الإخراج السياسي لقانون المالكين والمستأجرين

تم نشره في الاثنين 16 حزيران / يونيو 2008. 03:00 صباحاً

بعيدا عن أي جدلية أو حساسية مرتبطة بقانون المالكين والمستأجرين والانعكاسات الكبيرة التي قد تترتب على تطبيق هذا القانون او أي تعديلات قد تطرأ عليه، فإن العملية السياسية التي تم تبنيها للتعامل مع هذا الشأن العام أمر يستحق التقدير لأنه رسخ المبدأ الذي يكاد يكون مفقودا من حراكنا السياسي وهو ضرورة التعامل بحساسية وحنكة مع القرارات السياسية والاقتصادية وإخراجها (بالمفهوم الفني السينمائي للكلمة) بطريقة بناءة تقلل الخسائر وردود الافعال السلبية وتعظم المكاسب والدعم، ذلك أن إخراج وتسويق القرارات لا يقل أهمية عن عملية اتخاذها واغفال ذلك قد أوقع صانع القرار الاردني في العديد من المطبات التي كان هو بغنى عنها. 

الحكومة ومن خلال وزارة عدلها التقطت الرسالة الملكية التي دعت "لحوار إيجابي" حول قانون المالكين والمستأجرين، وأطلقت بالفعل هذا الحوار من خلال سلسلة لقاءات واتصالات أجراها وزير العدل مع المشرع الاردني والجهات ذات العلاقة بمن فيها غرف الصناعة والتجارة.

وقامت الوزارة ايضا بفتح قنوات اتصال مباشرة مع كل من يريد ان يدلي برأيه ويقدم اقتراحا وهو أمر مريح وإيجابي رغم قلة الاستفادة منه لان حجم ونوع التغذية الراجعة اللذين تتلقاهما الوزارة ما يزالان متواضعين من حيث الكم والنوع وربما يمسان حالات شخصية بعينها لا يمكن التعميم بناء عليها.

المهم في كل هذا الحراك انه: اولا، يعطي درجة مقدرة من الطمأنينة والارتياح لدى المواطن الاردني أن قضيته في أيد أمينة وخبيرة وتدرك حجم الانعكاسات الكبيرة لهذا الامر الجلل، وثانيا، أن الجهة المعنية بهذا الملف لا تمتلك أية وصفة مسبقة تميل لصالح جهة بعينها تم ترتيبها بمعزل عن الحراك السياسي العام ودون مراعاة لقواعد الشفافية، وهي منفتحة الذهن على اقتراحات من شأنها أن تجعل القرار يخرج بأقوى حلله. يضاف لذلك ان العملية الموصوفة بتدرجيتها واندماجيتها سينتج عنها حتما قرار رصين ومتوازن وحتى وان لم يعجب البعض، وهذا متوقع، سيقبلونه احتراما للعملية التي أنتجته.

"توزيع الضرر" هو العنوان الذي تبنته الحكومة للتعامل مع هذا القانون وهو عنوان مقنع ويعطي الانطباع بحساسيته للعدل، والاهم انه واقعي غير حالم او مقدم لوعود عصية على التطبيق ومضللة لعموم الرأي العام. العنوان يقول لنا انه لن تكون هناك اي جهة منتصرة او منتفعة او متضررة من القانون القادم بشكل كلي وان على الجميع ان يتحمل جزءا من التسوية بما يحقق اكبر درجة من العدالة والمنطقية في الطرح.

الحكومة، وضمن هذه الذهنية، تبدو مدركة لتعقيد وتشابك المصالح حول هذا القانون، وتدرك ايضا ضرورات تغيير القانون الحالي، الذي قد تنتج عن تطبيقه حالة من عدم الارتياح او الفوضى الاجتماعية والقانونية والاقتصادية، وتعي أهمية إنتاج قانون مستجيب للأبعاد الاجتماعية والسياسية ولكنه بذات الوقت لا يسير بمنطق معاكس او مناف لمشروع الاصلاح الاقتصادي الانفتاحي الذي يعكف الاردن على رسم ملامحه.

هناك إدراك ايضا للبعد الانساني للحالات التي قد تتأثر بهذا القانون وهنا لابد من دعوة الجهات المعنية وعلى رأسها وزارة التنمية الاجتماعية كي تأخذ هذه الحالات بعين الاعتبار وتبدأ بتحديدها قدر الإمكان ومن ثم التحضير لمساعدتها. 

نسجل إعجابنا بالطريقة التي تعاملت بها الحكومة مع هذا القانون الحساس بعد ان سبق وعانينا الأمريّن من ضعف اتقان مهارة الاخراج السياسي والامثلة على على ذلك عدة، نراها تتجلى في قضيتي شراء الدين وبيع الأراضي.

فشراء المديونية الخارجية الأردنية أمر مهم ونجاح مبهر يسجل للقائمين على مشروع الاصلاح الاقتصادي ولكنه لم يقدر او يفهم بالشكل الكافي من الرأي العام الاردني والسبب يعود لعدم إخراجه سياسيا كقصة نجاح اقتصادية بأبعادها وتداعياتها كافة على الاردن. الأمر نفسه يمكن أن يساق للحديث عن بيع الاراضي والتي أثارت ضجة سياسية كبيرة ناجمة عن نقص المعلومة وسواد حالة تجييش سياسي غير حميد سبق وان تعرضنا لها.

لو سوّق هذا القرار وشرح بشكل مفصل وتم تطبيقه بتدرج وبإسلوب مقارن، ولو انه عريّ من حقيقة انه بيع للسيادة لما حدثت كل هذه الضجة السياسية ولما اضطررنا لتضييع وقت وجهد مهمين بغية إدارة الأزمة التي ترتبت عليه.

mohamed.momani@alghad.jo

التعليق