معضلة القيادة الإسرائيلية

تم نشره في السبت 23 آب / أغسطس 2008. 03:00 صباحاً

 

تعكس المنافسة الشديدة على منصب رئيس جديد لحزب "كديما" الحاكم في إسرائيل، وما يتبعها من استطلاعات الرأي حول فرص نجاح المرشحين من جهة، وحول وضعية كبرى الأحزاب الإسرائيلية في أي انتخابات برلمانية قادمة، من جهة أخرى، مدى عمق أزمة القيادة في إسرائيل، التي برزت بوضوح منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي وهي ما تزال متواصلة.

وتحتد المنافسة على زعامة "كديما"، بالأساس، بين وزيرة الخارجية تسيبي ليفني، وبين وزير المواصلات الحالي، ومن كان لسنوات وزيرا للحرب وقبل ذلك رئيسا لأركان جيش الاحتلال، شاؤول موفاز، ولكن استطلاعات الرأي التي تجري على مستوى 72 ألف عضو في الحزب، لا تعكس فوزا واضحا لواحد من الاثنين، علما أن هناك مرشحين آخرين يحظيان بنسب تأييد ضئيلة.

ويثير موفاز في خطاباته، في الأيام الأخيرة، مسألة "من يجب ان يقود إسرائيل؟": هل شخصية ذات خلفية وماض عسكري وأمني غني مثله؟، أم "شخصية سياسية"، ليس لها ماض عسكري، ولا تجربة في عملية اتخاذ القرارات ذات الطابع العسكري والأمني مثل تسيبي ليفني؟، رغم أنها بدأت عملها بعد الجامعة موظفة بدرجة عالية في جهاز "الموساد"، (الاستخبارات الخارجية).

ولكن "المشكلة" على المستوى الإسرائيلي الداخلي، أن أيا من الاثنين، لا يمكن اعتباره نجما سياسيا قادرا على أن يجرف الجماهير من خلفه، وأن يحقق لحزبه مكانة برلمانية متفوقة بشكل واضح.

وهذه المشكلة الإسرائيلية الداخلية، لا تتوقف عند هذين الاثنين، بل نشهدها في مختلف الأحزاب، فمن يقود الحزبين الأكبرين التاريخيين في إسرائيل، "العمل" و"الليكود"، هما رئيسا حكومات سابقة، حكم عليهما الجمهور بأنهما فشلا فشلاً ذريعا، وتمت الإطاحة بهما في انتخابات برلمانية سابقة بحصولهما على أدنى نسب التأييد في حينه، ونحن هنا نتحدث عن وزير الحرب الحالي "إيهود باراك" (العمل)، وبنيامين نتنياهو (الليكود)، زعيم المعارضة اليمينية.

وعودة هذين الاثنين إلى زعامة حزبيهما يعكس واقع "اللا مفر" أمام كل واحد من هذين الحزبين، وهي الحالة ذاتها السائدة في الشارع الإسرائيلي بشكل عام، وهذا الأمر ينعكس في نتائج استطلاعات الرأي المتتالية، التي تنشرها وسائل الإعلام المختلفة، رغم ما في هذه الاستطلاعات من توجهات وتوجيهات، حسب طابع وسيلة الإعلام هذه أو تلك.

فمن أصل 120 مقعدا برلمانيا في الكنيست الإسرائيلي بالكاد يحصل أحد هذه الأحزاب، وغالبا الليكود، على 30 مقعدا في استطلاعات الرأي (25% من مجمل المقاعد)، ولكن لا تجد مجموع مقاعد حزبين تتجاوز حاجز نصف المقاعد البرلمانية، مما يعكس بشكل واضح حالة التشرذم والتخبط السياسي، التي يواجهها الشارع الإسرائيلي، وتم استعراضها هنا في جوانب مختلفة في معالجات سابقة.

فحتى منتصف سنوات التسعين، كان يتناوب على الحكم في إسرائيل واحد من الحزبين الأكبرين، "العمل" و"الليكود"، بعد أن كان يفوز كل واحد منهما (بتناوب) على ما لا يقل عن ثلث مقاعد البرلمان وأحيانا أكثر، وفي تلك الفترة كانت تقود هذه الأحزاب شخصيات تاريخية، كتلك التي عملت على إقامة إسرائيل قبل وبعد العام 1948، أو سطع نجمها عسكريا قبل سياسيا، وهي في قيادة جيش الاحتلال.

ولكن هذه الشريحة اختفت عمليا، ولم يبق منها سوى رئيس الدولة الحالي، شمعون بيرس، الذي أنهى قبل أيام 85 عاما من حياته، فيما يرقد اثنان آخران بغيبوبة على فراش المرض، وهما أريئيل شارون ويتسحاق شمير.

كذلك فإنه بتزامن مع تلاشي هذه الشريحة اصطدمت إسرائيل في سنوات التسعين، وبشكل قوي جدا، مع واقع عدم قدرتها على مواصلة الاحتفاظ بكل شيء من دون حلول سياسية في المنطقة، وعلى الرغم من تعثر، إلى درجة تدمير، العملية السياسية التي بدأت في تلك السنوات، إلا أنها أبقت أسئلة مفتوحة من دون جواب واضح في الشارع الإسرائيلي حول أفق الحل، وإمكانية تحقيق شيء.

وما يزيد من حالة البلبلة على المستوى الداخلي هو غياب برامج سياسية واضحة، مهما كان مضمونها، تقنع الشارع الإسرائيلي، إذ تم الاستعاضة عنها، ما يمكن وصفه بـ "خطاب التأتأة" أو خطابات "نعم ولا"، وهو ما بدأ في حزب "العمل"، ولكنه اليوم سائد في جميع الأحزاب المرشحة بالوصول إلى سدة الحكم.

ويضاف إلى كل هذا تدخل حيتان رأس مال محلية وخارجية في سدة الحكم، حتى أن تحكمها بمصير هذا الزعيم أو غيره بات أوضح من ذي قبل، وهذا ما ساهم بشكل كبير جدا، إذا لم نقل بشكل أساسي، في تفشي فساد السلطة.

وفي مقال سابق حول الفساد في إسرائيل، تمت الإشارة إلى أن أولمرت ليس المشبوه الأول بالفساد كرئيس حكومة، ولكن لن يكون الأخير، وكل رئيس حكومة سيخلفه سيواجه بقدر ما شبهات كهذه، ولكن هذه الفرضية أقول "معترفا"، إنها "لم تكن دقيقة"، لأن شبهات الفساد بدأت تلاحق الآن حتى من يعتبر نفسه مرشحا لرئاسة الحكومات القادمة وقبل أن يتم انتخابه مستقبلا، مثل إيهود باراك، الذي بدأت تتكشف ضده قضية جديدة، وبنيامين نتنياهو، المشبوه السابق والحالي والقادم بالفساد، وحتى هناك مؤشرات أولية ضد المرشح لتولي زعامة "كديما" شاؤول موفاز.

ومشهد الفساد الحالي في إسرائيل يوحي بأننا أمام أ

ما يشبه "حرب عصابات" متسترة، تقودها حيتان رأس المال، وحتى من تصل أطرافهم إلى مافيا خارجية قبل المحلية، تصارع على مراكز التأثير في سدة الحكم.

وأمام حالة كهذه، لن تكون "مخاطرة" في تكهن أن إسرائيل مقبلة مجددا على حالة جديدة من التشرذم السياسي وعدم ثبات الحكم، فأي انتخابات قادمة ستفرز عدة كتل متساوية بحجمها البرلماني، وهذا عامل أساسي في عدم استقرار أي حكم قادم في إسرائيل، وهذا بطبيعة الحال سيعكس نفسه على مستقبل الحراك السياسي الداخلي والخارجي المستقبلي، وبشكل خاص في العملية السياسية على جميع مساراتها.

bjaraisi@gmail.com

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »إذا كيف نواجه المرحلة القادمة (جمال ريماوي)

    السبت 23 آب / أغسطس 2008.
    يستعرض الكاتب برهوم جرايسي بعمق، جوانب أساسية من الأزمة الداخلية الاسرائيلية، ويستنتج أن اسرائيل مقبلة على مرحلة جديدة من عدم الاستقرار السياسي، والسؤال الذي يطرح نفسه ما الذي علينا فعله أمام واقع كهذا، هل من المعقول ان ينتظر الشعب الفلسطيني ومعه شعوب عربية حالة الاستقرار الاسرائيلي من أجل التوصل الى حل.
    أعتقد ان الكاتب جرايسي أصاب في تحليله الذي يعتمد فيه على أسس ملموسة، وهذا واقع يتطلب فكرا واقعيا اكثر منه عاطفيا، للتوصل الى مسار جديد يدمج ما بين المقاومة الشعبية للاحتلال وبين مفاوضته.