الديمقراطية بوصفها قضية "أمن قومي"

تم نشره في الثلاثاء 22 تموز / يوليو 2008. 03:00 صباحاً

مشكلة النظم السلطوية مع الديمقراطية ليس فقط أنها تقوّض أسس تسلطهم واستبدادهم، وتكشف زيف الشرعية الواهية التي تستمد منها هذه النظم مبرر بقائها، وإنما أيضا كونها تعيد ترتيب الأدوار وتوزيع السلطة وفق أسس متكافئة لا مكان فيها للذراع الأمنية أو لعلاقات الفساد والمحسوبية.

الآن ثمة انحسار فى عدد الدول السلطوية حول العالم، وباستثناء زيمبابوي وبعض الدول الفاشلة فى إفريقيا، فلا توجد دول سلطوية بالمعني التقليدي سوى فى العالم العربي. ومنطقياً أن يصبح السؤال هو: لماذا؟

باعتقادي أن أحد الأسباب فى "توّطن" الاستبداد فى العالم العربي هو تعاطي معظم أنظمته مع الديمقراطية باعتبارها قضية "أمن قومي"، تُستنفر لأجلها أجهزة الدولة وسلطاتها، فهي بالنسبة لهم خطر حال يهدد وجود الدولة ذاته، التي تماهت مع النظم السلطوية وباتت جسداً واحداً.

وبهذا المنطق تصبح كافة مظاهر الديمقراطية كالمشاركة السياسة وحرية التعبير والتظاهر والإضراب والمطالبة بالتعددية والحريات، إحدى مظاهر "الخروج" عن سيادة الدولة وسلطانها، مما يستدعي التصدي له وردعه بكافة أصناف القوة والقمع.

يحدث ذلك فى أغلب الدول العربية. فهذه الأنظمة جميعاً، تتعاطي مع الديمقراطية، بشتي تجليّاتها، باعتبارها كارثة، قد تقترب أحياناً إلى خطر الغزو الخارجي، الذي يجب وقفه والتصدي له بكافة الوسائل.

ويزداد جنون هذه الأنظمة إذا ما كان الطرف الرئيسي فى هذا "الخروج الديمقراطي" هو الإسلاميين. فما فعلته الجزائر فى أوائل التسعينات ضد "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" كان بمثابة خروج للحرب، لجأت فيه "جبهة التحرير" الجزائرية إلى كافة أساليب القمع والعنف لوقف تمدد الإسلاميين، ليس فقط باعتبارهم خطرا يهدد بقاء الجبهة فى الحكم بشرعيتها الزائفة، وإنما أيضا باعتبارهم خطرا يهدد المجتمع الجزائري نفسه. ويا لها من مفارقة حين تصدت "الجبهة" للإرادة الشعبية التي أعطت الإسلاميين الأغلبية فى الانتخابات المحلية عام 1990، فى الوقت الذي ادعت فيه أنها تسعى لحماية المجتمع من خطر الأسلمة.

وحدث الأمر نفسه فى تونس أوائل التسعينات حين تم حظر "حزب النهضة" التونسي بزعامة راشد الغنوشي، بحجة تهديده للأمن القومي التونسي، رغم سلمية الحركة واعتدالها، بل وتقدمية خطابها السياسي والديني.

وحدث هذا الأمر قبل خمسة أشهر فى المغرب حين تم اعتقال محمد أمين الركالة، المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية المغربي، بحجة انتمائه لخلية جهادية بزعامة عبد القادر بلعيرج.

ويحدث هذا الأمر مع جماعة الإخوان المسلمين فى مصر منذ فوزها فى الانتخابات التشريعية عام 2005 وحتى الآن. وهنا يجب أن نتذكر التصريح الشهير للرئيس مبارك لجريدة الأسبوع فى فبراير 2007 حين قال إن الإخوان "خطر على الأمن القومي المصري"، وقبل أيام صرّح الوزير مفيد شهاب بأنه لا فرق بين جماعة الإخوان المسلمين فى مصر وإسرائيل فكلاهما "لا يمكن التحاور معه" لأنه محظور، وباعتقادي أن معالي الوزير يعرف جيداً أيهما المحظور، وأيهما الأخطر على الأمن القومي المصري من الناحية الفعلية.

هذا التعاطي المشوّه مع قضية الديمقراطية لا يقتصر فقط على الأنظمة العربية، وإنما تشاركها فيه الولايات المتحدة. فإدارة الرئيس بوش منذ أحداث 11/9 تعاطت مع مسألة الديمقراطية والحريات باعتبارها قضية تمس جوهر الأمن القومي الأميركي، فسعت لنشر الديمقراطية والحريات لبرهة قصيرة، ولكنها سرعان ما تراجعت عن دعم الديمقراطية حين استفاد منها الإسلاميون. ونجحت الأنظمة السلطوية العربية فى مقايضة إدارة بوش بقضية الأمن مقابل الديمقراطية.

وبافتراض تسليمنا بهذا الطرح، رغم عدم منطقيته، تصبح الديمقراطية إحدى أدوات تدعيم الأمن القومي وليس العكس. عربياً، تشي التجربة المريرة لمجتمعاتنا، أن الاستبداد كان ولا يزال، يمثل رافداً أساسياً فى تغذية التطرف والراديكالية، والتجربة الناصرية مع الإخوان خير دليل على ذلك، فى حين لا تزال تداعيات التجربة الجزائرية ماثلة حتى يومنا هذا.

أما أميركيا، فيكفي أن يتذكر الأميركيون أن منفذي هجمات الحادي عشر من سبتمبر لم يلتحقوا يوما بأي جماعة إسلامية معتدلة، كالإخوان المسلمين ومثيلاتها، ولم يكونوا يوماً أعضاء فى أحزاب أو جمعيات أهلية، بل لم يكن لهم أي نشاط خلال مراحلهم الجامعية. وعليه يصبح منطقياً أن يكون دعم الديمقراطية والانفتاح على كافة القوى السياسية بما فيها الإسلاميون المعتدلون، أول خطوة فى سبيل حماية الأمن القومي الأميركي، وليس العكس.

ولسوء الحظ، يبدو أن الطرفين الأميركي "الجاهل" والعربي "السلطوي" قد اجتمعا على فكرة واحدة هي أن: الديمقراطية كانت، وستظل، قضية أمنية، ولكنها، وللمفارقة، أمن "سلطوّي" وليست أمنا قوميا، ولا عزاء للإصلاحيين العرب.

التعليق