سعد الدين إبراهيم.. مرة أخرى!

تم نشره في الأربعاء 9 تموز / يوليو 2008. 03:00 صباحاً

عاد اسم عالم الاجتماع والناشط المصري د. سعد الدين إبراهيم إلى التداول مرة أخرى، ومن بوابة الاتهامات المعروفة التي سبق أن وجهت اليه قبل بضع سنوات. وجاء في خبر وزعته وكالة الأنباء الفرنسية قبل أيام، أن النيابة العامة المصرية تحقق في اتهامات "بالتخابر" مع الولايات المتحدة وجهت إليه من قبل شخصين، أحدهما عضو في الحزب الوطني الحاكم، وهو في الوقت نفسه عضو مجلس الشورى، أما الثاني فهو رئيس حزب صغير، يدعى الحزب الجمهوري الحر. والدعوى التي أقامها المواطنان تتهم د. سعد الدين إبراهيم بالتخابر مع دولة أجنبية ونقل أسرار ومعلومات خاطئة تلحق أضراراً بالمصالح الاقتصادية لمصر.

لكن اسم سعد الدين إبراهيم عاد للتداول هذه الأيام من بوابة أخرى، فقد منحت مؤسسة تابعة لصحيفة دانماركية هي "Politiken" أي "السياسي"، جائزتها السنوية للحريات لعام 2008 إلى الناشط المصري المذكور، وقيمتها مائة ألف كرون دانماركي أو ما يعادل عشرين ألف دولار أميركي، لدوره القيادي في ترويج حقوق الإنسان والديمقراطية والدفاع عنها. وسوف تسلم له الجائزة في احتفال رسمي يقام في كوبنهاجن في أيلول أو تشرين الأول القادم.

وكان سعد الدين إبراهيم قد غادر مصر قبل عامين ونيف، بعد أن قام بجولة مع طلابه في الجامعة الأميركية بالقاهرة، شملت لبنان والأردن والأراضي الفلسطينية المحتلة، لكنه تلقى "نصيحة" بألا يعود إلى القاهرة لبعض الوقت. وقد توزعت اقامته منذ ذلك الحين بين قطر التي تبنت مشروعاً له لتأسيس مؤسسة عربية لدعم الديمقراطية، وبين الولايات المتحدة وأوروبا. ومع أن مركزه (مركز ابن خلدون) ما يزال يعمل في القاهرة، إلا أن حضور سعد الدين إبراهيم في الحياة المصرية يقتصر على مقالته الأسبوعية في صحيفة "المصري اليوم" المعارضة.

ويشكو سعد الدين إبراهيم من انه ما يزال يتعرض لمضايقات ومطاردات كلامية من السفارات المصرية التي يتهمها بإرسال مندوبيها إلى المنتديات التي يشارك فيها لمهاجمته ودحض آرائه الخاصة بالأوضاع السياسية وحالة الديمقراطية في مصر. وقال مؤخراً لصحيفة "المصري اليوم" انه تقدم بطلب خطي للعودة إلى مصر، مشترطاً الحصول على ضمانات تحميه من الاعتقال، وبأن تتعهد رئاسة الجمهورية والحكومة أنهما ليستا طرفاً في الدعاوى المقامة ضده أمام المحاكم المصرية.

قد تبدو قصة سعد الدين إبراهيم وكأنها إعادة مملة لأحداث مماثلة وقعت معه في مطلع العقد الحالي، حين اعتقل على أثر اتهامه بتهم "التزوير" و"الاختلاس" والتعامل مع حكومات أجنبية، إلى أن برأته المحكمة من هذه التهم وأطلق سراحه. ولقد روى سعد الدين قصة اعتقاله في ندوة حاشدة عقدت في عمان قبل عامين. لكن إثارة هذا الموضوع هنا ليس سوى دعوة للتأمل في الحال التي انتهت إليها العلاقة بين المثقف والسلطة في عالمنا العربي. ولعل قصة سعد الدين ابراهيم تكون موضوعاًً "لدراسة حالة" تصف وضعية هذه العلاقة في الواقع العربي الراهن وليس فقط في الحالة المصرية.

والمسألة هنا ليست مسألة تضامن مع أكاديمي مرموق وناشط مهم من مصر، وإنما هي فوق ذلك وربما قبله، مسألة ضرورة وضع حد لهذا الاستنزاف العبثي للطاقات الانسانية، الناجم عن استمرار الاستعصاء الراهن للعملية الديمقراطية في العالم العربي، والذي يقود إلى رحيل عالم اجتماع وناشط كبير مثل سعد الدين ابراهيم عن مصر، وقبل ذلك إلى سجنه لأكثر من عام، بسبب "شخصنة" نزاع السلطة معه، بعد إثارته لقضية توريث الرئاسة في مصر. الأفدح من ذلك هو عدم التوصل حتى الآن إلى وضع حد لهذا الصراع الذي خرج عن اطاره وحجمه الطبيعي، فقضية خلاف في الرأي لا تستدعي ذلك القدر من الصداع والاحتدام في وسائل الصراع.

لا أنطلق هنا من موقع الاتفاق مع د. سعد الدين إبراهيم في آرائه السياسية، ولا في طريقة إدارته لخلافه مع الحكومة والرئاسة المصرية، ففي الواقع اني أحمله جانباً من المسؤولية عن عزلته أو قطيعته مع تيارات وشخصيات واسعة في مصر وقفت إلى جانبه في محنته. لكني لا أخفي تعاطفي الشخصي والإنساني مع معاناة سعد الدين إبراهيم الذي تعرض لحملة لا توصف، ولا أعرف نظيراً لها في العالم العربي، انطوت على اغتيال منهجي لسمعته ومكانته وشخصه. وهو اغتيال جعل التضامن معه عبئاً ثقيلاً على أصدقائه وعلى المؤسسات التي وقفت معه في محنته قبل سنوات.

والسؤال هو: ماذا فعلت عملية الاعتقال واغتيال الشخصية بسعد الدين إبراهيم، وهل هو بعد ذلك ذات الشخص قبلها. وأين الحدود بين "السياسي" و"الشخصي" في صراع سعد الدين إبراهيم ورأس النظام المصري. وكيف ترك ذلك أثره البليغ على مواقفه وتحالفاته، ومنها انفتاحه على الحركة الإسلامية والإخوان المسلمين وحماس وحزب الله، ومحاولته اقناع الولايات المتحدة بالانفتاح على جماعة الاخوان المسلمين في مصر؟! وفي المقابل لماذا هذا العناد الحكومي المصري في ملاحقة سعد الدين إبراهيم أمام المحاكم وفي مواصلة عملية الاغتيال السياسي ضده؟!

يقال ان التاريخ يعيد نفسه، مرة على شكل مأساة ومرة أخرى على شكل مهزلة. وملاحقة سعد الدين ابراهيم، بتهمة التخابر مع دولة أجنبية هي الولايات المتحدة، وهو خارج وطنه أكثر من مجرد مهزلة.

hani.hourani@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »سعد الدين نموذج مضيء (ليلى سند)

    الأربعاء 9 تموز / يوليو 2008.
    أشكر الكاتب على اثارته موضوع الناشط الحقوقي المصري سعد الدين إبراهيم، فمن الضروري أن نطل دائماً على هؤلاء الذين يقدمون نموذجاً عمليا ومضيئاً ً لكيفية صناعة الحرية في منطقتنا. فالدكتور سعد الدين إبراهيم قدم أربعة نماذج مهمة في العالم العربي: نموذج الباحث الأكاديمي الجدي والناقد، ونموذج الناشط المنسجم مع مبادئه ومستعد للتضحية، ونموذج المؤسسة غير الحكومية المستقلة والفاعلة، ونموذج الحوار المفتوح مع الآخر. ما لا يعرفه الكثيرون أن الدكتور سعد دين ابراهيم أصيب بشلل نصفي أثناء وجوده في السجن. وأيضاً عاش هنا في عمان وأحبها، فقد كان الأمين العام لمنتدى الفكر العربي ومقره عمان.