توقيع العرائض

تم نشره في الاثنين 30 حزيران / يونيو 2008. 02:00 صباحاً

مهما كانت جودة الاسباب التي حفزت تنامي ظاهرة توقيع العرائض في الاسابيع الاخيرة، فالظاهرة تبقى- شئنا ام ابينا- انعكاسا لحالة من عدم الارتياح السياسي من قبل شخصيات ومفاصل هامة في الدولة. ونعتقد ان كثيرين كانوا بانتظار من يبدأ بالحديث عن الشؤون التي انطوت عليها هذه العرائض، ليقولوا هم كذلك ما في جعبتهم، ولكن احدا لم يرد ان يكون البادئ حتى لا يتحمل التكلفة السياسية التي قد تترتب على ذلك.

واذ كنا نختلف مع ما انتهت اليه هذه العرائض على مستوى السياسات العامة الاقتصادية والسياسية في البلد، فما زلنا نقرأها كمؤشر وانطباع متنام ويغلب على الجزء الاكبر من الرأي العام، الذي سبق وان عبرنا عن قناعتنا ان لا شيء يستفزه اكثر من قضايا الفساد والمحسوبية وانتشارها في مستويات صناعة القرار.

ونختلف مع من ذهب للاستنتاج ان موقعي العرائض ساعون للمناصب او طالبون للمال والقرب من صناعة القرار، رغم اتفاقنا ان الانتقادات التي انطوت عليها العرائض لم تطرح بدائل، وبالتالي فقد اعطت الانطباع انها ليست بناءة.

خطورة هذه الظاهرة انها تؤشر على عدم وجود تواصل بالدرجة الكافية مع الشرائح الموقعة على العرائض، رغم انه قد سبق لهذا الامر، وان حدث وتم التعامل معه بالماضي القريب، بعد ان تفشت قصص عن الفساد بالبلد من دون وجود ما يثبت أو ينفي هذه القصص. تمت حينها زيادة وتيرة التواصل مع مكونات المجتمع الاردني من خلال بعض القرارات التي ابعدت بعض رجال الاعمال سيئي الصيت وجردتهم من المشاريع التي لزمت لهم، ومن خلال لقاءات جمعت جلالة الملك شخصيا بالعديد من قادة المجتمع الاردني المختلفة والتي استطاعت ان تفرّغ الاحتقانات واعطت مستوى مقدرا من الارتياح السياسي.

ازمة الثقة وتوقيع العرائض الحالية يمكن احتواؤها باتباع نفس الخطوات السابقة، بخاصة ان من ابعدوا من الفاسدين واخرجوا من الباب قبل عامين، عادوا للدخول من الشباك، ورجعنا مرة اخرى للاستماع إلى أحاديث عن سياسة تيسير الاعمال واعطاء الاستثناءات. على ان اعتماد خطوات كالتي نجحت بالسابق لن يكون الا مسكنا للألم هذه المرة، وليس مضادا حيويا للمرض، العلاج يكون باتخاذ اجراءات ملموسة ومشاهدة على شاشات التلفاز والصحف تؤكد على مبدأ الشفافية والوضوح ومكافحة الفساد بصورة قاطعة.

والمشكلة، بتقديري، تفاقمت لان اشاعات الفساد تنتشر بسرعة الضوء بين ثنايا المجتمع الاردني، مستفزة بذلك مشاعر الشعب الاردني الذي يعاني الأمرّين اقتصاديا. المشكلة الاخرى ان صناعة السياسات الاقتصادية بالتحديد لا تجد من ينظّر لها، وهذا فن وعلم قائم بذاته، لا تبدو دوائر صناعة القرار الحالية ملمة به، رغم جودة العديد من قراراتها الاقتصادية.

المقاربة مع نهاية عقد الثمانينيات قد تكون مفيدة في هذا المقام، فقد تحول المجتمع الاردني وممثليه من رافضين للاستثمار معتبرين اياه شكلا من اشكال الاستعمار والتبعية، ليصبح مجتمعا داعما للاستثمار ومجرّما لمن يعيق جلب الاستثمارات.

نريد من يتحدث عن افق الاصلاح الاقتصادي الاردني، ويقول للرأي العام لماذا نخصخص؟ ولماذا لا نرفع الضرائب على الشركات؟ ولماذا نعطي اعفاءات للمستثمرين؟ ولماذا نشتري الدين؟ ولماذا نؤجر الاراضي؟ وغيرها من السياسات الاقتصادية التي اصبحت "مذمومة"، بسبب ما يثار حولها اليوم من أقاويل ودعاوى من دون وجود رواية رسمية متماسكة ترد ذلك. 

 لا بد من تعرية الفساد والفاسدين وسجنهم، وأخذ كسبهم غير المشروع منهم، واقل من ذلك لن يرضي الرأي العام الاردني. الانطباع الآن ان الدولة "تتعايش" مع الفساد، لكنها لا تشجعه او تحاربه، على اعتبار أنّ سياسات محاربته لم تصل بعد إلى درجة مطمئنة للرأي العام. وهذا خطر لأنه يزيد من حالة عدم الثقة بالدولة ويقوض من هيبتها ويزيد عدد المستقوين عليها.

mohamed.momani@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »حق مخاطبة السلطات العامة، حق أصيل سابق للديمقراطية (وسام العقرباوي)

    الاثنين 30 حزيران / يونيو 2008.
    حق مخاطبة السلطات العامة، حق أصيل سابق للديمقراطية

    يعود حق مخاطبة السلطات العامة للتظلم من حيف أو تجاوز على العدالة إلى عام 246 قبل الميلاد، حيث وجدت عريضة تعود إلى عهد الملك بطلمي الثالث مقدمة آلية من مواطن يدعى أطالوس، يتظلم فيها من قاضي القضاة، إذا صحت المقارنة، وأسمه بطلموس، حيث لم يقم القاضي بمساعدة المتظلم على استرداد نقوده من مواطنهة أسمها ابلونيا.

    لكن العرائض بمفهومها الراهن ذي المعنى السياسي قد أرسى بعد صدور العهد الأعظم عامة 1215 في انجلترا.

    معنى العريضة:

    يقصد بالعريضة، الرسالة المفتوحة إلى جهة عامة أو سلطة معروفة للعامة، يقصد بها التصريح، كما هو سائد في القرون الوسطى، أو التظلم من إجراء اتخذته سلطة عامة واضرت به افراد من عموم الناس، ويراد لهذا الظلم أن يرقع عنهم بواسطة سلطة عامة أخرى.

    ويعود أول تاريخ للعرائض الموجهة إلى الحكام بوصفهم سلطات عامة يناط بهم إخفاق الحق ورد التجاوز. وقد تضمن العهد الأعظم الصادر في عام 1215 في انجلترا ذات الحكم الملكي المطلق آنذاك، تضميناً على تعهد الملك جون الذي حكم بين عام 1199 ميلادية حتى 1216 ميلادية بالنظر في العرائض التي تقدم آلية للتظلم من قبل الرعية وواجب مجلس البارونات في النظر في التظلمات حتى في حال غيابه خارج المملكة.

    تتمة حق مطالبة السلطات

    وقد تم إقرار هذا الحق علانية في عهد الملك هنري الرابع في عام 1407 والذي اقر بحق الأفراد في مخاطبة الملك للتظلم من الجهات الرسمية. وجاء لإعلان الانجليزي للحقوق الصادر في عام 1689 لينص صراحة على حق مخاطبة الملك للتعبير عن الشعور بالظلم، وحظر معاقبة من يقدم لعرائض إلى الملك بهدف التظلم، لأن معاقبة من يقدم لعرائض إلى الملك بهدف التظلم، لأن معاقبة المتظلم تعتبر إضافة ظلم آخر على ظلم واقع.

    وفي عام 1774 ميلادية (صدر أول كونفرس في المستعمرات الانجليزية في أمريكا الشمالية نصاً يشرع فيه حق مخاطبة الملك الانجليزي الذي لم يستجب للعديد من المطالبات السابقة حول الضرائب المفروضة على أهالي المستعمرات الانجليزية في أمريكا الشمالية.

    وعندما صدر الدستور الاتحادي الأمريكي لم يتضمن نصاً يحمي حق مخاطبة السلطات العامة للتظلم من إجراء أو سياسة، حيث صدر ذلك الدستور عام 1776 ميلادية. وفي عام 1791، أي بعد صدق الدستور الاتحادي الأمريكي بحوالي خمسة عشر عاماً، تم إقرار التعديل الأول على الدستور الاتحادي الأمريكي والذي نص على "عدم جواز إصدار قانون يحد من حرية التجمع والتعبير وحرية الصحافة وحق توقيع العرائض".

    أهمية العرائض:

    حيث يقوم أي حكم على العدل، وذلك أن العدل أساس الملك، كما هو سائد في الثقافة الإسلامية العريقة، فإن ملوك الغرب قبل نشوء الملكيات الدستورية اعتقدوا بأن من مصلحة الملك أن يتلمس مواضع تظلم رعيته ومعالجتها قبل استفحال الأمور وفوات الأوان على المعالجة. لذلك فقد رحبوا باستلام العرائض وإن لم يلتزموا بالاستجابة إليها، فقبول حق المواطن في التظلم هو جزء من رفع الحيف وإن لم يتحقق رفع الظلم كلياً.

    وقد ميز الحكام في العصور الوسطى الأوروبية بين حق مخاطبة الملك لرفع الظلم وحق ممارسة اختيار الوكلاء السياسيين.

    فقد منح حق الاختيار للنبلاء والملاك العقاريين وأبقى حق مخاطبة الملك لغير أولئك جميعاً. كذلك فقد تطور حق الاختيار ومنح حق الانتخاب المحدود بفئات معينة من السكان واستبعدت النساء من قبل حق الانتخاب، لكن لم يبخس حق توقيع العرائض ومخاطبة الملك.

    وفي عام 1642 صدرت عريضة نسائية للتظلم ضد ما عرف آنذاك بالإجراءات المضادة للمذهب الكاثوليكي، حيث كانت انجلترا تدين بالمذهب البرتوتستاني.

    تطور أغراض العرائض:

    بدأت العرائض أساساً للمطالبة برفع الظلم الواقع على فرد أو أفراد وللتضرع طلبات للرحمة والأنصاف. لكن هذا الوضع تطور لتصبح العرائض مصدراً لبدء عملية تشريعية أو إيقاف العمل بتشريع غير منصف.

    وقد استخدمت العرائض كوسيلة لإصدار التشريعات في انجلترا وألمانيا وروسيا واليابان. وقد ساد ذلك قبل نشوء الديمقراطية ووجود البرلمانات، حيث كانت السلطات الملكية المطلقة تصدر التشريعات دون العودة إلى الشعوب أو ممثليها.

    أثر العرائض في إقرار حقوق عامة:

    أدى إقرار توقيع وإرسال العرائض إلى نشوء حقوق سياسية عامة أخرى، مثل حق التجمع وحق التعبير وحق التظاهر سلمياً. فمن أجل مناقشة موضوع العريضة وصياغتها والتوقيع عليها، في ظل عدم وجود قاعات عامة وغياب الأحزاب والمنظمات السياسية، فقد كانت المجموعات الراغبة في التظلم تجتمع في الساحات العامة للمناقشة وصياغة مضمون العريضة وبذلك نشأ معها حق التجمع.

    من جانب آخر فإن صياغة العريضة كان يتطلب تقديمها إلى ممثلي الملك مما يتطلب أن تقدم من قبل جهة ما فنشأ مع العريضة حق تقديمها بأسم المجموع.

    كذلك فقد ترافق مع ذلك حق التظاهر السلمي إذ تطلب تسليم العرائض السير إلى مكان تسليمها للملك وترافق مع تحرك ممثلي الموقعين من يودون معرفة ما سيحدث أو للتعبير عن التضامن. فتقرر ضمناً حق التظاهر السلمي.

    من جانب آخر أدى إقرار حق لتظلم بتقديم عريضة للملك إلى تطور مفهوم حق التعبير والرأي العام، ذلك أن انتشار مضمون العريضة حيث أنها نصائح وتناقش علانية، إلى تجدد الأراء بين مؤيد ومعارض فنشأ حق التعبير وترافق مع ذلك وبالأخص بتطور مفهوم طباعة العرائض وتوزيعها إلى نشوء وعي عام بالحقوق المطالب بها والمظالم لوقع على العريضة ضدها، فنشأ رأي عام حول مضمون العريضة وبدء عدالة المطالب وما يتوجب على الملك فعله لتحقيق العدالة من سواها.

    ويلاحظ إن كل هذه الحقوق قد نشأت خلال حقب سيادة الملكيات المطلقة وبدايات تشكل لنزعة نحو الديمقراطية وليست خلال الحقب التي تطورت فيها الملكيات الدستورية حيث يملك الملك ولا يحكم.
  • »تفاوض وابتزاز (ساندرا خضر)

    الاثنين 30 حزيران / يونيو 2008.
    يا سيدي. أظن أن المشكلة هي أن الاصلاح الاقتصادي الذي بدأ منذ أكثر من عقدين كان ومازال يعني بالضرورة تغيير في موازين القوى في البلاد ومنطق الحراك السياسي، ولذلك فإن الرافضين لهذا التغيير التلقائي والطبيعي هم من ينشرون الاشاعات حول الفساد ويثيرون زوبعة حول كل شيء. ثم يكتبون العرائض كوسيلة للتفاوض لاعادة الاعتبار لامتيازاتهم السابقة مقابل تخفيف حرعة الاشاعات والنحيب، ولكن هذا الشكل من التفاوض لم يعد ممكن مع هذا التغيير والتحديث في البلد.