الاتحاد من أجل المتوسط: هل يمتلك فرصاً للنجاح؟

تم نشره في الثلاثاء 17 حزيران / يونيو 2008. 03:00 صباحاً

"هنا سيتحدد الجواب نفياً أو إثباتاً، عما إذا كانت الحضارات والديانات ستتجابه في أقسى الحروب. في المتوسط سيتقرر ما إذا كان الشمال والجنوب سيتجابهان أم لا. في المتوسط سيتقرر ما إذا كان الإرهاب والأصولية سينجحان في فرض منطق العنف وعدم التسامح على العالم، هنا سنربح أو نخسر كل شيء". هكذا عبَّر الرئيس نيكولا ساركوزي في تشرين الاول (أكتوبر) 2007، عن تصوُّره، أو بالأحرى عن جزء من تصوره، "للاتحاد المتوسطي"، الذي تغيَّر اسمه- قسراً- بعد مفاوضات شاقة إلى "الاتحاد من أجل المتوسط"، على ما بين التعبيرين من مسافات.

كان خطاباً بليغاً ذلك الذي ألقاه الرئيس ساركوزي في مدينة طنجة المغربية، وتحدث فيه عن "عالم المتوسط الذي ما انفك ممزقاً منذ قرون بين روح الحملات الصليبية وروح الحوار، وما فتئت تتجاذبه الكراهية والأخوَّة، والذي لم يتوقف عن التردُّد في النهاية بين الحضارة والهمجية". ولكن فكرة الاتحاد المتوسطي تعرضت للتعديل الجذري منذ طرحها ساركوزي لأول مرة أثناء حملته الانتخابية، قبل أن يصبح رئيساً لفرنسا، إلى أن بلغت محطة أساسية مع القمة الأوروبية في منتصف مارس 2008، وقد فقدت بعض ملامحها المهمة. ومرَّت الفكرة خلال هذه الفترة الزمنية بأوقات عصيبة، وصلت في بعض الأحيان إلى حد أن تصرَّح المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بأن الاتحاد المتوسطي "لن يرى النور".

جاءت فكرة "الاتحاد المتوسطي" بعد أكثر من عقد على "اتفاق برشلونة" عام 1995، وهو الاتفاق الذي كانت نتائجه مخيبة للآمال. ولم يتحقق أيٌّ من أهداف برشلونة في توطيد أساس للسلم، أو تأسيس منطقة للرخاء والرفاهية، أو تعميق للحوار الثقافي بين شمال المتوسط وجنوبه. والغريب أن الجانب الأوروبي، المعروف بعقلانيته وتقييمه الصحيح للأمور، ظل يجادل بأن الاتفاق ما يزال قابلاً للحياة، وأنه صالح للاستمرار والبقاء، على الرغم من أن كل المظاهر والشواهد أكدت أنه يغالب الموت، ويلفظ أنفاسه الأخيرة.

كان من الواضح في بداية الفكرة أن الاتحاد المتوسطي إعلان صريح عن نهاية "مسار برشلونة"، غير أن الرئيس الفرنسي اضطر شيئاً فشيئاً إلى تبديل خطابه، ليعلن لاحقاً أن اتحاده الجديد ليس بديلاً لبرشلونة، وتلا ذلك تنازل أكبر بأن تحول اسم المشروع في قمة مارس 2008 الأوروبية إلى "عملية برشلونة: اتحاد من أجل المتوسط"، أي إن الاتحاد الوليد بناء قائم على أساس ثبت أنه متداعٍ وهشٌّ وعلى وشك الانهيار.

هيكل الاتحاد تحوَّل بدوره، إذ كان مخططاً له أن يضم من الجانب الشمالي الدول الأوروبية المطلة على البحر المتوسط (فرنسا والبرتغال وأسبانيا وإيطاليا واليونان وقبرص) ومن الجانب الجنوبي مصر وليبيا وتونس والمغرب والجزائر والأردن وسورية ولبنان والسلطة الفلسطينية، إلى جانب تركيا (وهو ما كان مثاراً لمشكلات مهمة)، وبالطبع كان هناك مكان لإسرائيل، بوجودها الإشكالي القادر على تدمير المشروع من داخله، مثلما كان مصير عملية برشلونة المتهالكة. ولكن دول الاتحاد الأوروبي الكبيرة كان لها رأي مختلف، إذ رأت أن إنشاء الاتحاد المتوسطي بالصورة التي عرضها الرئيس الفرنسي يمكن أن "يشكل تهديدا لكيان الاتحاد الأوروبي على المدى الطويل... مما يؤدي إلى تفكك الاتحاد الأوروبي"!

وبناء عليه تم تعديل الهيكل ليضم دول الاتحاد الأوروبي جميعها، وهكذا فقد الاتحاد من أجل المتوسط رابطته المنطقية. والغريب في الأمر أن مثل هذا التوسع يضم دولاً تنظر إلى الاتحاد الجديد ببرود، مثل المستشار النمساوي ألفريد جوسينباور الذي قال إن ما يهمه فعلا هو ألا يتحول الاتحاد إلى "حفل شواء لقلة من الأعضاء". وهناك دول أخرى عبَّرت عن مواقف أكثر سلبية، مثل سلوفينيا، التي لم تر فيه شيئاً جديداً. ويعني ذلك أن "التوسيع" قد ارتبط "بالتمييع"، والانتقاص من أهمية الكيان الجديد ومن إمكانية المراهنة عليه. والحقيقة أن من الصعب تصوُّر الاتحاد الأوروبي، ككيان جمعي، حريصاً على نجاح مشروع سينسب إلى فرنسا في نهاية المطاف، ويعتبر ذراعاً من أذرع سياستها الخارجية.

على الجانب العربي تبرز إشكاليات كثيرة، أهمها أن المشروع لا يتعامل مع الدول العربية ككيان تجمعه روابط الوحدة، وإنما يصر على الفصل بين الوحدات المكونة للقسم الجنوبي، على الرغم من أن هذه الدول (عدا تركيا وإسرائيل بالطبع) أقرب إلى التجانس الذي يؤهلها للعمل ككتلة إذا أريد لذلك أن يكون. الوجه الآخر من الصورة- إحقاقاً للحق- أن العرب لم يخطر في بالهم التعامل مع الاتحاد الجديد كوحدة، بل إن خلافاتهم (الجزائر والمغرب مثلاً) كانت تحكم سلوكهم تجاه المشروع وتجاه فرنسا، ويعني ذلك أنهم كانوا يسيرون في اتجاهات متعاكسة في كثير من الأحيان.

وفي هذا الإطار، فإن المشروع كان يتعرض للتعديل والتحوير أوروبياً، في الوقت الذي اكتفى فيه الجانب الآخر- العربي في مجمله- بتلقي النتائج. و"الاتحاد من أجل المتوسط"، الذي هو ثمرة للمفاوضات والتفاهمات الأوروبية في مارس 2008، ليس هو نفسه "الاتحاد المتوسطي" الذي جرت جولات من المفاوضات واللقاءات بشأنه خلال عام 2007 وجزء من عام 2008، وهذا يعني أن المواقف العربية كان يُفترض أن يطرأ عليها تغيير بدورها، ولكن ذلك لم يحدث في الحقيقة.

هناك أيضاً اللغم الإسرائيلي الذي يجعل المشروع بأكمله محل شك. وسيبقى كل تقدُّم في المشروع مسيجاً بأن كل خطوة إلى الأمام فيه قد تقدِّم تنازلاً على طريق التطبيع، من دون أن يكلف الجانب الإسرائيلي نفسه القيام بأي خطوة لإثبات حسن النوايا. وهذا الكسب المجاني لإسرائيل سوف يجعل مستقبل الاتحاد الجديد محوطا بالشكوك والظنون من جانب كثير من الأطراف العربية حول بُعده السياسي، مهما زعم منظُّروه أنه يتجنب المسائل السياسية.

لقد سعى ساركوزي في تصوره إلى طرح إطار اقتصادي يزعم أنه يتجنب السياسة، وهو تصوُّر يبقى نظرياً وغير قابل للتحقق. فحتى مشروعات البيئة أو مقاومة التلوث أو التعاون الصناعي ترتطم في منطقة الشرق الأوسط بالجدران السياسية، وتتقاطع معها، مما يجعل محاولات "العزل" غير ذات جدوى. والثقافة، أو الحوار الثقافي، الذي يحظى بنصيب مهم من الاهتمام في مشروع ساركوزي، يقود بصورة مباشرة إلى الشأن السياسي.

من جانب آخر فإن "الأمن" يظل هاجساً مركزياً من هواجس الاتحاد الجديد، ويظهر بقوة في خطابات وخطط ساركوزي بشأنه، إذ يقول في خطابه الذي أشير إليه في بداية المقال: "في المتوسط ستكسب أوروبا ازدهارها وأمنها وتجد الدفع الذي منحها إياه الآباء المؤسسون"، ويتوجه بحديثه إلى "كل المتوسطيين المسكونين بالتسامح والقيم الإنسانية واليائسين من كونهم لا يواجهون سوى التعصب والأصولية"، ويتحدث عن "المبادرات في البحوث والجامعات والاقتصاد والثقافة والصحة ومحاربة الإرهاب، والتي تساهم كلها في الجمع بين ضفتي المتوسط". وهذا الحضور البارز للأمن ولمحاربة الإرهاب التي تلح على ساركوزي ويلح عليها، تجعل المشروع يمضي إلى جانبه السياسي شاء أو أبى.

بناء على ما سبق، فإن كثيراً من الشكوك تحيط بمستقبل الاتحاد من أجل المتوسط، وربما يحظى الاجتماع المزمع عقده في 13 تموز (يوليو) المقبل لإطلاق الاتحاد بتغطية واسعة، وسوف يجتذب على الأرجح اهتماماً إعلامياً واسعاً، لكنه لن يكون اهتماماً بالاتحاد الجديد في الحقيقة، بقدر ما هو اهتمام بدلالات الحضور والغياب لهذا الطرف أو ذاك، وإمكانية أن يضم اجتماعٌ واحدٌ السوريين والإسرائيليين في خطوة غير مسبوقة.

إن هدفاً مثل "جعل البحر الأبيض المتوسط أنظف بحار العالم" مهمٌ من دون شك، لكن هذا المشروع وما يشبهه سوف يُبقي الاتحاد من أجل المتوسط في حيز شديد التواضع، لا يزيد من جهة الكيف على منظمة بيئية متواضعة، فالاختلاف هنا في الدرجة وليس في النوع إذا كان الاتحاد الوليد سيجعل من مثل هذه المهمة شاغله الأكبر.

ربما يستفيد طرف عربي ما من إقامة مشروع صناعي أو زراعي، وقد يفوز أحد الأطراف بتمويل في مجال ثقافي أو تربوي أو بيئي، وهذا هو أقصى ما يمكن الحصول عليه. أما تحوُّل الاتحاد من أجل المتوسط إلى منظمة فاعلة تحقق درجة من الازدهار أوالرخاء للجنوب الفقير والأمن للشمال الغني، أو تخلق أجواءً للتقارب والحوار الثقافي والحضاري بين الضفتين، فقد أضحى هدفاً لا يمكن توقُّعه حتى مع كثيرٍ من التفاؤل وحسن النية.

باحثة سياسية مصرية

amal.m.sakr@gmail.com

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ساركوزي وإسرائيل والتعاون في مصلحة التطبيع (عادل)

    الثلاثاء 17 حزيران / يونيو 2008.
    لي تجارب عديدة في التعاون الأورومتوسطي وكلها يجمع بينها عامل مشترك: إقحام نخب العرب في عملية تطبيع مع إسرائيل مقابل تذاكر سفر وسياحة وبدون اية إلتزام إسرائيلي بإنهاء الإحتلال وعودة الاجئيين. وكل الكلام المعسول عن فوائد هذا التعاون مجرد غطاء وكلام فارغ. ولاننسى ان ساركوزي هو يهودي عرقيا وإن كان قد إعتنق المسيحية فهذا لايلغي قوميته وولاءه لقبيلة بني إسرائيل. والذي يثبت حقده هو تسيريب العديد من تعليقات ساركوزي العنصرية ضد العرب . والذي سيحصل هو ان ساركوزي سيكافئ المتآمرين العرب بالمنح والغطاء الإعلامي والسياحة كما تفعل أمريكا مع عملاءها العرب. فالمطلوب مقاطعة المثقفيين االعرب الغير محسوبيين على الجهات الرسمية لكل مشاريع الأورومتوسطية التي تقحم إسرائيل. أما فكرة ان نستفيد من الفلوس لمصلحة الوطن فقد أثبتت تجارب مشابهة مع أمريكا ان تلك الفلوس لايستفيد متها الا العملاء ويبقى العالم العربي في تخلف وتراجع وتدهور مع ضياه الحقوق