ما هو أصل الشكوى في كوريا الجنوبية؟

تم نشره في الخميس 17 تموز / يوليو 2008. 03:00 صباحاً

حين اندلعت الاحتجاجات العنيفة المستمرة حتى الآن في كوريا الجنوبية بشأن لحوم الأبقار المستوردة من الولايات المتحدة، عرض مجلس وزراء الرئيس الكوري الجنوبي لي ميونغ باك فكرة استقالته بالكامل. وفي الأسبوع الماضي أقال الرئيس لي ثلاثة من الوزراء. ولكن تبين أن مشكلة لحوم الأبقار ليست أكثر من قمة جبل جليدي من المظالم والشكاوى ضد الرئيس لي. فبعد أربعة أشهر فقط من توليه لمنصبه هبطت معدلات قبوله إلى نسبة تقل عن10%.

فاز الرئيس لي بانتخابات 2007 بأغلبية 48.7% من الأصوات، وذلك بعد أن تبنى برنامجاً انتخابياً وعَد بنمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 7% سنوياً، والوصول بنصيب الفرد في الدخل إلى أربعين ألف دولار، وتحويل كوريا إلى سابع أضخم اقتصاد على مستوى العالم (صعوداً من المركز الثالث عشر حالياً). وأثناء خطاب تنصيبه تعهد لي بإحياء الاقتصاد، وتعزيز العلاقات بالولايات المتحدة، والتعامل مع مسألة كوريا الشمالية.

ما الذي حدث إذاً؟

إن اقتصاد كوريا الجنوبية يشهد الآن تباطؤاً ملحوظاً ـ فقد خفض بنك كوريا توقعات النمو لهذا العام إلى 4.7% بينما توقعت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لكوريا نمواً لا يتجاوز 4.3% ـ علاوة على ارتفاع معدلات التضخم، وخشية بعض المراقبين أن تكون السياسات التي ينتهجها لي موجهة لمصلحة المستثمرين الأجانب وكبار رجال الأعمال. كما يتعين على لي أن يواجه أيضاً عوامل خارجة عن نطاق سيطرته، مثل ارتفاع أسعار النفط إلى عنان السماء وأزمة الائتمان العالمية.

وبعيداً عن الاقتصاد، واجه لي اتهامات بتعيين مسؤولين رسميين مشكوك في أخلاقهم، وبأسلوبه الأخرق في تولي أمور الزعامة (حيث لقبه عامة الشعب بالبلدوزر)، وهو ما انعكس في جهوده الرامية إلى حفر نظام قنوات ري يعبر البلاد بالكامل، وهو المشروع الذي أثار قدراً كبيراً من الجدال، هذا فضلاً عن اقتراح لم يحظ بأي قدر من الشعبية لخصخصة جهاز الرعاية الصحية. كما كان الخط المتشدد الذي يتبعه لي في التعامل مع كوريا الشمالية ـ والمختلف تماماً عن الخط الذي سار عليه الرؤساء الذين سبقوه ـ سبباً في إثارة ردود أفعال شعبية معادية.

لا شك أن تصرفات كوريا الشمالية التي قضّت مضجع المجتمع الدولي أثناء السنوات الأخيرة، كانت سبباً في قدر كبير من السخط الشعبي الذي تحملته الإدارتان السابقتان بسبب سياسة "الشمس المشرقة" التي أكدت على ضرورة التعاون السلمي قبل توحيد الكوريتين في نهاية المطاف. ولكن الآن، وبعد أن دمرت كوريا الشمالية العناصر الرئيسية لبرنامجها النووي، بات من الواضح أن المفاوضات الدولية بدأت في الإثمار، وأن موقف الرئيس لي الأكثر تشدداً لم يعد يحظى إلا بقدر ضئيل من الموافقة، مقارنة بما كان متوقعاً حين تولى منصبه.

كانت التأثيرات المجمعة لهذه التطورات سبباً في تآكل سمعة وشعبية لي إلى حد كبير. والآن، وفوق كل ما سبق، تأتي مشكلة لحوم الأبقار. في شهر إبريل/نيسان، وفي أول رحلة يقوم بها إلى الخارج بعد تنصيبه رئيساً، سافر لي إلى الولايات المتحدة. وفي عشية الزيارة وافقت الحكومة على رفع الحظر الذي دام خمسة أعوام على استيراد لحوم الأبقار من الولايات المتحدة كجزء من الجهود الرامية إلى تحسين الروابط الثنائية بين البلدين بعد العلاقات المتأرجحة أثناء إدارة الرئيس السابق روه مو هيون. ورغم أن غالبية الناس في الغرب هللوا لزيارة لي، إلا أن ردود الأفعال في كوريا كانت سلبية بصورة ملحوظة.

نظر العديد من أهل كوريا إلى قرار رفع الحظر على لحوم الأبقار باعتباره قراراً متسرعاً اتخذ من دون المشورة الوافية لكافة الأطراف المعنية. فضلاً عن ذلك فقد نظر قسم كبير من سكان كوريا الجنوبية إلى الاتفاق باعتباره خيانة من جانب لي أو تملقاً للأميركيين. وبدأت ردود الأفعال الشعبية بمظاهرة نُـظِمَت في سيئول في الثاني من أيار/مايو حيث اجتمع المئات من المراهقين في صلاة مسائية على ضوء الشموع. وسرعان ما انضم عشرات الآلاف من الكوريين إلى الاحتجاجات.

ويبدو أن لي أساء تقدير قوة النصر الانتخابي الذي أحرزه والقوة التي تتمتع بها تيارات الرأي على أكثر من نحو. ونظراً للمشاعر القومية التي حركت المحتجين على مسألة لحوم الأبقار، والقوة التي تتمتع بها تيارات المعارضة، والسخط الشديد إزاء محاولات فتح وخصخصة الاقتصاد الكوري إلى مستوى أبعد من المستوى الحالي، فلسوف يكون لزاماً على لي، الذي يذكر أسلوبه الاستبدادي في الإدارة العديد من الناس بعصر الحكم العسكري، أن يتحسس خطواته القادمة بكل حرص وحذر.

يتعين على لي أن يمد يده إلى المعارضة، سواء داخل حزبه أو خارجه، سعياً إلى بناء الاتفاق أو التفاوض من أجل التوصل إلى تسوية للقضايا محل النزاع والتي تواجهها إدارته. كما يتعين عليه أن يمد يده إلى الشعب الكوري وأن يظهر له أنه راغب في الاستماع إلى مخاوفهم والعمل وفقاً لذلك. وأخيراً، يتعين عليه أن يعمل على تنفيذ الوعود التي بذلها أثناء حملته الانتخابية من أجل بناء كوريا أكثر ازدهاراً وأعظم ثقة.

إن الجانب المشرق في كل هذه الاضطرابات السياسية يتلخص في إظهارها لحيوية ونشاط الديمقراطية في كوريا. وتتلخص مهمة لي الآن في استكشاف الوسيلة الأمثل لاستغلال هذا النوع العنيف من الفعالية السياسية الجديدة. لقد واجه العديد من المصاعب السياسية من قبل، ولكن بعد انخفاض معدلات شعبيته إلى هذا الحد فلا ينبغي لها إلا أن تصعد من جديد.

* مدير برامج التخطيط لدى جمعية آسيا.

خاص بـ "الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت/جمعية آسيا.

التعليق