وقانا الله مما تخبئه الايام القادمة للمنطقة

تم نشره في الأربعاء 4 حزيران / يونيو 2008. 03:00 صباحاً

لم يعد الاعتراف بتضاؤل احتمالات اية تسوية لقضية الصراع الفلسطيني الاسرائيلي مسألة مترددة. فقد عاد الرئيس عباس من زيارته الاخيرة الى واشنطن بما اكد لديه القناعة بعدم جدوى التشبث بأي امل من هذه الادارة الراحلة بنهاية العام, ولم يتردد الرئيس عباس في التعبير عن خيبة امله.

وذهبت زيارة بوش الاخيرة للمنطقة بكل ما قد بقي من امل ضعيف لدى البعض بأن معجزة ما ستحدث في اللحظة الاخيرة. جاء الرئيس بوش ليشارك في احتفالات اسرائيل بعيدها الستين وسط حشد دولي غير مسبوق للمناسبة. وجاء ليعلن مرة اخرى واخيرة الالتزام المطلق باسرائيل وسياساتها وانتهاكاتها وتحدياتها للقانون والقيم والاعراف, وفوق كل ذلك اعراضها واستخفافها بكل ما يخدم امن وسلام المنطقة بما في ذلك امن وسلام اسرائيل نفسها.

وخيّمت ظلال تلك الزيارة الكئيبة على كل اجواء المنطقة، وانهت احلام "انابوليس"، ووضعت الجميع امام الحقيقة القاسية: من اراد الدولة الفلسطينية كشعار فله ذلك. فالشعار يتردد باستمرار، وسيظل يتردد. ولكن الدولة لن تقوم لسبب بسيط وهو ان اسرائيل لم تبق من الأرض ما يمكن ان تقوم عليه هذه الدولة.

ولم تبق اسرائيل الأرض لانها ما ارادت من قبل، وهي لا تريد الآن، ولن يتغير موقفها طوعا من هذه المسألة في المستقبل: اسرائيل لا تريد دولة فلسطينية بالمعنى المتعارف عليه للدولة، على اي جزء من ارض فلسطين. كل ما سمحت به اسرائيل, ولا يزال هذا هو موقفها, هو سلطة ضمن الاحتلال لادارة شؤون الفلسطينيين الذين لم يكن من السهل اجلاؤهم عن ارضهم لتنظف الأرض بكاملها عرقيا, لأجل نقاء الدولة اليهودية.

هذه السلطة القائمة الآن, ومنذ ترتيبات اوسلو هي التي تريدها اسرائيل ان تتحول الى دولة، دون زوال الاحتلال ودون ان تتمتع الدولة الموعودة بأي من المواصفات المعروفة لأهزل انواع الدول.

وماذا اذن؟

جمد الدور الاميركي عند نقطة اعلان الدعم المطلق والالتزام المطلق باسرائيل, واذا شعرت اسرائيل ان يديها قد اطلقتا لتواصل سياساتها التوسعية والاستيطانية, وممارسات احتلالها القمعية, واذا التقت عوامل داخلية - مثل الازمة التي تهدد بسقوط اولمرت- مع عوامل اقليمية مثل غياب الدور العربي, والدور الاوروبي الذي لا يتحرك الا بالتناسق مع الموقف الاميركي, وغياب اي دور للأمم المتحدة المكبلة بقيود اميركية بالغة الشدة, اذا حدث كل ذلك دفعة واحدة, ولم يبق في الساحة سوى فاعل واحد هو اسرائيل، فما الذي سيحدث؟

من البديهي ان غياب احتمال اي تحسن في الموقف (ومن الواضح ان احتمالات التحسن معدومة) فإن ما يتبقى من الخيارات ينحصر في اثنين: اما بقاء الاوضاع على حالها, او الانزلاق السريع نحو التردي.

يمكن الابقاء على الوضع الراهن لو اختارت اسرائيل ان تخفف من وطأة ضغوطها الهائلة على حياة الفلسطينيين تحت الاحتلال في كل من الضفة الغربية وفي غزة. كأن تسمح اسرائيل للجهود التي تبذلها مصر للتوصل الى تهدئة بين غزة واسرائيل, في مقدمة ذلك فك للحصار الخانق القاتل, بحيث يتمكن اكثر من مليون ونصف المليون من سجناء غزة من العودة لما قد يقترب من الحياة الطبيعية. وكأن تخفف اسرائيل من القيود المفروضة على سكان الضفة الغربية التي ارتفع عدد الحواجز فيها من 260 حاجزا قبل انابوليس الى ما يزيد على 450 حاجزا الان, والتي ما مر على اهلها يوم واحد دون اجتياح اسرائيلي في هذه المدينة او تلك, ودون قتل وترويع واعتقال, ومصادرة ارض ومواصلة بناء الجدار, وتوسيع الاستيطان والتهويد, ومنع الحركة والحصار.

مثل هذه الاجراءات التخفيفية لا علاقة لها بالتقدم نحو الحلول والتسويات. فلو حدثت لكانت مجرد مهدئات للحيلولة دون وقوع انفجار يكاد يكون وقوعه حتميا ان ظل الوضع على حاله.

والسؤال هو؛ هل تدرك اسرائيل ان الوضع الذي آلت اليه شؤون المنطقة لا يخدم مصلحة احد, ولا امن احد, ولا سلام احد, ولا يحقق اي منفعة لاسرائيل بالذات بالرغم من انها قد تكون مرتاحة لامساكها بزمام الامور, ولقدرتها غير المقيدة على الحركة, ولاستمرارها في غياب اية عوائق بالمضي في تنفيذ مخططاتها على الأرض وفرض ما تريد بالقوة؟!

هل سيشكل خلو الساحة لاسرائيل محفزا لها لزيادة مكاسبها ولتكريس احتلالها وعدوانها, وبالتالي تستفز المزيد من العنف وتدفع باتجاه الانفجار. ام انها ستعيد النظر في النهج المدمر الفاشل الذي تتحمل اسرائيل المسؤولية الكاملة في دفع اميركا لتبنيه ولتحصد الفشل تلو الآخر ولتترك منطقة مدمرة مهددة بكل ما هو افظع واسوأ؟

وهل نحمل اسرائيل كل المسؤولية ان هي اختارت ان تظل على نفس النهج, وان اختارت ان تستمر في دفع واشنطن الى نفس النهج؟ وهل نظل من المحيط الى الخليج في مقاعد المتفرجين نشاهد ونعلق ونندب ونحتج ونغمد الجراح ونبكي على الاحتلال حتى يصح فينا قول الشاعر:

إبكِ مثل النساء ملكا مضاعا

                                  لم تحافظ عليه مثل الرجال؟

هل من المعقول ان يستمر هذا الغياب العربي, وهذا الصمت العربي على ما يجري في ارجاء هذا الوطن, وبحق اهل هذا الوطن من ظلم وتنكيل. اين هذه الامة ومقدراتها وبترولها ومالها وسلاحها وجيوشها وسياساتها وقادتها وجامعتها العربية وسفاراتها وعلاقاتها مع دول العالم وتواجدها في المحافل الدولية. هل يعقل ان تظل هذه المقدرات الضخمة مجمدة؟

لقد شهدنا في الامس القريب تجربة نجحت عندما توفرت الارادة في لأم الجرح اللبناني بأيدٍ عربية وضمادات عربية. لماذا لا تتكرر التجربة بالنسيبة لفلسطين. ولماذا لا تكسر مصر بدعم عربي شامل ومطلق حصار غزة وتفتح حدودها للاهل والاشقاء في غزة ليتزودوا بحاجاتهم وليتنفسوا هواء ارض الكنانة حتى تعرف اسرائيل انه لن يظل بمقدورها ان تنفرد بهذا العدو العربي حسب اختيارها وهي مطمئنة الى ان العربي الاخر لن يحرك ساكناً حتى يأتي دوره ويصبح هو الضحية التالية.

نحن نعيش في زمن غير معقول. والذي سيقرأ عنا من الاجيال القادمة في كتب التاريخ لن يصدق ان هكذا كان حالنا.

اذا صح, واذا جاز ان نقول لاسرائيل ان قوتها المفرطة لن تحقق لها الامن وحدها, وان الامن اما ان يكون للجميع او لا يكون, فانه يصح ايضاً ان يُقال ان اللاابالية والانعزالية والانانية العربية التي يسهل طريقها الترف والوفرة وتكدس الثروات والاموال, لن تكون الضمانة لمستقبلٍ آمن ايضاً. واذا لم نراجع نهجنا ايضاً, وندرك اننا في سفينة واحدة, ومسؤولية بقائها فوق الماء مسؤولية جماعية, فسيكون غرقها ونحن فيها حتمياً لا قدر الله.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »شكرا د. حسن (DR KELANI)

    الأربعاء 4 حزيران / يونيو 2008.
    شكرا للدكتور حسن على موقفه الشجاع ونصيحته الوطنية الصادقة
  • »كفى (عبد المعطي)

    الأربعاء 4 حزيران / يونيو 2008.
    ماذا سيحدث في المنطقة، الأيام القادمة، الصيف الساخن. كفى ! لن يحدث إلا كل خير، و إن كان هناك عجز على المستوى السياسي فهذا لظروف موضوعية كثيرة و تعثر العملية السلمية لضعف أولمرت الداخلي و عدم سيطرة عباس و دخول الرئاسة الأمريكية في غيبوبة الإنتخابات لن يعني حتمية الويلات و ضياع الأمل (في بوش – أولمرت- عباس) قد يكون لخير المنطقة.

    الأيام القادمة تخبئ التنمية و النهضة و العمران، ماذا لدينا في الأردن الآن؟ لدينا رؤية لمستقبل أفضل، صحيح أن أزمة النفط ألقت بظلالها على البلد لكننا نسير اليوم بخسائر أقل مما كانت ستحدث لو لم تكن لدينا هذه الرؤية، و لعل الأيام القادمة ستشهد انعكاس هذه التنمية على المواطن العادي.

    نعم حالنا ليس بأفضل حال، لكننا نستطيع أن نكتب في كتب التاريخ المستقبلية أننا غيرنا هذا الواقع و لم نقف نادبين.

    إسرائيل تعيش حال من عدم الإتزان، لا تستطيع من خلالها أن تهدد تنميتنا و مستقبلنا الذي لطالما نحن أوقفناه لأجل "الخطر" الإسرائيلي، و في النهاية لن يصح إلا الصحيح و ستعود الحقوق لإصحابها إن كانت لديهم رؤية شمولية للأمور.
  • »النار الهادئة (البوريني)

    الأربعاء 4 حزيران / يونيو 2008.
    المشكلة لا تكمن بالاسرائيليين فهم سياستهم واضحة منذ 60 عاما ولن يتنازلوا عن شبر واحد للفلسطينيين، المشكلة هي بالسلطة الوطنية المتمثلة بفتح والدول العربية.
    الاسرائيليين تخلوا عن غزة ليس من ضمن مفاوضات بل لأن المقاومة أرهقتهم كليا حتى المستوطنات لم تسلم منهم وأزالوها بالكامل...
    بالمختصر أتمنى من الدول العربية وفتح التنحي جانبا لأن أرضنا لن تعود الا بالمقاومة والجهاد...
    من أراد المقاومة فأهلا به...
    لا مكان للمنبطحين معنا...
    وشكرا