لا ضمانات للديمقراطية

تم نشره في الجمعة 8 آب / أغسطس 2008. 03:00 صباحاً

الذي حدث في موريتانيا محزن ومفجع، بغض النظر عن التفاصيل، فهو في المحصلة، نهاية لتجربة ديمقراطية كنّا نرقبها بأمل.

رغم ذلك، فإن في ما حصل عبرة كبيرة: يقرر الرئيس المنتخب، في نظام سياسي ديمقراطي، يقوم على حياة نيابية وحزبية نشطة، وصحافة حرة، أن يقيل قادة الجيش، فيرد قادة الجيش بإقالته هو، ولسان حالهم يقول: هل صدّق فعلاً أنه رئيس؟! إنه من دون رضانا وحمايتنا وتنازلنا الطوعي عن السلطة، لا يساوي شيئاً، وسنريه ذلك كي يصحو على الحقيقة!

هكذا كان، فقد ذكّر الجيش الموريتاني العالم كله، وبخاصة نحن العرب، أن ما جرى في موريتانيا منذ ثلاث سنوات، لم يكن تطوراً ديمقراطياً طبيعياً ولا حقيقياً، بل كان "تمثيلية ديمقراطية"، لعب الجيش فيها دور البطل الفعلي، فيما لعب السياسيون دور الدمى والأراجوزات، وحين أرادوا التطاول والمنافسة على دور البطولة، نبّههم الجيش إلى حقيقتهم: لستم إلا أراجوزات!

العبرة، إذاً، مفادها أن الديمقراطية التي تقوم على "تمثيلية"، لا يكون لها ضمانات تحمي استمرارها وتحفظ بقاءها وتساعد على تجذرها، بل تكون في مهب الريح، مرهونة لأهواء من يملكون القوة والنفوذ، فإن رضوا عنها تركوها تستمر، وإلا قضوا عليها وأعادوا الأمور إلى "نصابها": الاستبداد والعنف، من دون أن يقاومهم أحد.

وهكذا، لا تكون الديمقراطية حقيقية إن لم تكن متجذّرة في ثقافة المجتمع، ومنعكسة بالتالي في ثقافة السلطة. فلو كانت كذلك في موريتانيا، لخشي الجيش أن يفعل ما فعل. لكن الحقيقة أن تلك السلطة الديمقراطية ليست إلا سلطة نزلت بالمظلة، حين قرر الجيش إقامتها، من دون أن يثور الناس لأجلها.

هل نتصور أن يجري مثل هذا في الدول التي تمثل "الديمقراطية" ثقافة مجتمعاتها؟ هل يمكن مثلاً أن يرفض جورج بوش في كانون الثاني/ يناير القادم تسليم السلطة لأوباما، لو تم انتخابه رئيساً، بدعوى الحفاظ على مصالح البلاد العليا مثلاً، أو الحيلولة دون تسلل الإرهاب إلى السلطة، أو أية حجة واهية من قبيل تلك الحجج التي ساقها الإنقلابيون في موريتانيا؟ هل يمكن لغوردن براون أن يرفض إخلاء 10 داوننغ ستريت لو خسر الانتخابات العامة القادمة في بريطانيا، ويصر على البقاء رئيساً للحكومة بحجة الحفاظ على رفاه الشعب مثلاً؟ هذا رغم أن حكومتي الولايات المتحدة وبريطانيا هما أكثر من ارتكب الجرائم في العالم خلال السنوات الأخيرة، ما يعني أن "أصحابها" لا يتركون السلطة طائعين لأنهم طيبو القلب ومحترمون، بل لأنهم لا يملكون أن يفعلوا غير هذا، فالديمقراطية محمية بثقافة المجتمع لا برغبات الحكام وعطاياهم.

لا ضمانة للديمقراطية ما لم تنبع من داخل ثقافة المجتمع، ومن تطوره الطبيعي. لهذا فإن الديمقراطية من خلال الإنقلاب تظل في مهب الريح، ما لم تتزامن مع برنامج ثقافي (تربوي وتعليمي) ينقل الديمقراطية من النظرية إلى الممارسة، حتى تصير جزءاً من حياة الناس، في البيت والشارع والسوق، فيحملوها معهم إلى السلطة، ولا يرضون إلا بحكم ديمقراطي يتبدل دورياً. ولأن "الإنقلاب" لا يسعى في العادة إلى ذلك، فإن الديمقراطية التي يقدمها تكون مؤقتة، حتى لو كانت محروسة بالنوايا الطيبة للإنقلابيين، ذلك أن هؤلاء الإنقلابيين طيبي القلب، يسلّمون السلطة طائعين، ويعودون إلى بيوتهم، تاركين المجال لإنقلابيين آخرين كي يفعلوا ما يشاؤون.

حدث هذا مرتين في العالم العربي: في العام 1989 حين عطّلت "ثورة الإنقاذ" تمثيلية الديمقراطية "دفاعاً عن السودان!"، وفي العام 2008 حين عطلت عودة الجيش تمثيلية الديمقراطية الجديدة "دفاعاً عن موريتانيا!"، أفلا نتعظ، ونسعى لتجذير الديمقراطية في قيمنا وممارساتنا وسلوكنا، قبل أن نحلم بها في السلطة؟!

samer.khair@alghad.jo

التعليق