د.باسم الطويسي

صناعة الأخبار أم صناعة السياسة

تم نشره في الأربعاء 9 تموز / يوليو 2008. 02:00 صباحاً

جامعة فلوردا

يثير حجم التضليل الذي تمارسه أدوات الدعاية السياسية المعاصرة الشك حول كل ما تعلمناها من قيم ومعايير ومنظومات أخلاقية حتى في إطارها الرمزي، ذلك التضليل المتمثل في الفجوة الكبيرة بين قناعات الرأي العام والجماهير في العالم، وبين الحقيقة حول جذور ما يحدث في الشرق الأوسط وفي الأساس جذر الاحتلال في كل من فلسطين والعراق؛ تعلمنا التجربة كيف تسترخي السياسة ليدار العالم بأدوات الدعاية، وكيف يمارس الموت والقتل الجماعي لان الدعاية السياسية تقتضي تدوير الأحداث أو خلقها.

ساد الاعتقاد في فترات مبكرة من القرن العشرين بأن لوسائل الإعلام الدور الحاسم في التأثير بالجماهير وصانعي السياسات، إذ تزامن ظهور أنظمة شمولية في أوروبا تعتمد الدعايـة الأحادية مع ظهور نظرية الحقنة الإعلامية، ولم وتستمر تلك النظرية طويلاً، فبعد الحرب العالمية الثانية سيطر اتجاه علمي يؤكد ان وسائل الإعلام تقوم بوظيفتها من خلال عوامل ومؤثرات وسيطة عديدة ومتشابكة وفي معظم الحالات تعمل على تعزيز الظروف القائمة ولا تخلق ظروفا جديدة بمعنى محدودية تأثير وسائل الإعلام في السياسة، فيما بعد الستينيات والسبعينيات وبعد تطور دور شبكات التلفزة عادت مقولـة التأثير القوي لوسائل الإعلام في السياسية الخارجية تحديداً، وتعمق هذا الأمر بعد ازدياد الاهتمام ببحوث نظرية (وضع الاجندة) مع بداية الثمانينيات من القرن الماضي والتي تدور حول دور وسائل الاتصال في وضع وترتيب أولويات صانعي السياسية والجمهور.

كان الجدل الدائر هل تصنع وسائل الإعلام جدول أولويات السياسية وتحديداً (الخارجية) أم ان السياسية هي التي تصنع جدول أعمال وسائل الإعلام، ولقد حسم هذا الجدل علمياً بأن وسائل الإعلام لا تصنع جدول أعمال السياسية ،إلا ان هذه الوسائل ليست مجرد ناقل سلبي للمعلومات. فالأحداث والخبرات خلال العقدين الماضيين أثبتت ان هذه الوسائل وفي الأنظمة الديمقراطية العتيدة كثيراً ما تكون أداة من أدوات السياسية الخارجية وأداة صريحة لبلورة جدول تلك السياسية وتسويغه أمام الجمهور المستهـدف، أما مقولـة ان الأحـداث هي التـي تصنع جدول أعمال الأخبار، ستبقى مجرد مقولـة نظرية، مادام هناك من يتلاعب في خيوط الأحداث وحروف الأخبار معاً.

لقد أكدت دراسات وبحوث البرنامج العلمي لمعهد السياسية الخارجية في جامعة (جونز هوبكنز) الأميركية والذي استمر ثلاث سنوات ، وقدم ثلاثين دراسة حول علاقة وسائل الإعلام بالسياسية الخارجية الأميركية، بأن الإدارة الفدرالية والإدارات الحكومية، تسيطر على جدول أعمال الأخبار فهي تقرر متى يصبح شيء ما خبرا ومتى يتم تصعيده إلـى الصفحات الأولـى وإلـى العناوين الرئيسية وإلى مقدمات نشرات الأخبار، والى متى تبقى القصة دائرة في فلك الإخبار ومتى يجب ان تتوقف أو تقتل وكيف تصنع الأخبار من اجل تحريك الأحداث أو افتعالها. وكيف تتم عمليات إعادة تصنيف الأخبار وتقييمها واستخدام تكنيكات الإثارة والتكرار والغموض في القصص الإخبارية المرتبطة بجدول اولويات الإدارة.

إن الصحافة الأميركية ومحطات التلفزة العملاقة التي تشاهد في كافة أنحاء العالم بقدراتها التكنولوجية، بمراسليها الذين عادة ما يستشهد بأخبارهم وكفاءاتهم تشكل نظام اتصال جماهيري كاملا ومستقلا ورمزا للحضارة المعاصرة في لحظتها الأميركية. في الجانب الأخر ثمة نظام اختراق كامل لهذا النظام الاتصالي، إحدى صور استثماره المباشر في السياسة الخارجية، وبالعودة إلى موضوع الابتزاز السياسي الدولي، فثمة سيناريو يطبخ في الغرف الخلفيـة في هذا الوقت على شكل قصص إخبارية متعددة سوف تلتقي لتشكل هجمـة ابتزازيـة جديدة.

وبالعودة لأجندة الأخبار مقابل أجندة الأحداث الممتدة من غزة الى بغداد، نجد ان ثمة حاجة علمية لإعادة مراجعة ما تعلمناه وما نُعلمه لطلابنا من نظريات وتجارب حول السياسة والإعلام والدعاية.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الخداع السياسي فن (ابو رائد الصيراوي)

    الأربعاء 9 تموز / يوليو 2008.
    اجدني متفق مع طرحك هذا ياسيد باسم فان الدعاية الاعلامية السياسية اصبحت فن ومدرسة بحد ذاتهاومثالا على هذا ما خرجت به الدعاية السياسية مؤخرا حول رفض القيادة العراقية التوقيع على معاهدة امنية مع اميركا بدون ان يكون هناك جدول زمني محدد لخروج القوات الاميركية من العراق فان من يقرأ هذا الخبر يخيل له بان القيادة العراقية حريصة جدا على خروج القوات الاميركية من العراق باقرب فرصة والواقع يقول بان نفس هذة القيادة تصر ومن مصلحتهابقاء القوات الاميركيه بالعراق فهي الكفيلة اي القوات الاميركية بتثبيت بقائها على راس الحكم بالعراق وربما لو خرجت القوات الاميركية من العراق فان الشعب العراقي سوف يتخلى ويتخلص من هذة القيادات التي اتت مع المحتل ومن الواضح ايضا بان امريكا تبحث عن مخرج من ورطتها بالعراق ومن اولوياتها سحب قواتها من العراق فلجاو الى هذة الدعاية السياسية لايهام العراقيين بان قيادتهم الحالية حريصة على اخراج المحتل من العراق رغما عن تحفظ امريكا عن وضع جدول لخروج قواتها من العراق وهو ما تصبوا الية الحكومة الاميركية بالفعل وبهذا سوف نرى السناريو التالي اميركا مصرة على عدم وضع جدول لانسحابها والحكومة العراقية مصرة على وضع هذا الجدول وفي النهاية سوف ترضخ الادارة الاميركية لطلب القيادة العراقية وبهذا تكتسب الحكومة العراقية الشرعية الشعبيه كونها اجبرت المحتل لسحب قواته من العراق.