إبراهيم غرايبة

جريمة الأوركسترا والوقوف الإجباري

تم نشره في الأربعاء 30 تموز / يوليو 2008. 02:00 صباحاً

 

لا يمكن تجاوز جريمة إطلاق النار على عازفي الأوركسترا في المدرج الروماني في عمان، وقد تعرض فريق مسلسل تلفزيوني أيضا إلى إطلاق نار في الهواء على يد مجهولين أدى إلى حالة من الفزع والارتباك، وبرغم الحديث المتكرر عن هذه الجرائم، فلا يمكننا تجاوز هذه الجريمة وتجاهلها في الكتابة والاهتمام الإعلامي، وخطورة هذا النوع من الجرائم أنه غير متوقع، ويصعب التنبؤ بمن يمكن أن يرتكب جريمة من هذا النوع ومتى وكيف يرتكبها، وهذا يزيد الحالة خطورة ويجعلها مصدرا للقلق، ويقتضي البحث عن مسار جديد في الأمن الوطني والاجتماعي، وفي تأهيل المجتمعات والأفراد وحمايتهم من الانزلاق إلى الجريمة.

يبدو واضحا في الجرائم التي وقعت من هذا النوع الهشاشة والضغوط النفسية والاجتماعية التي كان يعاني منها مرتكبو الجرائم، وهكذا فإن أزمتنا تقع في هشاشة الأفراد والمجتمعات وسرعة تأثرها وتحولها إلى موقف متطرف مفاجئ وغير متوقع، كيف نحقق الثراء الروحي والاجتماعي الذي يحمينا من الضغوط والاستدراج إلى الجريمة؟ الأمر يبدو في غاية الصعوبة، ولكن بتفعيل الإرشاد النفسي والاجتماعي في المدارس والأحياء والمراكز الصحية والاجتماعية ربما يمكن تحقيق الكثير والمساعدة أيضا في التنبؤ بالجرائم والوقاية منها، وأعتقد أنه ليس صعبا أن يكون لكل مدرسة مرشد نفسي واجتماعي، ولكن يجب أن يقوم بعمله بالفعل، وليس شبه عاطل عن العمل أو يقتصر عمله على مقابلة أصحاب المشاكل، ويمكن للمرشدين والمعلمين ملاحظة القلق والاكتئاب والشعور بعدم الجدوى والعبثية لدى الأطفال والمراهقين، وهي حالات وإن كانت تبدو عادية أو خفيفة الأثر لكنها ربما تعبر عن مخزون كبير من الشعور بالغبن والإهانة والمشكلات الأسرية والمجتمعية، وقد يكون ممكنا في هذه الحالة المبكرة تدريب الأطفال والمراهقين على مواجهة الحياة وتنمية الثراء الروحي والاجتماعي الذي يمنحهم التماسك والقوة وحب الحياة، وربما تكون حالات التطرف الديني تبدو علاجا ومخرجا من الشعور بالشقاء والتهميش، وهنا يجب استباق التوجه إلى التطرف والتشدد بمواجهة اجتماعية ونفسية قدر الإمكان، ومن الشائع اليوم في الأردن والدول العربية والإسلامية ملاحظة النسبة الكبيرة بين المتطرفين لأصحاب السوابق ومحدودي التعليم والمهمشين، وفي موجة الغلاء التي تحدث اليوم فإننا نتوقع مع قدوم مواسم المدارس والأعياد شعورا متزايدا بالفقر وقلة الحيلة، وليس الحل فقط في المساعدات الاقتصادية والإغاثية، وأخشى أن أعمال الإغاثة والمعونة تؤدي إلى مزيد من الفقر والتطرف والأزمات، وتحول الناس إلى اتكاليين ومحدودي الأفق والتجربة، ولكنا نحتاج إلى نظام اجتماعي اقتصادي يستوعب جميع الناس في أعمال ومشاركة حقيقية تعود عليهم بالفائدة الاقتصادية والمعيشية والشعور بالأهمية وتحقيق الذات، فصور أصحاب المساعدات والتي تنشر في الصحف تظهر الأطفال وكأنهم يتعرضون للتعذيب بدلا من المساعدة، إنها صور مؤذية تعبر عن مشاعر ونظرة مرضية إلى الذات والآخر يحتاج أصحابها إلى علاج ولعلهم يعانون من أزمات ومشكلات لا تقل خطورة ولا تختلف عن أزمات الفقر والتهميش.

ولنتصور في الجانب الآخر من الجريمة عندما يتاح لأصحاب الشخصيات الهشة هذه فرص الترقي الاقتصادي والوظيفي، والواقع أننا أمام حالة أكثر خطورة وألما ولكنها للأسف غير معترف بها، وهي كيف يسلك كثير من الأغنياء والقادة والمديرين في القطاع العام والخاص والمجتمعي، والذين تعبر أساليب إدارتهم وسلوكهم عن حالة عصابية خبيثة من النرجسية والرغبة في التدمير والامتلاك والهيمنة والاستمتاع الجنوني بالسلطة والفرص.

ولكن قبل ذلك كله وبعده نحتاج إلى الاعتراف بالمشكلة وضرورة حلها، فهل نعتقد أننا مجتمعات وأفرادا نعاني من ضغوط وأزمات تدفع إلى التوتر والتطرف والجريمة والشقاء وعدم الشعور بالرضا؟ وقد يستطيع كل إنسان أن يساعد نفسه إذا اعترف بمشكلته أو اكتشفها في ذاته، فلسنا في الحقيقة مجتمعا من المرضى ولكنا نواجه أزمات وضغوطا كثيرة يجب أن نفكر في مواجهتها ولن يفيدنا تجاهلها أو تأجيلها.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »يجب الآ نجعل من التطرف الديني شماعة (د. عبدالله عقروق ..بيروت مؤقتا)

    الأربعاء 30 تموز / يوليو 2008.
    تعودنا أن نعمل من الحبة قبة .فلمادا نظلم شعبا يتجاوز عدد سكانه بخمسة ملايين لأجل حادثة أو حوادث عابرة جدا ...نعم أنا لا أنكر انها تترك وراءهاخلفيات سلبية تسيء لبلدنا ، ولكن هذا لا بعني أن يتشنج المجتمع كله..
    هذه الحوادث نكون على مدار الساعات في امريكا ، وقتل التلامبذ في مدارسهم بالعشرات تحدث بكثرة ..ويتعامل معهاالمجتمع الآمريكي بأنها من صنع مرضى نفسانين، أو انهم بعانون شدودا خاصا..
    أما نحن فأننا نتمحور حول نقطة واحدة هو التطرف الديني ، ونظل نعجن بها دون جدوى .
    نحن شعب عانى الكثير من ظلم الغرب ..والباديء أظلم .أما حادثة الآوركسترا فأنها تصرف فردي جدا ولا علاقة لها بأمور التطرف الديني ...فلنهدأ قليلا ولا تصدر احكامنا فالقاتل مات ، ولا نعرف اسباب فعلته..ربما تكون شخصية لسبب من الأسباب..