من أجل ثقافة سلمية عربيّا

تم نشره في الأربعاء 4 حزيران / يونيو 2008. 03:00 صباحاً

ما حصل في بيروت مؤخّراً حريّ به أن يستوقف العرب، لا اللبنانيّين وحدهم، لأسباب تتعدّى الظرف السياسيّ، بل تتعدّى السياسة عموماً، إلى موقف ثقافيّ، أو ربّما حياتيّ، أشمل.

ففي اشتباكات 7-9 أيّار (مايو) الفائت تمكّن مقاتلو "حزب الله"، بيسر وسهولة فائقين، من أن يسيطروا على الشطر الغربيّ من العاصمة اللبنانيّة. وقد تبيّن أن الطرف المقابل، وعمادُه شبّان "تيّار المستقبل" الحريريّ وبعض شبيبة الأحياء، متفاوت الأداء ما بين عدم رغبة في القتال وعدم قدرة عليه.

وكان لهذه النتيجة الحربيّة أن استحضرت سيلاً من المدائح الذاتيّة الصادرة عن بيئة "حزب الله" وحلفائه والتي دارت حول "الشجاعة" و"الرجولة" و"البطولة". لكن الطرف الذي انهزم لم يجد، في المقابل، الكثير الذي يتغنّى به.

بيد أننا حين نتذكّر أن "حزب الله" آلة حربيّة – إيديولوجيّة خاضت عديد المواجهات وحظيت، منذ نشأتها بالرعاية تدريباً وتسليحاً، لا يعود هناك مكان للاستغراب. فكيف وأن سائر الحركات المشابهة التي عرفها تاريخنا كانت، باليسر والسهولة نفسيهما، تنجح في إخضاع المدن التي تنوي إخضاعها. ويسعنا دوماً أن نراجع ابن خلدون مؤرّخ العصبيّة وشارح انتصاراتها على "العمران".

لكن موضوعنا ليس هذا.

فلربّما آن الأوان أن يظهر بيننا من يتباهى بالسلام، بدلاً من الرجولة والشجاعة والقوّة والنضال والجهاد الخ.، وأن تحتلّ القيم المعبّرة عن الحياة المدنيّة، لا عن حياة الغابة أو الحياة العسكريّة، موقعاً متصدّراً في نظام القيم المعمول به لدينا.

والحال أن ضعف التقليد هذا إنّما ينبع من ثقافة ذكوريّة عربيّة غالبة ومهيمنة، لا تجد ما تفخر به غير المقاتلة وتحقيق النصر ("لنا الصدر دون العالمين أو القبر"). وغنيّ عن القول إن الجذر القبَليّ والبدويّ يكمن وراء افتخار كهذا، حيث الدنيا "تؤخذ غلابا"، فيما تحتلّ المرأة، لضعفها الجسديّ، فضلاً عن أسباب أخرى، موقعاً متدنّياً في التراتُب الاجتماعيّ. وعلى هذا النحو لا يصار الى تخيّل العالم إلا مسرح قتال ونصر وهزيمة.

هكذا نفهم كيف أن ثقافتنا لم تنتج، لشديد الأسف، مهاتما غاندي أو مارتن لوثر كينغ واحداً، يحاول بالسلم والكلمة والقدوة وأشكال المعارضة المدنيّة الوصول الى ما يحاول غيره الوصول إليه بالعنف. فكيف وأن أدوات القتل غدت، في يومنا هذا، ذات طاقة غير محدودة على إلحاق الأذى والموت بأعداد ضخمة من السكّان، وكيف وأن الحروب، على اختلاف أنواعها، باتت في زمننا تقتل مدنيّين أضعاف أضعاف ما تقتله من العسكريّين؟

وقد يقال بحقّ ان القسوة التي يواجهها عرب كثيرون، على أيدي أنظمة عسكريّة وقمعيّة أو على يد الاحتلال الإسرائيليّ، تكرّس هذا المنحى لدينا وتثبّتنا فيه. غير أن ذلك لا يعفي من تذكّر حقيقتين متكاملتين والاسترشاد بهما: أن الانتفاضة الفلسطينيّة الأولى، التي خيضت بالحجر، كانت أفعل وأهمّ من كلّ الأعمال العسكريّة والعنفيّة التي صدرت عن الشعب الفلسطينيّ ضدّ محتلّي أرضه، وأن سائر أشكال القوّة في التاريخ العربيّ الحديث، وأبرزها الانقلابات العسكريّة، أوجدت من المشاكل المستعصية أضعاف أضعاف ما حلّته منها.

وفعلاً آن أوان أن نتغنّى ونفتخر بالبناء والأنشطة المدنيّة، وبالعلامات التي تنمّ عن قدرتنا على ممارسة اللطف والكياسة، غير مكترثين بأن نوصف "رجالاً وآساد وغى" أو لا نوصف.

لقد روت قصّة، غير مؤكّدة تماماً، أن جمال الدين الأفغانيّ حين كان في باريس التقى فيكتور هوغو. وكان أن بادره الأفغانيّ بالسؤال: ما هو أعظم شيء في العالم؟ فأطرق هوغو وفكّر مليّاً، معترفاً بأن سؤالاً كهذا لم يخطر على باله من قبل، ثم قال بتردّد: الوردة ربّما. وهنا أعلن جمال الدين استغرابه الشديد لأنه ظنّ أن أديب فرنسا عهد ذاك سيقول: الشجاعة أو البطولة أو شيئاً من هذا القبيل.

والقصّة هذه، حتّى لو لم تكن صحيحة، تبقى بعيدة الدلالة على الفارق بين نظامين في التفكير والثقافة. فإلى أيّ منهما يجدر بنا أن ننتمي، يا ترى؟

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »فيكتور هيوغو و الثورة الفرنسية (لونا مرعي)

    الأربعاء 4 حزيران / يونيو 2008.
    كان من الأفضل انو كمال الدين الأفغاني يسأل فيكتور هيوغو عن الثورة الفرنسية و دور الثقافة السلمية. شكلو الكاتب نسي أو تناسى ان فرنسا الحديثة هي نتيجة ولادة قيصيرية من الثورات والحروب العالمية. ام هل نسي الكاتب شيئ إسمه الثورة الفرنسية؟ انا مستغرب انوا بعض الكتاب القدامى بيفكروا انوا القراء الجدد لسه جهلة ولاعندهم إطلاع على التاريخ. عيب.
  • »السلم والسلام اساس الحياه (بشير ابوالذهب)

    الأربعاء 4 حزيران / يونيو 2008.
    تحيتنا بين بعضنا ( السلام عليكم ورحمه الله وبركاته ),واحيانا اخرى ( سلام ).
    وفي ايه كريمه ( فان جنحوا للسلم فاجنح لها ).
    ومن اسماء الله الحسنى ( السلام ).
    اذن اساس ديننا وثقافتنا وحياتنا السلم والسلام ,وتطبيق السلم والسلام في حياتنا وفي علاقتنا مع بعضنا البعض وعلاقتنا مع الاخرين لا يعني باي شكل من الاشكال الانهزاميه او الانهزام بل على العكس التحلي بروح السلم والسلام قوه كبيره وتحتاج لشجعان لتحملها وحملها.

    والبشريه جمعاء لا تكتمل حياتها السعيده والفرحه بدون سلم وسلام .
    فاذا كانت هناك فئات ومجموعات عدوانيه في طبعها وتطبعها , يجب ان لا نتبعهم في سلوكهم ولا ننجر وراء افكارهم وغاياتهم .

    الحاله الوحيده المسمموحه للناس ليصبحوا محاربين ومقدامين هي الدفاع عن النفس بالقوه اذا كانت المواجهه القائمه بين الطرفين هي القوه .

    مما سبق ما يعنينا هو اصل البشريه والعلاقات بينها هو السلم والسلام الا اذا اضطررنا اضطرار غير راغبين فيه .
    والسلام عليكم ورحمه الله وبركاته
  • »تشويه التاريخ (حمود)

    الأربعاء 4 حزيران / يونيو 2008.
    ينهي الأستاذ صايغة موضوعه بمثل ويتناسى ان الغرب وحضارته وحرياته وتقدمه وإستقلاله وكرامة الفرد والمجتمع الغربي لم تأتي من وراء غاندي ولامارتن لوثركنج بل أتت في سياق مظاهرات ومواجهات وإنقلابات وحروب وثورات طاحنة.

    كفانا سطحية وإنتقائية في عبر ودروس تاريخ نخضعه لتحليلات إنتهازية لاتمت للواقع بشيئ. وكفانا تلفيق وتجريح في طهارة سلاح المقاومة في لبنان.

    لة أرادة المقومة السيطرة على كل لبنان لفعلت وليس بقوة السلاح ولكن برضاء معظم البنانيين والدليل هو رفض معظم شباب الموالات الدخول في مواجهة مع المقاومة لإحترامهم لها كما حصل في غزة.

    هنالك فرق شاسع يا أستاظ صايغة بين المقاومة السلمية والصعلكة والذي يفرق بين الإثنين هي مواقف وخطابات وتحالفات مكشوفة وعلنية مع قتلة وظالمين.

    اما غاندي ومارتن لوثركنج الذي تستشهد في إنجازاتهما العظيمة فلم يتالف أحد منهما مع قتلة أو مستعمرين أو إمبرياليين ضد أبناء قومه لافي محور إعتدال ولافي محور. ياليلت ان نترك الشرفاء لوحدهم ولا نشوه سيرتهم وتركتهم العظيمة.
  • »ثقافة سلمية ام روح انهزامية (غادة شحادة)

    الأربعاء 4 حزيران / يونيو 2008.
    لأول وهلة شعرت ان الكاتب ليس من العرب ولا يعرفهم ولا ينتمي اليهم , مع كل الخضوع والخنوع والسكوت على الظلم والجور تقول اننا شعب ذو ثقافة محبة للقتال ؟ كيف تأتى لك ان تقول مثل هذا الكلام؟ خذ على سبيل المثال السلطة الفلسطينية مازالت تقدم التنازل تلو الاخر ومازالوا وسيظلوا يتهمونهم بالارهاب حتى وصلوا الى الى مرحلة ان قاطعوا ابنائهم حماس ليتقربوا الى عدوهم ولم ينفع ولاداعي لذكر الوضع في العراق اذ على الرغم من كل مايحدث هناك الا انني اعتقد جازما ان الايدي الامريكية وراء ابقاء الوضع مشتعلا بين السنة والشيعة , وحتى مع انني اختلف في وجهات النظر مع حزب الله الا انني ارى وجوده يثير الرعب في المنطقة وانا على اكيد انه لولاه لأصبحت لبنان في قبضة اسرائيل منذ زمن
    ياسيدي نحن نحتاج ليس لتعزيز الثقافة السلمية فهي موجودة اصلا بل نحتاج الى صقلها والى اعادة الاعتبار للوجود العربي والى اعادة خلق الثقة التي كانت لدينا والى مسح والغاء هذه الفترة التي اصبحنا فيها على هامش الحياة . ثم ماذا عن الجهاد؟ هل ستتنكر لشرع الله ؟ لم نكن ابدا معتدين او ارهابيين ولن نكون لكن نحن مع القوة التي تجعل العالم يحسب حسابا لوجودنا ولسنا مجرد ارقام واحصائيات , نحن تاريخ وحضارة صحيح كنا ولكننا سنرجع , ختاما اقول في ظل الوضع العربي الراهن لا يوجد مايسمى ثقافة سلمية بل هي تغليف للروح الانهزامية
    لا نبرر الارهاب ولا نشجعه ولاهو من شيمنا ولا ديننا بل نحن مع الاعتدال والوسطية التي امرنا بها ديننا الحنيف