التي حققها المرحوم الشاعر ، أود بأن اتقدم بالشكر والثناء لروح العم عبده الشاعر والسيدة زوجته لانهما وهبا الاردن 5 عباقرة من الدرجة الاولى ،وعلموهما أن المواطن الثري يمكن أن يعبش قريبا من المشاكل والصعاب الني يحياها المواطنين بكل شرائحه ، وخاصة معدومي الحال ..وأن الثروة الحقيقية هي حب الوطن ، وحب مليكه ، وحب شعبه .وأن الأخلاق الحميدة ، والذكاء المفرط الذي تمتع به المرحومين د. جمال و د.كمال . والآقنصادي د. خالد .ومدقق الحسابات وهيب والسيدة مي الفاحوري هم هبة من الله ، ومن والد ووالدة الشاعر للشعب الآردني باكمله.
    واجمل بصمة تركها د.كمال هي أن عشرات الآلوف من العاملين والعاملات في مؤسسة الشاعر كانوا ولا يزالون يشعرون ان
    المؤسسة ملكهم . ومئات من المهندسين قد اصبحوا شركاء فيها