سمير قنطار حرا طليقا

تم نشره في الخميس 17 تموز / يوليو 2008. 03:00 صباحاً

بعد أشهر من النقاش الحاد الداخلي في إسرائيل، قامت الحكومة الإسرائيلية بالمصادقة على صفقة تبادل الأسرى مع حزب الله بأغلبية 22 مقابل ثلاثة وزراء عارضوا الصفقة. ومع أن هناك شبه إجماع في الحكومة على أن الصفقة ضرورية إلا أن هناك انقساما حادا في الأجهزة الأمنية الإسرائيلية على ذات الموضوع. فقد عارض الشين بيت (يوفال ديسكين) والموساد (مئير داغان) الصفقة في حين أيدتها شعبة الاستخبارات العسكرية (أمان) برئاسة آموس يالدين، وهي الأهم في إسرائيل وأيدها أيضا غابي أشكنازي، رئيس هيئة الأركان للجيش الإسرائيلي. هذا الانقسام الحاد سيكون له تداعيات سياسية كثيرة في المستقبل القريب وبخاصة إذا ما توترت العلاقة بين إسرائيل وحزب الله من جديد. وقد حدث هذا الأمر في السابق عندما عارض نتنياهو الأجهزة الأمنية ولم يأخذ برأيها في الكثير من سياساته مع الفلسطينيين ما أدى الى تقويض سلطته تدريجيا.

دون شك، سيحتفل حزب الله بهذا الانجاز بصرف النظر عن الخسائر التي تكبدها لبنان في سبيل تحرير سمير قنطار. فهناك منطق آخر يحكم الأمور لدى حزب الله يتجاوز ما تعلمناه في مادة الرياضيات المتعلقة بالربح والخسارة. فخسارة البنية التحتية اللبنانية وإعادة الحزب بالقوة المسلحة الى داخل لبنان هي ثمن "بسيط" من أجل تحقيق "النصر الإلهي".

الشعب اللبناني كان منقسما على حرب تموز الأخيرة ويصر بعض الخبراء في الشأن اللبناني على أن انكفاء حزب الله الى الداخل وتوتر الوضع السياسي في لبنان هما نتيجتان مباشرتان لحرب تموز. على الجانب الآخر، يصر البعض أن حزب الله كان محقا وأنه لم يكن بالإمكان تحرير الأسرى من دون تحريك الجبهة وأن إسرائيل كانت تعد لحرب عدوانية ضد حزب الله. ويزيد من قوة هذا المنطق حقيقة أن إسرائيل لا تقوم بتبادل الأسرى إلا للجهة التي بيدها أسرى إسرائيليين. وهنا يبرز حزب الله وحماس المرشحان الأقوى لإجبار إسرائيل على إطلاق الأسرى في حين يخفق السنيورة وعباس وكل قوى الاعتدال على إقناع إسرائيل بالإفراج عن المعتقلين والأسرى.

الجانب الإسرائيلي تحكمه اعتبارات أخرى غير الربح والخسارة. فالوضع الداخلي أصبح عاملا ضاغطا لدفع الحكومة، التي تتحمل وزر خسارة حرب تموز، للتحرك وتحرير الجنديين الاسرائيليين اللذين تبين أنهما فارقا الحياة إما قتلا أو غير ذلك. فعائلتا الجنديين اللذين تم أسرهما في 12 تموز 2006 قامتا بنفس دور حركة الأمهات الأربع، وهي الحركة التي خلقت الزخم المناسب لتنفيذ الانسحاب الإسرائيلي الأحادي من جنوب لبنان في الخامس والعشرين من أيار عام 200.

ثم إن الاستماتة من أجل استعادة الجنديين هي من أجل رفع معنويات الجيش الإسرائيلي. فالجندي الإسرائيلي يريد أن يطمئن أن دولته ستعمل ما بوسعها لاستعادته حيا أم ميتا. وهذا تقليد إسرائيلي معروف ولذلك يتم استبدال جثتين لجنديين بتحرير أربعة أسرى (من ضمنهم سمير قنطار) وإعادة 199 جثة لقتلى لبنانيين. وأعتقد أن في ذلك درسا إسرائيليا مهما لاحترام مشاعر الرأي العام الإسرائيلي والجيش.

باختصار شديد، ربما لا ينظر البعض الى ما حدث في السنتين الأخيرتين في ثنائية الربح والخسارة. فمن ربح ومن خسر؟ وبعيدا عن الشد العاطفي، يمكن الإشارة الى أن الجميع خسروا من جراء عدم إعمال العقل والتهور.

طبعا لا يمكن المساواة بين الجلاد والضحية ولكن البشر أهم من أي ثنائيات تم اختراعها لتجميل الموت والبطش والعذاب والتشريد. والآن بعد تحرير سمير قنطار ورفاقه، هل سينتهي الأمر؟ لا يوجد ما يشير الى أن منطق التحرش سينتهي. فإسرائيل تبعث برسالة واضحة للجميع مفادها أن من يريد أن يحقق مكتسبات أو يستعيد حقوقه عليه أن يبادر ويتحرش بها بشكل مؤذٍ.

hassan.barari@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »القول الفصل (البوريني)

    الخميس 17 تموز / يوليو 2008.
    في الحقيقة ينتابني شعور غريب عند قراءة هذه المقالة وتملكني الاحباط لأن المشهد البارحة كان مؤثراً جداً وشعرت بالفخر والعزة أني مسلم عربي....
    حزب الله انتصر بالحرب وانتصر بالمفاوضات وعملية تبادل الأسرى ويوماً عن يوم الثقة الممنوحة لجهات المقاومة في المنطقة المتمثلة بحزب الله وحماس وغيرها تزيد وشعبيتها تغلب في الشارع العربي والاسلامي....
    فعلاً كان أسرانا الأردنيون يستحقون مهرجاناً مماثلا لأنهم أبطالنا وأبطال العرب والمسلمين لكن....ها هم الآن يقبعون في السجن حتى تفرج عنهم الحكومة الأردنية.....
    الله المستعان على كل شيء
  • »رياضيات! (علاء محمد)

    الخميس 17 تموز / يوليو 2008.
    خسرت روسيا في الحرب العالمية الثانية ثلاثة اضعاف قتلى المانيا لكنها ربحت الحرب و كذلك فيتنام .. اذا كانت نتائج الصراعات تقاس بالرياضيات التي تعكس بالنتيجة قيما مادية فالأمر سهل : لنرسل مقدرين اراضي الى القدس و يقيموا اسعار اراضيها و نبيع بالقيمة السوقية ... و يا دار ما دخلك شر!
  • »عبثية اسرائيل (غادة شماس)

    الخميس 17 تموز / يوليو 2008.
    أوافق على ما انتهى إليه الكاتب "أن من يريد أن يحقق مكتسبات أو يستعيد حقوقه عليه أن يبادر ويتحرش بها بشكل مؤذٍ." أنا شخصياً لدي حساسية كبيرة تجاه أيدلوجية حزب الله، وحساسية أكبر تجاه أن يكون رجل دين على رأس حركة سياسية، ولكنني وجدت نفسي بالأمس متسمراً أمام جهاز التلفزيون أشاهد تفاصيل عملية عودة الأسرى والشهداء، وشعرت بالكرامة، وتسألت لماذا لم تعيد اسرائيل رفات شهداء فتح (مثل دلال المغربي) إلى قيادة فتح عندما اعترفت باسرائيل ووقعت إعلان أوسلو معها؟ أظن أن اسرائيل لا تسمع لنا نحن المعتدلون بل تريد استخدامنا كعلاقات عامة لتمرير مخططاتها. أنا شخصياً لم أعد متحمس لحل الصراع بالطرق السلمية والديبلوماسية رغم أنني من دعاة اللاعنف. لقد أضحى واضحاً لي أن الظلم الصارخ الواقع على الشعب الفلسطيني يصيب أي سياسة عاجزة عن تخفيف هذا الظلم بتهمة التستر على سياسات اسرائيل.
  • »باالفع (محمد رسلان)

    الخميس 17 تموز / يوليو 2008.
    بالفعل أصبت عين الحقيقة. لا يمكن تبرير الثمن المرتفع الذي دفعه شعب لبنان من اجل تحرير اسير ومن اجل خدمة ايران. ثم أن اسرائيل تعطي انتصارات فقط للقوى المتشدده وهذا يدل على عدك رغبتها في السلام ولا في التعاطي الجد مع المعتدلين العرب