الإفراج عن "الأسرى الأربعة".. استحقاق رمزي ومعنوي

تم نشره في الاثنين 21 تموز / يوليو 2008. 03:00 صباحاً

 أليس من الغرابة الشديدة أن تنتظر الحكومة مطالبات أهالي الأسرى الأربعة (الذين نقلوا من المعتقلات الإسرائيلية إلى السجون الأردنية باتفاق بين الحكومة واسرائيل) للإفراج الفوري عنهم، أو تتخذ موقفاً ضعيفاً ومهزوزاً أمام  "اللجنة الوطنية للأسرى والمفقودين في سجون الاحتلال"، وكأنّها -أي الحكومة- تقف على الطرف الآخر من المعادلة!

الاعتبارات الرمزية والسياسية الوطنية تقتضي من الحكومة أن تسارع هي للإفراج عن الأسرى الأربعة فوراً، وفق ما نُقلَ بأنّ اتفاقية التسليم تتضمن بنداً يسمح للحكومة بالإفراج عنهم إذا أفرجت إسرائيل عن أي أسير تنطبق عليه نفس حالة الأسرى الأردنيين. أو على الأقل كان على الحكومة مخاطبة إسرائيل بصورة فورية وإبلاغها بالتحلل من ذلك الشرط، بعد إطلاق سراح الأسرى اللبنانيين.

حتى لو لم تتفق القراءة القانونية للحكومة لاتفاق الإفراج عن الأسرى مع رأي اللجنة الوطنية فإنّ السياق السياسي الحالي يفتح للحكومة باباً واسعاً أمام اتخاذ خطوة جريئة بإطلاق الأسرى أو الضغط على إسرائيل للتحلل من الالتزام الأردني بالمدة المذكورة، بخاصة أنّ ما تبقى منها هي مجرد أسابيع معدودة.

قضية الأسرى، مرة أخرى، تضعنا أمام معضلة واضحة في السنوات الأخيرة تتمثل بتفنن الحكومة في خسارة المعارك الإعلامية والسياسية، بحيث تضيع في تفاصيل صغيرة وترتبك في التعامل مع قضايا وتخسر فيها إعلامياً وسياسياً مع أنّها بإمكانها بسهولة تحقيق انتصار رمزي ومعنوي بكلفة قليلة جداً.

الأخطر من ذلك؛ أنّ الحكومة وصنّاع القرار لا يتنبهون إلى "الصورة الإعلامية" المتدهورة عن الأردن لدى الرأي العام العربي، بل وللأسف لدى شرائح واسعة من الرأي العام الأردني. على الرغم أنّ هذه الصورة باتت تضرب بقوة سمعة الدولة وهيبتها في الخارج، وتؤثر على معنويات المواطنين وتخلق فجوات واسعة تتيح التسلل منها بين الدولة والرأي العام المحلي.

لا نريد أن نعود إلى أمثلة واضحة وهائلة على أخطاء استراتيجية وتكتيكية تقع فيها الحكومة في معاركها السياسية والإعلامية، لكن قضية هؤلاء الأسرى أنفسهم تبرز مدى التخبط منذ توقيع الاتفاقية إلى اليوم، فبدلاً أن تسجل القضية للحكومة باعتبارها نجاحاً سياسياً ودبلوماسياً سُجّلت ضد الحكومة باعتبارها تنازلاً أمام اسرائيل.

كان بالإمكان تسجيل نقاط عديدة كترتيب وضع خاص ومتميز للأسرى الأربعة في السجن منذ البداية وقبل بدء الاحتجاجات من الأهالي والمجتمع المدني، وكان هنالك فرصة لاختيار شروط جيدة إعلامياً للتعامل معهم، ولم يكن هنالك مانع من استقبال شعبي متميز بغطاء رسمي ضمني يُظهر احترام الدولة لمواطنيها، مهما كان الاختلاف في وجهات النظر السياسية، لكن ما حدث هو العكس تماماً، وأصبحت هذه القضية عبئاً على الحكومة لا نصراً لها.

بالعودة إلى قضية الإفراج عن الأسرى الأربعة؛ فهي باتت ملحة على المستوى الرمزي، بخاصة والمواطن الأردني يرى بأم عينه احتفالات حزب الله بعودة سمير القنطار ومجموعته، ويقارن ذلك بعودة الأسرى الأردنيين الأربعة، وقد راهنت الحكومة هنا على السلام وعلى المفاوضات وعلى الخط الاستراتيجي الحالي، بينما على الطرف الآخر تمكن  حزب الله من تحقيق انتصار رمزي ومعنوي كبير، في قضية الأسرى.

كان الأولى أن تقوم الحكومة بمبادرة سريعة للإفراج عن الأسرى وتحقيق اختراق في الموقف، لا أن تبدو وكأنها نالت صفعة على الوجه، وكأنّها بالفعل مهزومة، فيما بدا الإعلام الرسمي في حالة من التغطية المتواضعة للإفراج عن الأسرى اللبنانيين، وكأنه خجل من السياسة الرسمية الأردنية.

"الصورة الإعلامية" بلا شك ليست وليدة الفراغ، وهي تعكس بدرجة كبيرة السياسات الرسمية، لكننا لا نكتفي بخسارة على المستوى السياسي استراتيجياً وتكتكياً، وإنما نتقن خسارة "الصورة الإعلامية" وبناء انطباع سلبي وغير صحيح عن وطن يكافح، وله ميزات كبيرة على العديد من الدول التي يتغنى بها الإعلام العربي!

مرة أخرى؛ المشكلة قد لا تكون بالخيارات الاستراتيجية الأردنية على المستوى الخارجي، بل في الأدوات والتكتيكات واهمال المساحات الشاسعة التي يمكن العمل بها، وعدم إدراك التحولات الإقليمية والدولية بسرعة لإجراء ولو جراحة تجميلية على المسار العام، أو على الأقل الاهتمام بـ"الصورة الإعلامية".

m.aburumman@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »أزمة علاقات عامة (علاء)

    الاثنين 21 تموز / يوليو 2008.
    برأيي الشخصي أن الحكومة الأردنية أصبحت بأشد الحاجة لتوظيف مستشارين بالعلاقات العامة فهي ترتكب الخطأ تلو الآخر بهذا المجال بدأ بأزمة مهرجان الأردن التي اضطر جلالة الملك للتدخل لتوضيحها، مرورا بقضية أراضي الدولة التي وضحها جلالة الملك أيضا وليس انتهاء بقضية الأسرى!
  • »التردد وعدم اخذ المبادرة هما السبب (محمود علي الدباس)

    الاثنين 21 تموز / يوليو 2008.
    تعليقا على مقال الكاتب محمد ابو رمان حول الاسرى الاردنيين الاربعة ودعوته الحكومة لاقتناص نصر معنوي او اعلامي في ظاهرها هي دعوة صحيحة بالمبدأ والاساس ان يتم انجازها دون النظر الى نصر اعلامي ومعنوي وترك الاعلام ليتلقى هذا القرار وتغليفه بالصورة التي يراها الاعلام لان الاصل ان نبحث عن مصلحة الاردنيين لا عن ردات الافعال والصورة الاعلامية مع اهميتها النسبية في هكذا مواضيع
    كان يجب على الحكومة ودون ابطاء وطالما ان هناك بند في اتفاقية التسليم ينص على الافراج الفوري عن الاسرى الاربعة في حال قيام اسرائيل بعقد اتفاقية تبادل لاسرى ارتكبوا نفس الذنب
  • »ليكن السلام أقوى (ملكاوي)

    الاثنين 21 تموز / يوليو 2008.
    اذا لم تطلق الحكومة سراح الأسرى الاردنيين الأبطال، وعلى راسهم الدقامسة البطل بنظر كل اردني وعربي شريف... فإن هذا يعني ان سياسة المقاومة هي السياسة الأقوى والتي ستتغلب على سياسة السلام مع اسرائيل...
    اتمنى ان يفرج عن اسرانا الاردنيين الأبطال اليوم قبل غد
  • »إنهم أبطال (محمد طراونه)

    الاثنين 21 تموز / يوليو 2008.
    فعلاً يجب إطلاق سراحهم لأنهم أبطال ويستحقون التكريم و الاحتفال
  • »يا بو رمان يسلم ثمك (مريم)

    الاثنين 21 تموز / يوليو 2008.
    والله يا بو رمان يسلم ثمك. بقولو ا عندنا في الأردن : الولد العاطل بيجيب لأهله المسبه.
    والله يا بو رمان انه سياستنا عاطلة مع اسرانا و فضحتنا بين اللي بيسوا وما بيسوا!!!

    الله يطول بعمرك ويحفظ الأردن و سيدنا ابو حسين
  • »اجمل تحية (محمد شتيوي)

    الاثنين 21 تموز / يوليو 2008.
    في كل مقال اتابعة لك يزداد اعجابي بكتاباتك وافكارك التي هي تشابه افكاري الى حد بعيد ، الواقعية والتحليل السليم لتخرج اراء ليست منحازة لطرف محدد بل تحمل في داخلك سيد محمد كثير من هموم المواطن العادي البسيط الذي يعرف بديهيات العمل السياسي وللاسف سياسيو الاردن في واد والمثقفين والمواطن العادي في واد اخر، اجمل تحية لك واتمنى لك التوفيق.

    مواطن مغترب
  • »الصراحة.... (البوريني)

    الاثنين 21 تموز / يوليو 2008.
    أنا أسأل نفسي كثيراً لماذا هذا التصرف من قبل الحكومة الأردنية؟!
    هل سلطان العجلوني ورفاقه أعداء أم من أبناء الوطن....
    الاسرائيليين كان همهم التأثير النفسي على المعتقلين وعلى الشارع الأردني بسجن العجلوني ورفاقه في السجون الأردنية...
    بصراحة أشعر بالغيظ من هذا التصرف