ضرورة توسيع مفهوم الأمن

تم نشره في الخميس 14 آب / أغسطس 2008. 03:00 صباحاً

رغم أن جورج دبليو بوش بدأ بالاعتراف بالمخاطر المترتبة على تغير المناخ العالمي، إلا أن إدارته أخفقت في الارتقاء إلى مستوى هذه القضية طيلة ثمانية أعوام. وقد يتغير هذا بعد انتخابات العام 2008 الرئاسية في الولايات المتحدة. إذ إن كلاً من المرشحين الرئاسيين، باراك أوباما وجون ماكين، يعدان بالتعامل مع قضية تغير المناخ بقدر أعظم من الجدية.

إن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وهو الغاز المسبب لظاهرة الانحباس الحراري والذي يتراكم في الغلاف الجوي ويشكل سبباً رئيسياً في ارتفاع درجات الحرارة، هي في الحقيقة عبارة عن منتج ثانوي ناجم عن نطاق واسع من الأنشطة الاقتصادية العادية. ولأن الانبعاثات من غاز ثاني أكسيد الكربون تشكل ما يطلق عليه خبراء الاقتصاد "مظهراً خارجياً سلبياً" فإن الحافز إلى تقليص هذه الانبعاثات ليس بالحافز الضخم ـ لا يتحمل المتسببون في الانبعاثات التكلفة الكاملة المترتبة على الأضرار التي يحدثونها.

يشكل التدخين مثالاً مشابهاً: إذ يضطر غير المدخنين إلى تحمل جزء من تكاليف الرعاية الصحية المتزايدة التي يفرضها عليهم المدخنون. ولكن على عكس التدخين الذي يمكننا مقاومته بفرض الضرائب ووضع التنظيمات اللازمة، فلا وجود لحكومة عالمية تعمل على تنظيم الانبعاثات الكثيفة من غاز ثاني أكسيد الكربون، فضلاً عن استسلام الحكومات لإغراء التخلي عن مسؤوليتها في معالجة هذه القضية لغيرها من الجهات. وبالإضافة إلى ما سبق فإن بعض البلدان، مثل روسيا التي قد تستفيد اقتصادياً من سيبريا في حالة ارتفاع درجات الحرارة العالمية، تحركها دوافع أخرى مختلفة عن تلك التي ينبغي أن تحرك دولاً مثل بنغلاديش، تلك الدولة الفقيرة التي من المرجح أن يغمرها الماء بسبب ارتفاع مستوى سطح البحر الذي سيصاحب الاحترار العالمي.

يتوقع بعض العلماء أن يتسبب تغير المناخ في متاعب واضطرابات شديدة، مثل الكوارث الطبيعية المرتبطة بالمناخ، والجفاف، والمجاعات التي قد تسفر عن خسائر هائلة في الأرواح. إن ارتفاع درجات الحرارة العالمية بمقدار يتراوح ما بين 1.6 إلى 2.8 درجة مئوية في غضون العقود الثلاثة القادمة من شأنه أن يؤدي إلى ارتفاع مستوى سطح البحر بمقدار نصف متر.

وهذا تقدير متحفظ. فإذا ما استمر الارتفاع في درجات الحرارة العالمية في التسارع نتيجة لفقدان الجليد القطبي قدرته على عكس الحرارة وبسبب انطلاق غاز ثاني أكسيد الكربون وغاز الميثان نتيجة لذوبان التربة المتجمدة، فقد يؤدي ارتفاع مستويات سطح البحر إلى غمر الأراضي الخفيضة وبالتالي تهديد بقاء أمم بالكامل. وفي نفس الوقت سوف تتفاقم ندرة المياه في أفريقيا ووسط آسيا، وسوف يؤدي القحط والجفاف إلى تقليص الإمدادات من الغذاء.

إن الصدمات الخارجية الناجمة عن تغير المناخ سوف تخلف تأثيراً مباشراً على الدول المتقدمة. على سبيل المثال، إذا ما تسبب ارتفاع مستوى سطح البحر في إغراق جزر المالديف فلن يقل الدمار الناجم عن تغير المناخ عن الدمار الذي قد تحدثه قنبلة نووية، وحتى بالنسبة للولايات المتحدة وأوروبا، فإن الضرر الذي سيلحق بولاية فلوريدا أو هولندا على سبيل المثال لن يكون أقل شدة.

بيد أن هذه الصدمات الخارجية قد تخلف أيضاً تأثيرات غير مباشرة نتيجة لتفاقم التفاوت بين الدول المتقدمة والدول النامية وخلق حوافز إضافية للهجرة الجماعية إلى المناطق الأكثر ثراءً والأقل تأثراً والأعظم قدرة على التكيف. فضلاً عن ذلك فإن تغير المناخ سوف يفرض المزيد من الضغوط على الحكومات الضعيفة في البلدان الفقيرة، وقد يؤدي ذلك إلى ارتفاع عدد الدول الفاشلة، وربما يعمل كمصدر غير مباشر للنزاعات الدولية. في العام 2007 زعم أمين عام الأمم المتحدة بان كي مون أن الصراع في دارفور "بدأ ككارثة بيئية ناتجة جزئياً عن تغير المناخ".

إن مثل هذه التأثيرات المباشرة وغير المباشرة الناتجة عن أنشطة بشرية، رغم أنها ليست خبيثة مثل الأنشطة الإرهابية، تدعونا إلى ضرورة توسيع مفهومنا للأمن وتبني سياسات جديدة.

هناك أداتان أساسيتان لتقليص الانبعاثات الكربونية وتخفيف تأثيرات الاحترار العالمي بالتالي. تتمثل الأداة الأولى في الإبداع التكنولوجي وزيادة كفاءة استخدام الطاقة. على سبيل المثال، تسمح تقنية عزل الكربون باحتجازه وتخزينه في تشكيلات جيولوجية تحت الأرض وفي أعماق المحيطات. وهذا من شأنه أن يقلص من معدلات انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون إلى الغلاف الجوي.

بيد أن الإبداع التكنولوجي وحده لا يكفي. وهنا يأتي دور الأداة الأساسية الثانية التي تشتمل على توفير الحوافز وسبل الردع الاقتصادية. ويهدف ما يطلق عليه نظام مقايضة الانبعاثات إلى السيطرة على الانبعاثات الكربونية من خلال تعيين تراخيص قابلة للمقايضة. كما اقترح البعض فرض الضرائب على الكربون كوسيلة لتخفيض استهلاك الوقود الحفري.

لا أظن أن الجميع سوف يتبنون مثل هاتين الأداتين. ففي العام 2007 تجاوزت الصين الولايات المتحدة كمصدر رئيسي لانبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون على مستوى العالم. إلا أن الصين تشير إلى أن الانبعاثات التي تتسبب فيها الولايات المتحدة تعادل خمسة أمثال نظيراتها في الصين إذا ما قيست إلى حصة الفرد فيها. وتزعم الصين والهند وغيرها من الدول أن التنمية الاقتصادية في الدول الغنية كانت السبب في القدر الأعظم من المشكلة الحالية، وأنه من العدل ألا نرغم الدول النامية على تخفيض الانبعاثات الناتجة عنها قبل أن تبلغ المستويات التي بلغتها الدول الغنية من الانبعاثات. إلا أن هذه المزاعم تشكل الصيغة لكارثة عالمية مؤكدة. إذ أن مناخ العالم يتأثر بإجمالي الانبعاثات، بصرف النظر عن مصدرها.

فالصين تستخدم الفحم، وهو وقود غني بثاني أكسيد الكربون، كمصدر لحوالي 70% من إمداداتها من الطاقة التجارية، بينما يشكل الفحم ثلث إجمالي إنتاج الطاقة في الولايات المتحدة. وطبقاً للتقديرات فإن الصين حالياً تبني في كل أسبوع محطتين جديدتين لتوليد الطاقة باستخدام بالفحم.

الفحم وقود رخيص ومتوفر على نطاق واسع في الصين، وهو يشكل قدراً عظيماً من الأهمية في إطار الجهود التي تبذلها البلاد لتوفير الطاقة اللازمة لتشغيل صناعاتها العديدة التي تستهلك كميات هائلة من الطاقة. ولكن ما دامت القنابل وطلقات الرصاص وقرارات الحظر المرتبطة بالسياسة الأمنية التقليدية لا تصلح لعلاج مثل هذه المعضلة، فماذا بوسع الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغنية أن تفعل إزاء هذا التهديد الأمني؟

في العام 2007 أصدرت الهيئة الدولية للطاقة الذرية (التي تأسست بعد أزمة النفط التي شهدها العام 1973 لتقديم النصيحة للدول الصناعية فيما يتصل بالتخطيط) تقريراً حث على تبني توجه تعاوني لمساعدة الصين والهند في التحول نحو الكفاءة في استخدام الطاقة. أو بعبارة أخرى، قد يكون لزاماً على الولايات المتحدة وغيرها من البلدان الغنية، في إطار مساعيها الرامية إلى منع التغير المناخي الخطير ودعم أمنها، أن تعمل على صياغة شراكة مع الصين والهند وغيرها من البلدان لتنمية أفكار وتقنيات وسياسات إبداعية جديدة.

لقد أصبحنا ننظر إلى تغير المناخ على نحو متزايد باعتباره واحداً من التحديات المتخطية للحدود الوطنية التي تحمل في طياتها أعظم العواقب البيئية والاقتصادية والأمنية، وهناك حركة بيئية عالمية تعمل باستمرار على تسليط الضوء على خطورة هذا التحدي وأهميته. وقد تكون التصريحات المبكرة التي ألقاها ماكين وأوباما مشجعة، إلا أن التوصل إلى اتفاق عالمي سوف يظل يشكل في حد ذاته تحدياً عظيماً بصرف النظر عمن سيكون الرئيس القادم للولايات المتحدة.

* أستاذ بجامعة هارفارد ومؤلف كتاب "قوى الزعامة".

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق