ياسر أبو هلالة

يحكم القضاء أم الساسة؟

تم نشره في الأربعاء 11 حزيران / يونيو 2008. 03:00 صباحاً

عرفت أميركا حقبة في تاريخها سميت بـ"حكم القضاء" إذ تضطلع المحكمة العليا بمهام يفترض أن تكون منوطة بالمقام الأول بالرئيس أو بمجلس النواب. وفي تركيا اليوم يتصدى القضاء بعداوة صريحة للسلطتين التنفيذية والتشريعية اللتين يقودهما حزب العدالة والتنمية.

يجمع على استقلالية القضاء، فلا يوجد نظام محترم يقبل على نفسه التدخل في القضاء ويجعل منه تابعا للسلطة التنفيذية, لكن الخلاف حول الدور السياسي للقضاء، ففي قضية سجن غوانتنامو كان دور المحكمة العليا في أميركا سياسيا بامتياز. والمحكمة الدستورية في تركيا تمارس دورا سياسيا حاسما. والفارق بين النموذجين التركي والأميركي أن المحكمة في تركيا جزء من اللعبة السياسية وهي في صف الجيش ضد الإسلاميين، أما في أميركا فهي فوق اللعبة السياسية، ولا تدخل طرفا، مع أن أحكامها تؤثر في السياسة.

أين نقف في الأردن؟ لا توجد لدينا محكمة دستورية. وفي المرات القليلة التي كانت تحكم فيها محكمة العدل العليا، وهي قضاء إداري، في مسائل لها علاقة بالسياسة كان يتم التهرب منها عبر الطريق الالتفافي المسمى قوانين مؤقتة. أو من خلال طرح الموضوع مجددا على مجلس النواب.

حصل هذا في قانونين لهما علاقة ماسة بالحريات السياسية التي كفلها الدستور. الأول في إيقاف محكمة العدل العليا لقانون المطبوعات المؤقت الذي أصدرته حكومة عبدالسلام المجالي، والثاني عندما حكمت لحزب جبهة العمل الإسلامي في قانون الاجتماعات العامة ضد حكومة علي أبو الراغب. ماذا حصل في المثالين؟

لم نعد إلى قانون المطبوعات الذي أقره مجلس النواب الحادي عشر في مطلع التسعينيات ولا عدنا لقانون الاجتماعات العامة في الخمسينيات (لماذا تظل القوانين القديمة متقدمة؟) وإنما تم وضع قوانين أسوأ في تحايل على أحكام القضاء.

ليس الحديث هنا عن محكمة دستورية، وإنما عن احترام لقرارات القضاء. وقبل الحديث عن المحكمة الدستورية لا بد من ضمان استقلال القضاء وأهليته. وبما أن نظامنا القضائي شبيه بالنظام البريطاني الذي لا توجد فيه محكمة دستورية، فمن حق القاضي - بحسب اجتهادات قانونين- أن يدفع بعدم دستورية قوانين. هذا لا يؤدي إلى فوضى بل على العكس سيجعل السلطتين التشريعية والتنفيذية أكثر احتراما للدستور.

شرع مجلس النواب الحادي عشر القوانين الناظمة للحياة الديمقراطية، وكان من المفترض أن يبنى على تلك القوانين باعتبارها تمثل روح الدستور وتشكل أرضية صلبة يبنى عليها. ما حصل بعد عام 1993 يمكن أن يوصف بالفوضى التشريعية فكم قانون مطبوعات؟ وأحزاب؟ وانتخابات؟..

وأخيرا جاء قانون الجمعيات. وفي مجملها تراجع عن الديمقراطية. هل يمكن للقضاء أن ينظم هذه الفوضى التشريعية التي قادتها الحكومات المتعاقبة بغياب مجلس النواب وبانعقاده؟ الرأي السائد أن القضاء ينفذ القوانين باعتبارها جميعا صادرة عن مجلس النواب - أو عن الحكومة في حال تغييبه - ولم يسبق، بحدود معرفتي، أن دفع قاض بعدم الدستورية.

ببساطة، السلطة المطلقة مفسدة مطلقة، وقيمة الديمقراطية تعدد السلطات وتوازنها بحيث لا تنفرد سلطة بالقرار. ومن المصلحة أن يظل للقضاء دوره في الرقابة على السلطتين التنفيذية والتشريعية. وهذا لا يكون إلا بتعزيز استقلاليته. المجتمع السليم هو من يخضع لسلطة المشرعين والسياسيين والقضاة.

abuhilala@yahoo.com

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »"ابو شاور" نموذجا (عباد)

    الأربعاء 11 حزيران / يونيو 2008.
    أعتقد ان النموذج الساخن على العلاقه بين القضاء و السياسة في الاردن هو قضية الطالب ابو شاور -لا ادري اذا كان مجرد ذكر اسمه سبب في منع النشر- .
    ذلك الشاب المسكين الذي عوقب و تمرمط لانه رفع العلم الاردني -كما يثبت تسجيل الفيديو- في احد التظاهرات.
    وكيف ان القضاء وقف خجلا ينتظر رحمة قرار وزارة الداخليه -والدائرة العنية طبعا- .
    من الحالات التي تم التحايل فيها على القضاء ايضا العلماء الذي منعوا من الخطابه رغم حكم القضاء لهم.
    موضوع مهم و حساس شكرا لطرحه
  • »السلطة القضائيه والمحكمة الدستوريه (أبو خالــد)

    الأربعاء 11 حزيران / يونيو 2008.
    أعجني ما قدمه الأستاذ أبوهلالة .. وأضيف
    أولا / أننا وفقا لأحكام قانون محكمة العدل العليا لسنا بحاجة الى محكمة دستوريه ذلك أنه يدخل بأختصاص المحكمة ألغاء أي قانون مؤقت مخالف للدستور ..الأمر الذي كل ما نحتاج أليه هو تعديل تشريعي للنص بحيث تشطب كلمة مؤقت فيغدو أختصاص الطعن بدستورية أي قانون مطلقا : مؤقت كان أم عادي.
    ثانيا / فيما يتصل باستقلال القضاء والدور الرقابي للقضاء لتوازن السلطات ، فأن ذلك لا يكون ألا أذا أعدنا صياغة الدستور بما يحمي القاضي أولا من تعسف المجلس القضائي( بأعتباره جهة أدارية مناط بها القرارات الأداريه المتصلة بالقضاة ) فأذا كانت محكمة العدل العليا ترتبط وظيفيا ورقابيا بالمجلس القضائي وأذا كان رئيس المجلس هو صاحب القول الفصل فيما يصدر من قرارات ..فأن لجوئك للمحكمة المبينة هو لجوء لخصم .. وكيف يكون لك الأنصاف من خصمك على خصمك ؟! ولدي البينات والأدلة القاطعه التي تثبت ما قدمت .
    ثالثا / أزاء كل ما تقدم فأن طي حقك على النحو المبين يغدي التجائك الى الملك أمر حتمي باعتباره رئيس السلطات الدستورية . فما الحال والباب مقفول ؟ ..
    لابد من أعادة ترتيب الأختصاصات القضائية دستوريا بحيث يكون جهاز القضاء الأداري مستقل تماما عن المجلس القضائي وأي سلطة أخرى ..
    أن القاضي أولى بالحماية والرعاية ما دمنا نسعى لمواكبة التطور الدولي السريع على كافة الأوجه ذلك أن التعسف بحقه يجعل من قراراته تحيد عن مبدأ الأستقلالية الدستورية متأثرا بسطوة النفوذ ويجعل من القاضي بالنتيجة متجاوب مع رغبات فتتراجع فيه الحريات وتتتيه فيه الحقوق ويضعف الأستثمار كما يضعف مركز الأردن دوليا ودعما على كافة الصعدفيما تغدو ألية العمل في المجلس القضائي ( باعتباره الجهة الأدارية للقضاة)بحاجة ألى أعادة صياغة بما فيها طريقة تعيين الرئيس وأعضاء المجلس . ويغدو أرتباطهم الدستوري مستوجب أعادة صياغة للدستور أولا وقانون أستقلال القضاء ثانيا .. فيما يمكن التصور بوجود هيئة طعن بقرارات المجلس تبعا لذلك أمام جهة حيادية يحددها الدستور ... على سبيل المثال جهة رقابيه لمنع التعسف الأداري للمجلس القضائي تتشكل من السلطات الثلاث ومن ذوي الأختصاص بدلا من الطعن بتعسف القرار أمام محكمة العدل العليا التي ترتبط مع المجلس في صيغته وتشكيله بما لا تقبلها مباديء العدالة..
    خلاصة الأمر أننا بحاجة ألى مشروع وطني لأصلاح الرقابة على أستقلالية القضاة ودعمها بما فيها أعادة الترتيب الصياغي الدستوري للسلطة القضائية ..