الاتحاد من أجل المتوسط: مراجعات ناقصة

تم نشره في الخميس 24 تموز / يوليو 2008. 03:00 صباحاً

أخيراً، أعلن الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي عن تحقق "حلمه" الذي بشر به: ولادة "الاتحاد من أجل المتوسط" رسمياً، وبحضور قادة 43 دولة يضمها الاتحاد.

يعد إطلاق الاتحاد نجاحاً فرنسياً بامتياز، وتحديداً للرئيس الفرنسي الذي أطلق فكرته أثناء حملة ترشحه للرئاسة، وواجه بعد ذلك تحفظات واعتراضات من داخل الاتحاد الاوروبي، وتحديداً من ألمانيا، فضلاً عن بعض دول جنوب حوض المتوسط، وبخاصة ليبيا التي دعت إلى مقاطعته ورفضه، وكذلك تركيا التي وجدت فيه عقبة أمام طموحها للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

للتغلب على العقبات والتحفظات التي صادفته، أقدم الرئيس الفرنسي على عدد من التنازلات، وقبل بتطوير فكرته الأصلية التي كانت تدعو إلى قيام "اتحاد متوسطي" يضم فقط الدول المطلة على البحر الأبيض المتوسط، أو الداخلة في مسارات متوسطية مثل الأردن والبرتغال وموريتانيا، وعددها 19 دولة، وفق الاتفاق الذي تم بين زعماء فرنسا وايطاليا وإسبانيا في مؤتمر روما يوم 20 كانون الأول/ ديسمبر 2007.

ومع أن "نداء روما" الصادر عن اللقاء المذكور أفسح المجال لانضمام اختياري لدول الاتحاد الاوروبي الأخرى غير المطلة على المتوسط، بالدخول إلى الاتحاد العتيد، إلا أن المانيا رأت في المبادرة هذه "تغريدا"ً فرنسياً خارج "سرب" الاتحاد الأوروبي، وتفكيكاً لعرى التعاون التقليدي الألماني الفرنسي، فضلاً عن كونه، من الناحية الواقعية، بمثابة إعلان وفاة لمسار برشلونة والشراكة الأورومتوسطية، وليس جهداً مكملاً له، كما يقول الفرنسيون.

لقد أثمرت الضغوط الألمانية على فرنسا في تطوير "الاتحاد المتوسطي" الذي كان يقتصر على الدول المتشاطئة مع حوض المتوسط الشمالي والجنوبي إلى "الاتحاد من أجل المتوسط"، الذي يضم جميع دول الاتحاد الاوروبي وعددها 27 دولة، وعشر دول من جنوب وشرق المتوسط، فضلاً عن الدول الأخرى غير المطلة مباشرة على حوض المتوسط أو غير الأعضاء في الاتحاد الاوروبي، وذلك هو مضمون تنقيحات مؤتمر بروكسيل في آذار/ مارس 2008 لمشروع ساركوزي الأصلي.

ومهما يكن من أمر هذه التعديلات والتطويرات على الفكرة الساركوزية، فإن انعقاد القمة الأورومتوسطية بحضور 43 دولة في باريس، وفي الموعد الذي حددته قمة روما الثلاثية، اكتسى معانيَ ورسائل رمزية لم تخلُ من دلالة. فقد انعقدت القمة في اليوم السابق مباشرة للعيد الوطني الفرنسي، أو ذكرى الثورة الفرنسية واستمر خلالها (13 و14 تموز/ يوليو). كما أُطلق الاتحاد من أجل المتوسط من "القصر الكبير" في باريس، وهو مبنى قديم أقيم لاستضافة زوار المعرض الصناعي العالمي لعام 1900، معيداً إلى الأذهان العصر الذهبي لفرنسا ما قبل الحرب العالمية الاولى.

غير أن الطابع الاحتفالي الذي طغى على إعلان الإطلاق الرسمي للاتحاد من أجل المتوسط، ونجاح فرنسا في التغلب على العقبات التي اعترضت طريقه، لا يكفيان للإجابة عن الأسئلة المعلقة التي يثيرها الانتقال من "مسار برشلونة" إلى "الاتحاد من أجل المتوسط"، بعيداً عن أية مراجعة جادة للدروس والاستخلاصات المستفادة من المسار المتعرج والمتذبذب لعملية برشلونة والشراكة الأورومتوسطية، التي أطلقت في أواخر تشرين الثاني/ نوفمبر 1995.

فالظاهر أن الدول العربية العشر التي انضمت إلى الصيغة الجديدة للتعاون الأوروبي المتوسطي، كل منها لأسبابها ودوافعها الذاتية، لم تتوقف طويلاً أمام مهمة تقييم مسار برشلونة، ولم تقم "بجردة حساب" لما حققته الشراكة الأورومتوسطية للعرب، أو عجزت عن تحقيقه، خلال السنوات الاثنتي عشر الماضية. والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا المجال هل أن الطبعة الجديدة لإطار التعاون الأورومتوسطي تنطوي على مزايا أو مكاسب محددة، أم إنها مجرد مواصلة للعلاقة غير المتكافئة بين شمال حوض المتوسط وجنوبه؟!

رسمياً، وبالأحرى شكلياً، قدمت صيغة "الاتحاد من أجل المتوسط" "جوائز ترضية" معنوية لدول الجنوب عن طريق تدشينها "رئاسة مشتركة" للاتحاد، واحدة تختارها الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وثانية تختارها بلدان جنوب المتوسط، حيث تتولى فرنسا ومصر الرئاسة حالياً، وهو الأمر الذي يوحي بوجود نوع من الندية والتكافؤ بين الشمال والجنوب.

كما أن صيغة الاتحاد من أجل المتوسط تتضمن الاتفاق على تشكيل سكرتاريا أو أمانة للاتحاد مقرها إحدى دول الجنوب، حيث تتنافس الجزائر وتونس على استضافتها، لكن لم يقع الاتفاق بينهما بعد على حسم هذه المسألة، ولذا تركت معلقة.

لكن "جوائز الترضية" هذه، الممنوحة للبلدان العربية، باعتبارها الشريك الرئيسي في الاتحاد عن دول جنوب المتوسط، لا تطمس حقيقة أن أهداف "الاتحاد من أجل المتوسط" تواضعت كثيراً وابتعدت عن الطموحات والوعود الكبيرة التي ميزت إعلان برشلونة ومسارها. فالاتحاد من أجل المتوسط ابتعد مسافة غير قليلة عن نزاعات الشرق الأوسط ولا سيما الصراع العربي الإسرائيلي، كما عن قضايا الديمقراطية وحقوق الانسان والإصلاحات السياسية في جنوب المتوسط، حيث ركز الاتحاد بصورة محددة على مشاريع التعاون "العملي"، مثل مكافحة التلوث في المتوسط وإنشاء الطرق البحرية والبرية لتحسين تدفق التجارة بين ضفتي المتوسط وتطوير الطاقة الشمسية، وغير ذلك من القضايا التي تضفي على مشاريع الاتحاد طابعاً غير سياسي.

هذه الانطباعات السريعة عن هوية الاتحاد من أجل المتوسط لا تهدف إلى التقليل من شأنه، ولا من إمكانية تطوير هذه الصيغة الجديدة للتعاون الأورومتوسطي. والخطوة الأولى في هذا الطريق هي مراجعة مسار الشراكة الأورومتوسطية من إعلان برشلونة إلى سياسة الجوار الأوروبية وصولاً إلى المحطة الأخيرة: الاتحاد من أجل المتوسط. ويبدو أن الطرف الرئيسي المعني بهذه المراجعة ومحاولة التأثير على مجرى أعمال وخطط الاتحاد من أجل المتوسط هو منظمات المجتمع المدني في شمال وجنوب المتوسط، خاصة وأنها الغائب الأكبر عن هذا الحدث.

hani.hourani@alghad.jo 

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »جزرة للتطبيع الصهيوني (جابي)

    الخميس 24 تموز / يوليو 2008.
    الإتحاد المتوسطي جزرة لذيذة تدليها فرنسا اما عيون انظمة عربية معظمها ضعيف وفاشل وفاسد. و تقدم فرنسا مقابل إلتهام تلك الجزرة حماية وتطنيش على لأنطمة القمعية ودعم إقتصادي للفاسدين والفقراء منهم. الجزرة هي التطبيع مع الدولة الصهيونية. ونقصد بالتطبيع ليس السلام العادل الشامل بل التطبيع مع إسرائيل ومع جرائمها ومع إستيطانها وتطهيرها العرقي للعرب ومع تهميش اللاجئيين حتى ولو كان هذا التهميش سيكون له عواقب وخيمة على بعض المطبعيين. لنكن صريحين مع انفسنا. لايوجد اية إهتمام للغرب الرسمي بالعرب الا من ثلاث محاور: إسرائيل, النفط, الإسلام السياسي والذي قد يكسر شوكة إسرائيل كما شاهدنا في لبنان وفلسطين وسيستخدم النفط والتجارة كأداة ضغط لحماية المصالح العربية.
  • »نغيب الأستراتجيه العربية (د. عبدالله عقروق \بيروت مؤقتا)

    الخميس 24 تموز / يوليو 2008.
    انشغلت الدول الاوروبية في وضع استرانجيات تخدم مصالحها، في حين أن الدول العربية العشرة لم تبد اي نشاطاملحوظا بينهما للتنسيق في رسم استراتيجية عرببة
    موحدة ..فحصلت مصر على مكانة ققط لموقعها الجقرافي وعلاقتها الممتازة مع امريكا غير حاضرة في هذه التركيبة