ايران: الخيار العسكري مرة أخرى

تم نشره في الأربعاء 2 تموز / يوليو 2008. 03:00 صباحاً

قبل عام من الان نشر مركز الدراسات الاستراتيجية دراسة تحت عنوان" الملف النووي الإيراني.. هل بدأ العد التنازلي للمواجهة العسكرية؟". الدراسة خلصت إلى نتيجة مفادها أن غياب استعداد أطراف الصراع لتقديم تنازلات وعدم القدرة على إيجاد الحل الثالث الذي ينتقل من دائرة الأبيض والأسود، يعني بداية العد التنازلي لمواجهة ستطال آثارها الإقليم والعالم معا! الآن وبعد مرور عام كيف تبدو الصورة؟

لا شك أن الأصوات تتعالى حول قرب حدوث تطور مهم في سياق تطورات الملف النووي الإيراني، هذا التطور يتحدث عن الحلول المتزامنة، بعبارة أخرى الحديث عن تشديد العقوبات الاقتصادية بحيث تتحول إلى عقوبات مؤلمة، ونفس الوقت التلويح بالخيار العسكري. إن من المهم في هذا السياق التذكير انه لمسيرة فرض العقوبات سياق زمني. بمعنى يجب ألا يتصور أن تستمر الدول الغربية تتحدث عن عقوبات في الوقت الذي تستمر فيه إيران في التخصيب وزيادة عدد أجهزة الطرد واستخدام جيل جديد من هذا الأجهزة. من هنا يجب الربط بين الحديث عن جميع الخيارات بما في ذلك الخيار العسكري.

السؤال الذي يبدو من المهم التوقف عنده هو: من هي الإطراف التي تتحدث عن الخيار العسكري؟ الولايات المتحدة الأميركية تبدو على رأس القائمة، فالتصريحات المتكررة عن أقطاب إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش تتحدث عن استخدام الخيار العسكري لمواجهة الإصرار الإيراني على امتلاك قدرات نووية ومنه بالطبع الاستعمالات العسكرية. الرئيس الأميركي يتحدث عن القلق من تطوير إيران "لقدراتها النووية"، باعتبار انه ما من تأكيد حول وجود برنامج نووي عسكري لا سيما بعد تقرير مجلس الاستخبارات الأميركية في كانون الأول 2007 والذي تحدث عن أن إيران جمدت نشاطات نووية ذات صبغة عسكرية منذ عام 2003.

الإدارة الأميركية، وكما أشارت تقارير، تحاول العمل على مواجهة البرنامج النووي الإيراني وإتباع سياسات تضعف النظام السياسي الإيراني وذلك من خلال  تخصيص موازنة 400 مليون دولار، وكانت واشنطن قد خصصت موازنة سابقة لمساعدة الديمقراطية في إيران. واشنطن كانت –وبحسب تقارير- قد بدأت في عمليات جمع معلومات حول إيران منذ صيف 2003، وقد كانت موازنة تلك العمليات مغطاة من موازنة الحرب على العراق، وهو الأمر الذي يجب أن يفهم منه أن الموازنة المخصصة لمواجهة إيران هي أكثر من الأرقام التي يتم تسريبها.

لا يبدو أن الأمر مرتبط بالإدارة الحالية فقط ، فهذا هو المرشح الجمهوري جون ماكين يكرر-في كلمته في المؤتمر السنوي للايباك- الحديث عن الخيار العسكري لمواجهة الخطر الذي تمثله إيران من خلال تطوير برنامجها النووي، وفي نفس السياق كرر المرشح الديمقراطي باراك اوباما استخدام عبارة "أي قدرة يمتلكها" لمواجهة إيران، وهو أمر لا يفهم منه إلا أن الخيار العسكري هو احد هذه القدرات.

إسرائيل تبدو في المرتبة الثانية في الحديث عن الخيار العسكري، فالتصريحات التي جاءت على لسان رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود اولمرت في مؤتمر الايباك  حول ضرورة أن يرسل المجتمع الدولي لإيران رسالة واضحة مفادها أن إيران ستواجه تبعات مدمرة إن هي أصرت على المضي في تطوير برنامجها النووي، وغير بعيد عن ذلك كانت تصريحات وزيرة الخارجية تسيبى ليفني ووزير الحرب الإسرائيلي السابق شاؤل موفاز ورئيس لجنة الأمن والسياسة الخارجية في الكنيست الإسرائيلي والتي كلها تركز على الخيار العسكري كخيار يبدو أن لا بديل عنه.

بالنسبة إلى إسرائيل فإنه من الكافي وجود حد أدنى من القناعة بوجود تهديد إيران لمهاجمتها. ومن الواضح  أن احد العوامل وراء التقارير التي تحدثت عن مناورات إسرائيلية تمهيدا لضرب إيران كان هذا القناعة التي نقلت إلى وزارة الدفاع الأميركية بعد تقرير مجلس الاستخبارات الأميركية، حينها كان التركيز على ضمان بقاء المزاج في واشنطن في وضع الاستنفار، لا سيما من القلق الإسرائيلي من تأثير التقرير على الإدارة في واشنطن، ربما ما يزيد من صحة هذا الاعتقاد هو أن التسريبات التي صدرت حول هذه المناورات جاءت من وزارة الدفاع الأميركية.

في سباق مرتبط فإنّ هناك تقارير تتحدث عن تبادل معلومات خلال زيارة اولمرت الأخيرة لواشنطن، وكذلك زيارة مدير وكالة الاستخبارات الأميركية إلى إسرائيل. تبادل المعلومات هذا في حالة حدوثه ربما يكون في اتجاه بلورة نتائج وقرارات في ظل المعلومات التي وفرتها أجهزة الاستخبارات  وكذلك الأقمار الاصطناعية ولا سيما القمر الإسرائيلي أفق7 الذي أطلق- حسب تقارير غربية- بهدف جمع معلومات حول إيران وسورية. الأمر الآخر هو محاولة بلورة تصور حول إمكانية الرد الإيرانية وتقييم تبعاتها الإقليمية والدولية.

أوروبيا تبدو فرنسا من الدول التي لوحت باستخدام الخيار العسكري، فوزير الخارجية الفرنسي  كوشنير كان قد صرح أواخر العام الماضي بعدم استبعاد الخيار العسكري إذا ما أصرت إيران على تحدي رغبة "المجتمع الدولي".

الرئيس الفرنسي، نيكولا ساركوزي، لم يتردد في التأكيد على أن فرنسا ستكون إلى "جانب إسرائيل إذا ما تعرضت للتهديد "، الأمر الذي فهم منه انه رسالة إلى إيران، يشار هنا إلى أن السياسة الخارجية الفرنسية بعد مجيء ساركوزي أصبحت أكثر قربا إلى النهج الأميركي لا سيما في القضايا المتعلقة بالشرق الأوسط كإيران ولبنان والموقف من حماس.

الموقف الفرنسي لا يبدو أنه موضع تأييد من قبل ألمانيا التي عبر وزير خارجيتها انه قلق من  الحديث عن الخيار العسكري، معتبرا ان العام 2008 سيشهد مواجهة عسكرية مؤكدا أن الإدارة الأميركية وإسرائيل لا تريان أن هناك آفاقا للحل الدبلوماسي لحل ملف إيران النووي.

القلق الألماني هذا- والذي تشاركه فيه روسيا والصين واليابان- يبدو انه سرى وأصبح جديا بالنسبة للمؤسسة العسكرية الإيرانية التي كانت طوال أكثر من عام تتجنب الحديث فيه ومناقشته على المستوى الداخلي الإيراني، باعتبار أن هذه التهديدات نوع من أنواع الحرب النفسية هدفها النيل من معنويات الإيرانيين.

تصريحات قائد الحرس الثوري الإيراني محمد على جعفري  لصحيفة محلية إيرانية وقريبة من التيار المحافظ كانت تحمل مدلولات هامة، فهي خروج على ما كان محظورا خلال العام الماضي، وهي أيضا ربما تعني أن تقييمات المؤسسة العسكرية لتهديدات العام الماضي مختلفة عما يجري الان. أمر آخر ربما يكون مرتبطا بجعل الرأي العام أكثر وعيا بدلا من تغييبه عن دائرة الحدث في أزمة لطالما اعتبرها  غالبية الإيرانيين مسألة كرامة وغرور قومي.

يبدو أن صيف المنطقة الحار سيكون أكثر حرارة فيما يتعلق بتطورات الملف النووي الإيراني، ما هو ثابت هو سيطرة حالة التوتر على مسيرة هذا الملف. الانطباع الذي يبدو سائدا أن إيران سترفض حزمة الحوافز الأوروبية لأن الحزمة تشترط وقف التخصيب قبل التفاوض.

في إيران؛ ربما ما سيكون أكثر قابلية للنقاش هو الحديث عن تجميد مؤقت يرافقه رفع للعقوبات مؤقت. موقف يبدو انه غير مقبول أوروبيا وأميركيا، وهو أمر يدفع في اتجاه تصعيد، يدفع بدوره إلى تعزيز الحديث عن الخيار العسكري، ولكن هذه المرة بجدية ورغبة في الحسم أكبر.

mahjoob.zweiri@alghad.jo

التعليق