مخزون من الرغبة بالتدمير!

تم نشره في الاثنين 28 تموز / يوليو 2008. 02:00 صباحاً

لدينا حالتا انتحار تلفتان الاهتمام، وقعتا في فترة زمنية متقاربة: الشاب الذي أطلق النار على عازفي الأوركسترا ثم أطلق النار على نفسه، وشاب قتل والده ثم أطلق النار على نفسه. وقد شهدنا في السنوات الماضية موجة من العمليات الانتحارية، لم نكن نجرؤ على محاولة فهم دوافعها النفسية، وتحليل هذا الأسلوب الفريد في المقاومة، الذي عاد بالضرر الكبير على القضايا التي يعمل أصحابها لأجلها.

 ما معنى فقدان الرغبة في الحياة؟ وإلى أين يمكن أن تؤدي بالمجتمعات والثقافة والعلاقات مثل هذه الحالة، عندما يكون حب الحياة قضية لا تستحق العناء والجهد؟ ماذا يفعل اليأس بحياتنا وقضايانا العادلة؟ لماذا وكيف يصل الناس فجأة وبدون قدرة على التوقع إلى حالة يفقدون فيها السيطرة على أنفسهم، ويتخذون قرارات بالغة التهور من دون تقدير لعواقب الحالة أو الخطوة التي أقدموا عليها؟

أجدني مضطرا للوقوف المتواصل عند الظاهرة وتكرار الدعوة والاقتراح لأفكار قد تساعدنا في المواجهة. يُعتقد في التحليل والإرشاد أن مرحلة الطفولة هي التي تقرر مصير الإنسان، ومن ثم فإن التنشئة وظروف الحياة الأسرية والمدارس والمناهج والتعليم هي التي تشكل على نحو نهائي (تقريباً) الأفراد والمجتمعات، وتؤهلهم ليكونوا صالحين أو يائسين، ناجحين أو فاشلين، يملكون مخزونا كافيا من الدوافع والمشاعر النبيلة أو مخزونا هائلا من الرغبة في التدمير والحقد.

يقول الفيلسوف برتراند رسل، إن دوافع الخير السامية والمصالح الفردية والجماعية لا تساوي شيئا في أثرها وحجمها وانتشارها بالنسبة لدوافع التدمير، ويرى أن هذه الدوافع هي الأكثر صحة وحضورا في تفسير التاريخ، العلاقات والحروب والصراعات، وسلوك الأفراد والمجتمعات، وقد يكون رأيا مرعبا لهذا الفيلسوف العظيم ويصيبنا بالذعر، ولكنه يساعدنا على الأقل في ضرورة البحث عن السلام الداخلي والانسجام في حياتنا وتفكيرنا وأسلوب حياتنا.

وعندما يُتاح لك التفكير والتأمل في حركة المرور والسواقة في شوارعنا، فإنك ربما تعتقد أن برتراند رسل محق تماما، فحوادث المرور والأزمات والاختناقات ليس مردها (والله العظيم) إلى الشوارع الضيقة والإشارات المستبدة وكثرة السيارات وتدفق الزوار ولا الرغبة في الوصول بسرعة وتلافي التأخير، فمن المؤكد وفقا لما نقرأه ونعرفه عن الحالة الاقتصادية والاجتماعية في البلد أن هؤلاء المقاتلون والمسرعون في الشوارع لا يحاولون الوصول إلى مواعيد مهمة في وقتها ولا يدفعهم لسلوكهم هذا تسيير مصالح اقتصادية وشخصية تبرر السرعة وانتهاك قوانين المرور والاعتداء على الناس، ولكنها نزعة قوية وهائلة إلى الإيذاء والإضرار، ما معنى وقوف سيارة (كثيرا ما تكون سياحية مستأجرة، وهذه ظاهرة تستحق وقفة أكثر تفصيلا) على نحو تغلق تقريبا شارعا رئيسيا مثل شارع المدينة أو شارع مكة وغيرهما؟ لماذا يقاتل الناس سائق مسرع يريد من كل السيارات الأخرى أن تفسح له الطريق ثم يتوقف أو ينعطف يمينا؟ هل شعر أحدكم طوال سنين سواقته في عمان وفي الطرق الخارجية أن موكبا رسميا أو سيارة إسعاف أو سيارة وزير أو نائب أو عين ضايقته، أو أضرت بتدفق المرور وحركته؟ ولكنا نواجه كل يوم مئات الاعتداءات من سائقين يريدون إخلاء الطرق وكأنهم ذاهبون للاجتماع مع بان كي مون، أو أنهم يديرون ويحركون مشروعات ميكروسوفت وجنرال موتورز، بحيث تمثل كل دقيقة بالنسبة لهم ملايين الدنانير. لماذا يصر سائق على حجز مسربين في الشارع والسير بسرعة 12 كيلومترا في الساعة وحجز عشرات السيارات وراءه في حين أن الشارع أمامه مثل صحراء فسيحة؟ ولماذا يصر سائقو باصات على اقتحام الدوار في مسار عمودي على مركز دائرته ثم يتحرك بعد احتلال الدوار وإخلائه من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين للخروج من الدوار، مصحوبا بصوت مرعب، كأنه يقول لجميع الناس: يا أولاد ال... أفسحوا الطريق لعنترة بن شداد! ما معنى إطلاق المنبهات في مواكب الأعراس في عمان؟ وما معنى مواكب الأعراس نفسها في عمان؟

أعتقد أن البداية تكون بالاعتراف أن لدينا مخزونا هائلا وعميقا ومتراكما من الرغبة في الإضرار والأذى، تكاد تطغى على الأفكار والعمل والقرارات، وتفسر معظم ما يجري في حياتنا من فقر وهزيمة وجرائم وانتحار وقتل وسرقة واغتصاب وحوادث مرور وأزمات ورسوب في الامتحانات، وحتى كثير من التفوق والنجاح والإنجاز، وسأغامر بالقول إن ما سمي "عمليات استشهادية"، لم يخرج عن هذا الدافع التدميري.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الله يعينك يا كاتب على بعض القراء! (جمان)

    الاثنين 28 تموز / يوليو 2008.
    استغرب من هؤلاء الذين إن لم يعجبهم مقال الكاتب ( مع أن مقاله مهم ومنطقي وعقلاني) يبادرون إلى كيل الشتائم والإتهامات بالليبرالية الجديدة، شو دخل الليبرالية الجديدة بهذا الموضوع؟
    اللي مش عاجبه المقال ، على الأقل فلينتقد بطريقة عقلانية، بدل هذه الكلمات
  • »الوصايا العشرة (د. عبدالله عقروق \بيروت مؤقتا)

    الاثنين 28 تموز / يوليو 2008.
    لا يولد الأنسان مجرما بل تولد معه غريزة الامتلاك وأكبر دليل على ذلك هو أنك لو مسكت بيدك أية دمية أمام اي طفل فسنرى أن الطقل سيخطفهامنك ، وبحاول جاهدا ابقائها معه ..وان حاولت أن تنزعها منه يصرح ويبكي
    فحب الأمتلاك ان لم تهذب بطريقة تربوية حديثه فأنها ستنمو معه وتصبح عادة سيئة جدا ممكن أن تؤدي لإيذاء الأحرين لدرجة الاجرام احيانا..والأبناء عادة ينشؤون على تقلبد اولياء امورهم..
    فمن نشأ على تعاليم ونطبيق الوصايا العشرة نظريا وعمليا فطريقهم ستكون سائرة على الطريق المسنقيم
    قف دفيفة وردد الوصابا العشرة فستشعر براحة نفسية...فجربها الآن وادعوا لي بالخير
  • »كلمة حق اريد بها باطل (faruq)

    الاثنين 28 تموز / يوليو 2008.
    رغم صداقتي لك ساكتب ......

    برء من تشاء يا ابراهيم فالغد فضاء واسع لمن شاء ان يدلي بدلوه.
    برء كل الرسميين والمسؤولين ورؤساء البلديات.
    برء كل المحتلين والمغتصبين ومن يشيرون لنا بكل احتقار ان نلتزم الصمت ونحن نعبر الجسر الى وطننا السليب.
    كل كل يهود الفلاشا والمستعربين والوحدات الخاصة وفرق الاغتيال بزيها المدني في شوارع نابلس.

    نحن وحدنا المتهمين .....

    نحن ......

    سائقي التكسيات
    موظفين متاخرين عن دوامهم يخشون خصم مديرهم الادراي
    طلاب يهرعون الى جامعاتهم ومدارسهم.
    ناس فقدوا اعصابهم بضغط غلاء الاسعار.
    فلسطينيين احتلهم مغتصب غادر.
    مسلمين اجتاحتهم دبابات اميركا.

    كلنا متهمون يا ابراهيم...
    ولك مني السلام.....
  • »شو جاب لجاب (حبيب)

    الاثنين 28 تموز / يوليو 2008.
    "لدينا مخزونا هائلا وعميقا ومتراكما من الرغبة في الإضرار والأذى..سأغامر بالقول إن ما سمي "عمليات استشهادية"، لم يخرج عن هذا الدافع التدميري."

    الغرايبة يدين المقاومة بسبب غضبه على السائقين المتهورين؟ ما هذا المنطق المدهش ومن اين تعلم الغرايبة فن الاستنتاجات غير المنطقية. في علم المنطق يسمى لغط الغرايبة non sequitur يعنى شو جاب لجاب. يعني ان الإستنتاج لا علاقة منطقية بينه وبين الحجة. يعني لا يجوز لأية شخص مثقف ان يقع في خطأ منطقي يقع فيه المبتدؤون.
  • »يلومون الضحية (جوزيف)

    الاثنين 28 تموز / يوليو 2008.
    كأي ليبرالي جديد محترف, إستطاع إبراهيم غرايبة إخفاء الدور الرسمي في خلق حالة الإحباط المدمروالذي لايمكن أبدا سواء أخلاقيا او علميا فصله عن الوضع الإقتصادي والسياسي الراهن وحالة فقدان الأمل وظروف الإذلال التي يعيشها أغلب الأردنييون بسبب فقدانهم الحد الأدنى من القدرة على تقرير المصير في قضايا أولوية او مركزية وبسبب غياب افق إيجابي يعطي معنى لحياتهم. أسلوب غرايبة فيه تعميم وإستنتاجات لاترتكز على أية دراسات علمية إنما نظريات "تكاسي" يتداولها الركاب مع السائقيين. ويدين شعبا كاملا يعيش في ظروف قاهرة من الفقر والبطالة والحرمان والإذلال بينما الليبرالييون الجدد يتمتعون بفوائد عضويتهم الى النخبة الرسمية والتي تكافئ من يوجه أصبع التهمة في كل فشل وخلل تنموي الى الشعوب العربية التي لاتملك سلطة وتحمي الأنظمة القمعية وسياساتها التموية الفاشلة والتي أوصلت العرب الى طريق مسدود.
  • »حال الناس صعبة (غادة شحادة)

    الاثنين 28 تموز / يوليو 2008.
    بدون اي احصائيات او دراسات او نظريات لكن الملاحظ والذي يحدث ان ضغط نفسي هائل , وبغض تانظر عن الممارسات السلوكية الخاطئة على الطرق , انظر الى سلوكيات الناس بشكل عام , تجد ان الواحد منا يمشي في الشارع وهو لايكاد يطيق ملابسه وتراه يسب هذا ويشتم ذاك ولو في سره .
    المشكلة اعمق بكثير من كونها توجهات دينية او مذهبية . الاحوال الاقتصادية والاجتماعية صعبة ومن الممكن ان يؤدي هذا الكبت المتزايد الى تبني اي فكرة انتحارية فردية او جماعية . حالات القرفالجماعي موجودة وبكثرة بدليل ان مشيت في شارع عام تجد الناس ينقسمون قسمين اما عابسين الوجوه مكفهرين القسمات او يضحكون ضحكا هستيريا على واقعهم المرير
    وهذا مع الاسف يجعل من مثل هذه الحالات نتيجة ليس من المستبعد حدوثها خاصة لو وجد المحرك الفاعل بغض النظر عما سيكون
  • »احسنت (احسنت)

    الاثنين 28 تموز / يوليو 2008.
    احسنت يا غرايبة
  • »فلسفه الانتحار (عثمان غرايبه_حواره)

    الاثنين 28 تموز / يوليو 2008.
    اصبت يا استاذ براهيم حين قلت ان الطفوله هي التي تحدد مصير الانسان.فالانسان يبدء ببناء طموحاته واهدفه المستقبليه منذ الطفوله_فكثير ما تسمع ان الاطفال يقررون ان يكونو رواد فضاء او اطبه او ضباط في الجيش....الخ.لكن ماذا يحدث بعد ذلك ؟!؟!؟.
    ان من البديهي ومن سنن الكون ان لكل شيئ وقود يدفعه للاستمرار.فبدون وقود لن تجد هناك شيء يتحرك_فمثلا" ان الانسان الطموح وقوده في التغلب على الصعوبات والتحديات هو طموحه_ووقود الاب والام على مواجهه مصاعب الحياه هي محبتهم لابنائهم_ووقود الجندي وصبره على ارض المعركه هو حبه لوطنه_ولكن حين يفتقر الانسان للوقود فانه حتما" سيفكر بالانتحار لان ليس هناك ما يدفعه لعمل شيئ في هذه الحياه(بحسب منظومته الحياتيه الخاصه به).ولا ابالغ حين اقول ان هناك الكثيرين في هذا العالم قررو الانتحار مرارا" ولكن جبنهم منعهم من ذلك.ولكن الاهم مناقشته الان هو لماذا يفقد الانسان وقوده في هذه الحياه؟؟؟؟.
    ان الاطفال يولدون صفحات بيضاء وعند اول 10 سنوات من عمر الانسان يجب ان يتولد لديه ركنان اساسيان هما
    1_ الطموح والاهدف
    2_الرساله(الدور الذي سيلعبه في البيئه الخاصه به)
    فمثلا" قديقرر الطفل بان يكون دكتور في الجامعه(فهذا الهدف والطموح)ولكن قد يقرر بان يكون له حزب او جماعه مرجعيه تعمل على النهوض بالمجتمع من النوحي الفكريه والخدميه(فهذه هي الرساله).
    ولكن من يستطيع ان يجمع بين هذين الركنان في ان واحد في هذا العالم_فانهم لا يتجاوزون ال 3%.فالعلاقه طرديه بين عدد هؤلاء وبين مستوي الرقي والحضاره في العالم.
    وهم من يلعبون الدور في قياده وتوجيه المجتمعات ومساعدتهم بان يجدو وقود الحياه لهم من اجل الاستمراريه ورفع الانتاجيه لديهم ودفعهم للصمود في المحن والعقبات وحتى الكوارث في هذه الحياه_فان ظروف العالم الان من حروب واحباط وفشل....الخ من جهه وغياب هؤلاء الاشخاص من جهه.فان هذا حتما" سيعمل على ان تكون دفه الحياه تحت سيطره الاحباط والياس او الاشخاص الذين اجتهدو بجهلهم في امور هذه الحياه.
    واخيرا: لا بد من ان يكون لقاده المجتمع دورا" اكثر في ردم الفجوه عند الناس ما بين وضع الانسان الحالي وما بين اهداف الشخص ورسالته_حتى يتوفر وقود الحياه .
  • »WoW (basel)

    الاثنين 28 تموز / يوليو 2008.
    you seem really pissed off !!!!