حرب الكلمات حول الملف النووي الإيراني

تم نشره في الخميس 5 حزيران / يونيو 2008. 03:00 صباحاً

لعله من الدقيق القول أن تبادل التصريحات حول طبيعة البرنامج النووي الإيراني أضحت أشبه بحرب لكنها كلامية فقط. جبهتان بارزتان في حرب الكلام هذه، الأولى إيرانية تؤكد على سلمية البرنامج وانه لا حاجة لسلاح نووي بل القول بحرمته، والثانية غربية وإسرائيلية ترى أن إيران لا تحتاج لهذا البرنامج من الأساس، وأن ما تقوم به طهران ما هو إلا تمهيد لبناء برنامج نووي عسكري.

في هذه الأثناء يبدو التركيز منذ أن انتخب الرئيس الإيراني محمود احمدي نجاد عام 2005 على التصريحات التي أطلقها لا سيما حول محو إسرائيل ووضعها في سياق البرنامج النووي، وان دولة رئيسها يتحدث بهذه اللغة فكيف سيكون الوضع إذا ما امتلك السلاح النووي؟ من هنا فإن السياسات التي تبنتها المجموعة الدولية كانت متأثرة إلى حد كبير بموجة التصريحات التي أطلقها الرئيس، بل يذهب البعض أنها كانت فرصة ذهبية استثمرت فيها واشنطن لخلق جبهة  متحدة ضد إيران، وهو الأمر الذي ساعد على استصدار القرارات الأممية 1737، 1747، 1803، والتي فرضت عقوبات اقتصادية على إيران.

التركيز الغربي على تصريحات الرئيس الايراني يأتي رغم القناعة لدى الدوائر الغربية والأميركية بأن الرئيس ليس هو صاحب الكلمة الفصل، وأن من الضروري النظر بأهمية اكبر إلى قائد الثورة أية الله خامنئي صاحب الكلمة الفصل.

في هذا السياق فقد نصحت حكومات غربية بضرورة الحديث إلى المرشد مقتفين بذلك نهج الرئيس الروسي السابق فلاديمير بوتين الذي اجتمع شخصيا إلى خامنئي وقدم الاقتراح الروسي القاضي بتخصيب اليورانيوم على الأراضي الروسية، وهو الأمر الذي قبلته واشنطن لكن طهران اعتبرت التخصيب جزءا من قضايا السيادة  الوطنية التي لا يجب التنازل عنها.

وفي السياق نفسه يطرح سؤال مهم؛ لماذا لا ينظر الغرب إلى تصريحات قائد الثورة الإيرانية بعين الأهمية في حين يتوقف ويعلق عند كل موقف وكلمة للرئيس احمدي نجاد؟ سؤال يبدو أن الإجابة عنه تكمن في مسألة الصورة التي تكونت حول إيران في الدوائر الأميركية والغربية، فكل ما يعزز تلك الصورة السلبية يجري التركيز عليه، وما عدا ذلك فإنه لا يبدو موضع اهتمام مهما كانت أهمية الجهة التي يصدر عنها الموقف أو التصريح. ويمكن رصد ذلك في التصريحات التي تناقلتها وسائل الاعلام في الايام القليلة الماضية، وتحديدا من المرشد الاعلى للثورة الاسلامية الايرانية، والتي تؤكد وجهة النظر الايرانية على سلمية برنامجها وتحريم تملك الاسلحة النووية.

في المقابل يتحدّث رئيس لجنة الدفاع والامن في البرلمان الاسرائيلي عن عدم استبعاد الخيار العسكري لمواجهة البرنامج النووي الإيراني، وهو الموقف الذي كررته وزيرة الخارجية الاسرائيلية تسيبي ليفني الطامحة في الوصول الى منصب رئيس الوزراء الاسرائيلي بعد استقالة او اقالة ايهود اولمرت.

ان التبادل في المواقف عبر تبادل التصريحات يهدف الى تحقيق امرين رئيسين: الاول متعلق بحشد حالة من الرأي العام المناهض لموقف كل طرف، املا في خلق جبهة عريضة لمواجهة الجبهة الاخرى، في هذا السياق ترى ايران ان الموقف الروسي المعلن بأن ايران لا تبني ولا تعمل على بناء برنامج نووي عسكري سند قوي لموقفها، وفي السياق نفسه كان التوظيف الايراني لتقرير مجلس الاستخبارات الاميركية حول تجميد ايران الاستخدام العسكري للطاقة النووية منذ عام 2003.

هذه التطورات التي استفاد منها الايرانيون كانت في المقابل اضعافا للجبهة المقابلة التي تريد  بناء جبهة دولية لمواجهة ايران ابتداء بالعقوبات وانتهاء باستخدام الخيار العسكري.

أما الهدف الثاني من حرب الكلمات فهو الابقاء على القضية المطروحة وكأنها التحدي الدولي الوحيد الذي يواجه العالم، ففي ظل التحدي الذي يواجه العالم فيما يتعلق بأزمة الغذاء لا زال التركيز على الملف النووي يتصدر المحافل الاعلامية والسياسية.

ان التطور الهام فيما يتعلق بالملف النووي الايراني هو تصاعد اللهجة القادمة من اسرائيل، وهو امر يبدو مرتبطا بتطورين هامين: الاول متعلق بما لحق اسرائيل من انتكاسة عسكرية وسياسية عام 2006، وهو الامر الذي كانت مقدمته حين  اجبرت على الانسحاب من جنوب لبنان عام 2000. ما لحق بإسرائيل بالنسبة للنخبة العسكرية والامنية الاسرائيلية هو بفعل المساندة الايرانية، من هنا فإن اسرائيل لا يمكن ان تقبل بإيران نووية.

وفي السياق نفسه جاءت انتقادات الرئيس احمدي نجاد المتكررة لاسرائيل بما في ذلك الحديث عن محوها عن الخريطة، كل هذا عزز من شعور الخطر لدى اسرائيل، ولذلك فإن الجهد الاسرائيلي تضاعف في اقناع الدارة الاميركية ودول غربية بخطورة ايران وبرنامجها النووي حين جاء تقرير مجلس الاستخبارات الاميركية ليتحدث عن تجميد ايران للجانب العسكري في برنامجها النووي مستغلة الغضب الأميركي للدور الذي تلعبه إيران في العراق ولبنان وفلسطين.

إن حالة الاحتقان المسيطرة على ملفات هامة في المنطقة لا سيما تلك المتعلقة بالملف الفلسطيني الاسرائيلي، والسوري الاسرائيلي، وكذلك الازمات الداخلية في اسرائيل تأخذ مجريات الامور الى جهة اخرى لتصرف  من خلالها الرأي العام الى قضايا اخرى على رأسها تجاوز مسألة العقوبات الاقتصادية على ايران الى استخدام الخيار العسكري، امر يبدو هذه المرة مدفوعا اسرائيليا في انتظار الضوء الأخضر الأميركي!

m.zweiri@css-jordan.org

التعليق