وهم السياسة

تم نشره في الخميس 5 حزيران / يونيو 2008. 03:00 صباحاً

مشكلة الحياة السياسية في بلدنا أنها ليست حياة سياسية! فهي في الحقيقة مجرد فضاء لتحقيق المصالح الشخصية -المالية على وجه الخصوص- بالنسبة لمن ينخرطون في "مؤسساتها" وأعمالها، وللتنفيس عن العُقد والأحقاد الشخصية والإقليمية والطائفية، بالنسبة لمن يشاركون في الجدال حول قضاياها، ويتخذون مواقف منها، ويطرحون آراءهم واقتراحاتهم تجاهها.

نقول هذا الكلام من دون تعميم، مدركين أن "عدم التعميم" هذا لن تستفيد منه إلا قلّة قليلة، تفهم أن للوطن مصلحة عليا، فلا تنظر إليه باعتباره مجرد "كعكة"، نتقاسمها حتى نرضى!

النوع الثاني من المتعاملين مع "السياسة"، باعتبارها ساحة للتنفيس، نجده هذه الأيام في مواقع الإنترنت "الإخبارية" التي تكاثرت من دون أن تلتزم التقاليد الصحافية، أو تخلق لنفسها تقاليد جديدة ملتزمة، حتى اختلط فيها الغث بالسمين. هذا الاختلاط، هو ما وفّر ساحة علنية ظاهرة للجدال حول ما يُفترض أنه "سياسة"، فتبدّى أن "الشعب" يستعمل الحدث السياسي من أجل التراشق المَرضي على أساس الأصل والدين، أو لتصفية الحسابات الشخصية، فيما تضيع القضية السياسية وراء المواقف المسبقة غير القابلة للتبديل، والتي لا يجدي فيها الحوار والإقناع والحُجّة.

يحار المرء في سبب هذه الظاهرة المرضيّة: هل نتجت عن تغييب الناس عن المشاركة السياسية، وتهميشهم لفترة طويلة تجاوزت الآن الخمسين سنة، منذ نيسان 1957، حتى تعودوا الغياب عن السياسة؟ لو أن الأمر كذلك لكانوا متعطشين للعمل السياسي، والاختلاف السياسي!

أم هل نتجت عن انعدام الثقافة السياسية، والخبرة السياسية، عند السواد الأعظم ممن يظنون أنفسهم سياسيين أو مهتمين بالسياسة؟ لو كان هذا هو الواقع، لرأينا تطوراً في سلوك الناس تجاه السياسة من حدث إلى آخر، مكونين خبرة تتراكم مع توالي القضايا والنقاشات، لكن الحال ليس كذلك، فالتراشق السطحي والاصطفافات المقررة مسبقاً على أسس عنصرية، تظل على حالها ولا تتغير.

أم هل نتجت عن انتهازية الحركات والقوى والشخصيات السياسية المؤثرة، التي ركّزت على تحقيق مصالحها أو بلوغ المناصب العليا، حتى لو تم ذلك من خلال إذكاء النعرات، ولم تهتم بخلق مناخات استقطاب سياسي على أساس البرامج والأفكار، وهو أمر يشارك فيه من يسمّون أنفسهم "الإسلاميين" و"الوطنيين" و"اليساريين"؟ ربما، لكن المفترض أن انكشاف تلك الانتهازية مع تعدد التجارب، تدفع الناس لقراءة الأحداث من زاوية حاجاتهم المعيشية واليومية والمستقبلية، لا من باب الانتصار لهذا أو لتلك، وفق أسس عنصرية.

الواضح أن هذا السلوك إنما يصدر عن نوع من "الأصولية"، تنبع من معايير محددة مسبقاً، لا بل انطباعات محددة مسبقاً، فلا ترى ما وراء غاياتها، ولا تقبل الاستماع إلى الآخر بموضوعية، ولذلك فهي لا تحسن دراسة وتقييم الحدث السياسي لذاته. لكنها ليست أصولية ذات أهداف نبيلة، قد يختلف المرء مع أفكارها، وإنما هي أصولية لا نُبل فيها، إذ لا فكر فيها!

هذا الانفضاض عن السياسة، نحو "وهم السياسة"، هو ما يترك الحياة السياسية فضاءً لتحقيق المصالح الشخصية، في المال والجاه والنفوذ وتوريث المناصب، لدى المنخرطين في المؤسسات السياسية والحاصلين على المناصب السياسية.

هكذا، يفترق "الشعب" على أساس أصول أصحاب المناصب ودياناتهم، ثم لا يناله غير ضنك العيش، فالعمل السياسي الحقيقي محرّم عليه، والمشاركة السياسية –بالرأي- يُحرّمها هو على نفسه! فهل يحق له بعد ذلك أن يحتج على انعدام تكافؤ الفرص، وعلى المحسوبية، وعلى الفساد؟! بالطبع لا!

samer.khair@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مرآة الواقع السياسي! (مدحت سماره)

    الخميس 5 حزيران / يونيو 2008.
    يطل علينا الكاتب سامر خير احمد في مقالته طوهم السياسة" بآرائه النارية التي جوهرها غاية التشاؤم. يلمس القارئ المتمعن بها وضوح التحليل الانفعالي الذي يكتنف كل فكرة وردت بها .
    لقد اصبحت الممارسات السياسية بشكل عام ، مع استثناء القلة ، هي بالفعل العمل المتواصل من اجل تحقيق المصالح الشخصية والمادية من خلال انتهاز الفرص ، التي ربما لا تعود، والاهمال المتعمد لتكافؤها وتكريس الابعاد القبلية والاقليمية والطائفية وتفشي المحسوبية والانحراف عن السبل القويمة التي يجب ان تسود المجتمع . كل هذ اصبح يصب في محيط تقليص الشعور بالمواطنة الحقة ويمعن في شرخ الوحدة الوطنية التي طالما نتناىدى بها ، ربما عن غير وعي منا .
    كان الكاتب محقا في طرحه من حيث انّ غرض السياسة المسيطر الذي تسعى لاهثة وراءه ، هو ، مع اشد الاحساس بالالم، التأكيد على الوصول الى الغايات الدنيا من حيث الاستحواذ على النصيب الاكبر من الكعكة التي يسعى الكل على نهشها ، في الجوانب المالية والجهوية ومواقع النفوذ ، وتوريثها لدى ذوي المناصب العليا من سياسية وغير سياسية، اضافة الى احتكار الرأي والنيل من اصحاب الاتجاه الآخر !
    جل ما نرجوا هو ان يكون الكاتب ، وأن نكون معه، واهمين لواقع الحال السياسي ، لا مرآة له .
    ربما كان "وهم السياسة " هذا موجودا على الساحات العربية الاخرى، وعلى ساحات العالم النامي .اص
  • »غابٌ مِنْ غير شريعة (هشام غانم)

    الخميس 5 حزيران / يونيو 2008.
    شكراً سيّد سامر على المقال المهم.

    الصراع "السياسيّ" الجاري الآن، قد يصحّ أنْ يُشبَّه أو يُمثَّل عليه بجريمة أبو علندا. وربّما كان هذا الوصف مبالَغاً به أو حتّى متعسّفاً. ولكنّ نظرةً فاحصة على الكلام المصبوب مِنْ رصاص، في المواقع الإلكترونيّة، لا يُفسح في المجال إلى تأويلٍ آخر.

    فالكلمات المستعملة في الصراع هذا، أشبه بضربات السكّين التي أعملَها القاتل في أجساد أبنائه الطريّة. وربّما وسعنا أنْ نلخّص كلّ ما يجري بكلمة واحدة: الكراهية. كراهية كلّ شيء، كراهية الحياة، كراهية الأرض والسماء، و كراهية النفس قبل كراهية الغير؛ فحين يكره واحدُنا غيرَه، فإنّما يعبّر، بذلك، عن كراهية النفس والهويّة الذاتية، بما هي تَآلفٌ وحوار؛ تَآلف وحوار بين الأنا والغير. وتعريف الهويّة الذاتيّة هذا، هو وجهٌ مِنَ الوجوه التي اطمأنّ العالمُ الحديث إليها واستوى عليها.

    ولمّا كان الجاري، على ما خلص إليه المقال، هو "وهم السياسة"؛ ربّما جاز الذهاب إلى علميّ النفس والاجتماع؛ لتفكيك واقع مجتمعنا المريض (الذي لا ريب في مرضه). فلكمة سوسيولوجيّة أو سايكولوجيّة واحدة قد تطيح بكلّ هذه المخلوقات، التي قد لا نجازف كثيراً إذا وصفناها بأنّها مجبولة على الضغينة.

    وإذا كانت الألعاب تقوم على قواعد، فاللعبة الدائرة الآن خلوّ مِنَ القواعد. فالعنصريّة والكراهيّة لم تبقيا قواعد للعب. وهذا يحيل إلى الغاب. ولكنّ الغاب، إذا لم يكن له قواعد، كان له شريعة؛ فالضواري لا يأكل بعضُها بعضاً إلّا بدافع الجوع والغريزة. وهي لا تفترس أبناءها كما حصل مؤخّراً في أبو علندا. وعلى هذا، فما هو دائرٌ الآن ليس شريعة الغاب، وإنّما غابٌ مِنْ غير شريعة.

    وهذا كلّه قد يدفعنا إلى سؤال لطالما طرحته السلطات العربيّة على دعاة الإصلاح والمشاركة السياسيّة، هذا على رغم أنّه (السؤال) حقٌّ يراد به باطل. والسؤال هذا هو: هل "الشعوب" العربيّة مؤهّلة للديمقراطيّة؟ وهل هي شعوب أصلاً وابتداءً؟ أفليست قبائل وطوائف وحارات؟ ومَن يضمن، في حال فُتِح الباب لهذه "الشعوب" لممارسة "الديمقراطيّة"، أنْ لا تَحدث مجازر وحروب؟ وهل المعضلة في "الشعوب" أم في السلطات والإمبرياليّة والصهيونيّة؟ ما الذي جرى بلبنان حين سُمِح بجرعة ضئيلة مِنَ الديمقراطيّة؟ وماذا حلّ بالعراق حين قامت عمليّة سياسيّة؟ وكيف دخلت الجزائر في حرب أهليّة مدمّرة لمّا جرت انتخابات ديمقراطيّة؟

    سكاكيننا التي لا تتّسع إلّا للحومنا، تعلن بصوتٍ مدوٍّ أنّ الأسئلة الأخيرة ليست مِنْ غير سند أو دليل.
  • »كذب السياسة وليس وهمها (عمر شاهين)

    الخميس 5 حزيران / يونيو 2008.
    هذه الليبرالية والعقلانية الحقيقية في معالجة موضوع حساس كشف أن كثيرا من المعلومات وحصاد ثقافي لا يستطيع خلع الجذور البدائية المقيتة التي تكونت فينا قبل أن نتعلم درس أبجد هوز .
    قد يكون هذا المقال الوحيد الذي يضع الحروف على النقاط بعد أن تسرب البعض باسم الثقافة والايديولجية المحنطة وعند أول خلاف نجد أنهم تناسوا كل ما تعلموه من بعد فكري وعادوا للحضيض حتى أن بعض الكتاب نراهم كل يوم في شان وأخذتهم صرعات الألفاظ ولو الحروف حتى ود إلى تفسير ألم في بطني إلى نتاج الليبرالية .
    أستاذ سامر لقد وضعت يدك على الورم الخبيث الذي جعل البعض يتحصن وراء كلمات مصنوعة بخبث لينفث سمومه وتراه يتقنع باسم الكتابة وراء عنصرية وإقليمية كان يتعفف عنها أبو جهل .
    آن الوقت لنتكاشف أكثر حتى تنظف الساحة فوراء كل واحد فمئات المقالات التي تكشف عن نوياه فهل يعقل من شكر كل عدو لكل الأردن ونراه يوما يؤيد معارضة شيعية وفي آخر يدعوا إلى جاهلية أبو لهب ويوم يركع لصنم لينين ومن ثم يطلب من كرسي احمد ياسين أن يطير في السماء وقبلها بيوم طالب بطرد كل من يقترب لأحمد ياسين بصلة . ليتذكر في النهاية أن له وطن . هل يعقل أن من يشتم الليبرالية غارقا حتى أخمص قدميه في شوائب أليبرالية هل يعقل من يشتم الرأس مالية يعيش بين قصورها ؟؟؟