د.باسم الطويسي

ما هي المهنية الإعلامية (1)

تم نشره في الأحد 20 تموز / يوليو 2008. 02:00 صباحاً

جامعة فلوريدا

    يكاد المجتمع الإعلامي الأردني يتفق على ان عناصر الضعف الأساسية في الإعلام المحلي تعود في احد أهم مصادرها الى ضعف المهنية الإعلامية، وحينما نذهب الى التفاصيل نحو ماهية هذه المهنية الإعلامية ، وما هي عناصرها وما مصادرها، يذهب الاتجاه العام الى الإشارة بإصبع واحدة نحو التدريب وبناء الكفاءات الإعلامية الفردية، وهما بالفعل ضمن الأسس الموضوعية لتوطين المهنية، لكنهما ليس كل المهنية ولا نصفها ولا حتى ربعها.

  هذا الواقع ؛ أي تجاوز مفهوم المهنية الإعلامية لموضوع التدريب أو بناء الكفاءة التنفيذية للإفراد يفسر ما نفتقده من الطاقات الإعلامية التي تهاجر الى الخارج ، ويفسر عدم قدرة العديد منها تحقيق ذاته وتفوقه إلا بعد ان يجد بيئة مهنية أخرى على الرغم من ان مستواه المعرفي والتأهيلي لم يتغير.

 في حين ان سؤال المهنية بمفهومها الشامل هو المدخل الحقيقي للتغيير؛ حيث يجب إدارة النقاش على محوري كفاءة الموارد البشرية وكفاءة بيئة العمل والمؤسسات الإعلامية ، وبالتالي جودة المنتج الإعلامي ؛ لا يمكن تقديم الحلول الموضوعية لتطوير الإعلام من دون النظر إليه على أساس انه قطاع تنموي يحتاج للتنمية لكي يسهم بدوره في التنمية، وهذا المنظور يعني ان الحديث عن تنمية المهنية الإعلامية إذا ما بقي يحصر اهتماماته بالأفراد واستمر في إهمال بيئة العمل وواقع المؤسسات وكفاءة إدارتها لن يحقق النتائج المطلوبة،   كما ان  المنظور التنموي لا يحصر الإعلام بالوسائل والمضامين التقليدية التي يدور رحى الصراع حولها في إطار النخب الصغيرة المتنافسة التي تعتقد انها الوحيدة المستهلكة لمنتجات وسائل لإعلام، بل ثمة منظور مجتمعي يتجاوز في أهميته وحساسيته المنظور السياسي، يحتاج أيضا اشتغال الإعلام عليه تنمويا.

  يمكن ان نتحدث عن ست حزم من مؤشرات ومعايير المهنية الإعلامية، واحدة من بين هذه الستة  التدريب والتأهيل، وجميع هذه العناصر تصب في صياغة وتحديد مستوى جودة المحتوى الإعلامي، أي المنتج الإعلامي القادر على الحضور ولفت الانتباه والمنافسة وبالتالي التأثير، وقبل الحديث عن تلك الحزم لابد من الإشارة الى ان  تأطير  مفهوم المهنية الإعلامية ينطلق من محددات أساسية يكاد يتُفق عليها وفق مختلف المعايير وأهمها تحقيق:

- المهنية في قدرة وسائل الإعلام على ان تحافظ على استقلاليتها وأن تعبر عن تعددية حقيقية تعكس أحوال المجتمع والواقع.

- المهنية في قدرة وسائل الإعلام في ان تكون محلية، قادرة على الإشباع الإعلامي لمجتمعها، وقادرة على تمثل المجتمع، وقادرة على تحفيز المجتمع لتمثلها والثقة بها.

- المهنية في قدرة وسائل الإعلام على تقديم تغطية شاملة، واحاطة جارية، لكل ما  يحدث في البيئة الداخلية والخارجية للمجتمع في سياق يعطيها معنى.

- المهنية في قدرة وسائل الإعلام أن تكون منبراً للرأي والنقد وأن تحافظ على دورها كناقد بنّاء وايجابي.

- المهنية في قدرة وسائل الإعلام في أن تعرض أهداف المجتمع وثقافته وقيمه، وأن تسهم في التغيير الاجتماعي والثقافي والاقتصادي النافع.

- المهنية في قدرة وسائل الإعلام في التعبير عن وظيفتها الرقابية والتعبير عن الرأي العام، والتوازن بين صياغة الرأي العام والتعبير عنه.

- المهنية في  قدرة وسائل الإعلام على تطوير كفاءة العاملين لديها وضمان استمرار وإدامة تأهيلهم.

- المهنية في قدرة وسائل الإعلام على التطوير المستمر والاستفادة من التكنولوجيا وتوظيفها في تطوير الأداء.

- والمهنية في قدرة وسائل الإعلام على خلق صلات تفاعلية مستمرة مع الجمهور؛ من خلال التفاعل المباشر وغير المباشر والردود وخلق الناقشات العامة وصياغة التعدد والتوافق المجتمعي في نفس الوقت.

- المهنية في الحضور والاستمرار، والقدرة على المنافسة. 

  وتُميز الخبرة العلمية المتبعة في تقييم الأداء المهني لوسائل الإعلام بين المعايير المهنية العامة التي تحكم العمل الإعلامي، والتي قد تنظمها المؤسسة الإعلامية أو المجتمع الإعلامي وتعلن عنها للجمهور من جهة، وبين قواعد السلوك الأخلاقي المرتبطة بالإعلامي والتي يُحكم من خلالها على مدى التزام الإعلامي بالأخلاقيات المهنية، والتي تتركز فيما اتفقت عليه معظم مواثيق الشرف الصحافي والإعلامي والتي يصعب في أحياناً كثيرة قياسها أو التحقق منها.

كما تُميز الخبرة العلمية في مجال مصادر تقييم الأداء المهني بين المعايير الداخلية ذات الصلة بالأطر والعمل المؤسسي للوسيلة الإعلامية ومدى الاستقرار الاقتصادي لديها وقدرتها على التطوير والتحديث المستمر، والفصل بين الإدارة والتحرير وتأهيل الإعلاميين، والمعايير الخارجية المرتبطة بمكانة وسمعة الوسيلة الإعلامية، ومعدلات الاشتراك والإطلاع أو الاستماع والمشاهدة  ومعدلات النقل والإقتباس عن الوسيلة.

    إن الإعلام المرافق لعمليات التنمية السياسية عادة يواجه تحديات صعبة تجعل جميع الأطراف تخضع في نهاية الأمر إلى عملية الانتخاب الطبيعي في القدرة على البقاء والاستمرار والاستقرار والتكيف، وكما إن مرحلة التحول في أجواء التنمية السياسية تحدث الوعي الاجتماعي والمدني بأهمية الحريات الإعلامية ودورها الفاعل، فان هذه المرحلة تتطلب إجراء جراحة عميقة في التفسير السياسي والمدني لفلسفة الدولة لكي تصبح أكثر كفاءة في التكيف مع بقية أطراف المجتمع، هذا الأمر يتطلب إعلاما مهنيا ومحترفا يقدر قيمة القدر المتاح من الحريات ويعرف كيف ينميها، ويعرف قبل كل شيء ان ينخرط في تنمية حقيقية لمهنيته تنال الموارد البشرية والمؤسسات وبيئة العمل وبالتالي جودة المنتج الإعلامي.

basimtwissi@hotmail.com

التعليق