هل تجاوزنا سياسة المحاور؟!

تم نشره في الثلاثاء 3 حزيران / يونيو 2008. 03:00 صباحاً

هناك من ينتقد السياسة الخارجية الأردنية على اعتبار أنها تأتي في سياق ما تحاول الولايات المتحدة صياغته على شكل محاور في الشرق الأوسط. وكتبت إحدى الأسبوعيات ما يفيد أن سياسة المحاور هي أميركية بصفة خاصة وأن أنظمة محور الاعتدال ما هي إلا  أنظمة على خلاف مع شعوبها. لن أخوض في الجملة الأخيرة لأنها مقولة تضليلية وديماغوجية من الطراز المكشوف. لكن المعنى المقصود أن تعبير الاعتدال ما هو إلا رضوخ لرغبات الولايات المتحدة. من السهل دحض مقولة هذا التيار وبخاصة وهو تيار يعترف أنه مع ما يسميه هو "محور الممانعة" (الذي لا يمكن الادعاء أن أنظمته وأحزابه في حالة مصالحة وانسجام مع شعوبها). والمفارقة أن دول وأعضاء هذا "المحور" لا تقدم ولا تصوغ أي هدف استراتيجي قابل للتحقيق أو حتى قابل للقياس.

ومن هنا، فالحكم على السياسة الخارجية يجب أن يخضع الى مقياس واحد: كيف تخدم هذه السياسة مصالح الدولة؟ فالدولة تضع مجموعة من الخطوط العريضة التي تشكل الإطار العام لفهم تحرك الأردن في الإقليم. وهذا الإطار لا يخلق محورا بقدر ما يسعى لإحداث زخم إقليمي يساعد على تحقيق أهداف السياسة الخارجية. والمتابع للسياسة الأردنية يجدها تجاوزت تعبيرات المحاور وتنسجم مع مصالح الأردن في الإقليم وعلى أساس مجموعة من المبادئ. فهناك تقدير عام لدى راسمي السياسة الخارجية مفاده ضرورة العمل لمنع أن تتحول المنطقة الى منطقة تقاسم نفوذ الأمر الذي يفضي الى استقطابات إقليمية  وما يتبع ذلك من تقسيمات مذهبية وطائفية.

المبدأ الثاني يتمحور حول احترام الأردن لحدود قوته والعمل مع الآخرين الذين يلتقون معه لتحقيق أهداف السياسة الخارجية. فمن غير الممكن على سبيل المثال أن يقوم الأردن بالتنسيق مع إيران حول عملية السلام لأن إيران تعارضها وتعارض حل الدولتين (هدف السياسة الخارجية المركزي). هذا لا يعني أن يقاطع الأردن إيران التي تتعامل مع مختلف الملفات بانتهازية ونفعية، ولكن ليس عند الأردن وهم بأن إيران ستتبنى سياسة خارجية تقترب من أهداف الأردن في الإقليم. ومع كل هذا فهناك اتصالات أردنية إيرانية واتصالات أردنية سورية تجاوزت مشاكل القمة العربية.

ولا يكتفي الأردن بهذا إذ يحاول جاهدا إقناع الآخرين بالاقتراب من وجهة نظره. فمثلا ما كان لخارطة الطريق أن ترى النور لولا الجهد الأردني المميز الذي بذلته الدبلوماسية الأردنية على الساحة الأميركية. والمثال الأحدث هو مشاركة الأردن في محادثات اتفاق الدوحة إذ لعب الأردن دورا في صياغة المبادرات والاتفاق النهائي. هذا الدور وإن كان مهما إلا أنه لم ينل التغطية المناسبة لأسباب كثيرة.

الركيزة الأخرى التي على الدولة الأردنية استيعابها هي ضرورة استبطان أن حل الصراع مع إسرائيل سلميا لا يمكن له أن يتأتى دون تدخل الولايات المتحدة. لذلك، على الأردن عدم الاستماع الى دعوات مقاطعة أميركا لأن هناك ضرورة ملحة للاشتباك المستمر الى أن تقوم الولايات المتحدة بترجمة شعار "حل الدولتين" الى واقع. وهذه ليست دعوة للتبعية وإنما للاشتباك ومحاولة تقليل الخسائر. فدور أميركا مهم لإحياء عملية السلام والاستمرار في إدارتها.

قد يسخر البعض من عملية السلام لكن السجل يشير الى أن غياب العملية منذ بدء الانتفاضة دفع إسرائيل للشعور أنها في حل من أمرها. وجاء الجدار العازل الذي ما كان من الممكن مجرد التفكير به لو أن هناك عملية سلام في السنوات السبع الأخيرة. بمعنى أن وجود عملية سلام، حتى لو كانت متعثرة، أفضل بكثير وأقل ضررا على حياة الشعب الفلسطيني من غيابها.

على أنه يجب أن لا يفهم أن استئناف علمية السلام سيقلل من الاستيطان لكنه بكل تأكيد سيخفف من الآثار الناجمة عن غياب عملية السلام. وبالتالي فإذا كان تمكين الشعب الفلسطيني البقاء في أرضه هو هدف مركزي للسياسة الخارجية، فكيف يطلب من الأردن عدم التمسك بعملية السلام ودعم عباس على ضعفه في توجهه نحو حل الدولتين. فالأردن لا يخوض سياسة محاور مع السلطة ضد حماس وإنما يعمل بكل نشاط مع الطرف الذي يشاطر الأردن همومه ويتفهم أن حل الدولتين هو المطلوب أردنيا.

فأين الجديد في السياسة الخارجية؟ أهدافها لم تتغير منذ مدة طويلة ومبادئها ثابتة نسبيا. ويمكن أن نضيف الى هذه المبادئ: يستند الأردن على توظيف قرارات الشرعية الدولية والعربية، عدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير، عدم الاتفاق على أن يكون هناك لاعب أقل من دولة يحصل على متكسبات سياسية بقوة السلاح.

وإذا نظرنا الى الملفات الساخنة في العراق ولبنان وفلسطين، نجد أن المبادئ الأردنية المشار إليها واضحة في تحركات الأردن. والتغير الذي حدث ليس في مبادئ السياسة الرئيسة وأهدافها وإنما في مواقف اللاعبين الآخرين الذين اقتربوا من موقف الأردن، كما حدث في اتفاق الدوحة.

hassan.barari@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الاردن اولأ واخيرأ (حم)

    الثلاثاء 3 حزيران / يونيو 2008.
    شكرأ للكاتب الكريم اولأ

    ثانيأ: ان السياسة الخارجية يجب ان توجة لخدمة مصالح الدولة من خلال الادوات السياسية التوفرة لها وضمن الامكانيات المتاحة وهنا فان السياسة الخارجية الاردنية تعمل على تحقيق اهدافها الاستراتيجية بالوسائل الممكنة وهي حماية امن الاردن واقامة دولة فلسطينية للفلسطينين على ارضهم وترابهم الوطني وتستند في تنفيذها على الاجماع العربي(وليس الاردني فقط ) على المبادرة العربية للسلام واتخاذ مفاوضات السلام كخيار استراتيجي لحل الصراع العربي الاسرائيلي والتعاون مع اميركا(لا بديل) كراعي لعملية السلام في المنطقة .

    ثالثأ:اما مايعاب على الاردن من حيث:-
    1-التعاون مع اميركا : اميركاالدولة العظمى على المسرح الدولي (الوحيدة القادرة على الضغط على اسرائيل ) ولا يمكن لاحد ان يستثنيها كما ان جميع العرب(بمن فيهم قوى الممانعة والمعارضة ) تعاونوا وطالبوا برعاية امريكية لمفاوضات السلام مع اسرائيل (الرئيس الاسد اليوم3\6 يطالب بان تكون المفاوضات السورية الاسرائيلة برعاية امريكية ).

    2-بالنسبة لحماس وحزب الله: ان الاردن كدولة لا يتعامل مع احزاب او فصائل او منظمات خارجة عن القانون في بلدها ومعظم شعبها لا يعترف بهاانما يتعامل مع دول وحكومات او سلطات شرعية معترف بها دوليأ... انما من يتعامل مع الاحزاب والفصائل من يريد استغلالها لخدمة اهدافة الشخصية مثل ايران (لتكون امتداد فارسي لها وقنابل موقوتة لفرض هيمنتها على الاقليم )وسوريا (لتحسين شروط التفاوض مع اسرائيل).

    ان ما يحتاج الية الاردن هو اعلام حر جريء قوي وفعال يبرز دور الاردن الحقيقي في خدمة المصالح الاردنية وخدمة القضايا العربية وما يتحملة الاردن البلد الفقير(لا يوجد لدية غاز مسال) في سبيل العرب وقضاياهم ونكباتهم ونكساتهم ...
  • »مفارقات (سالم محمود)

    الثلاثاء 3 حزيران / يونيو 2008.
    مقال عجيب نوعا ما للسيد براري ، وتفنيد غير معزز لمواقف يتحدث عنها ، وهو لم يذكر في مقاله انحياز السياسة الاردنيه كليا الى جانب سلطة صدئه في رام الله ضد سلطه منتخبه شرعيا الاولى من نوعها في العالم العربي ، وهل يقبل الاردن ان يشكك احد في انتخاباته النيابيه رغم انها كانت تحت الشك ، ولكن هنا دعنا نصحح سيدي المفاوضات لن تبني دوله ولا وطن ولا امن للأردن بل العكس ان المفاوضات كلها تسير باتجاه ما سمي الوطن البديل او الخيار الاردني ، وهذا هو واقع الامر على الارض ، وعباس وفريقه بكل اسف ليسوا في موقع مفاوض بل موقع متلقي ولا يملكون من امرهم شيئا ، من يتحرك بأمر اسرائيلي فليس مؤهل للمفاوضات مع اقرارهم في سلطة عباس انها مفاوضات عبثيه لم تحقق شيئا ، لطفا مراجعة تصريحات رئيس المفاوضين . هذا مع الاشاره الى قيام احد الكتاب الاردنيين بتهيج مصر على حماس وهو المعروف بحقده الشديد على حماس علما انها لم تؤذه ولم تؤذ الاردن بشيئ
    اما الامر الاخر الذي تحدثت عنه فهو الدور الاردني في الوفاق اللبناني ، فاسمح لنا اول مره نسمع فيها هذا الكلام وكلنا يعرف ان موقف الاردن كان الى جانب السنيوره ، وما جرى في قطر لم يكن سوى جهد قطري على كل المستويات ، ونأمل منك رحابة الصدر في تقبل النقد .
    مع كل حبنا وتقديرنا لبلدنا ووطننا العربي الكبير والذي نحن جزء منه
  • »رجعنا للدرس الأول (lpl] ugd lpl])

    الثلاثاء 3 حزيران / يونيو 2008.
    يا أستاذ حسن : على ما يبدو أنك محترم وكتاباتك تنم عن قناعات وأن قلمك ليس مدفوع الأجر ، ولكن لماذا لا تقف السياسة الأردنية على مسافة واحدة من طرفي الشرعية الفلسطينية عندما كان هناك شرعيات ، لماذا يعترف الأردن بشرعية منظمة التحرير وقد لفظها أصحابها بعد تعطل انتخاب مكتبها التنفيذي منذ 19 عام وموت كثير من أعضائه ، لماذا نركز على مقولة المحور الشيعي ، لماذا لم نقف على مسافة واحدة من أطراف المعادلة اللبنانية ، لماذا دسنا على ذيل الوحش المتطرف - القاعدة - حتى آذانا وكل ذلك لنكون ضمن محور مكافحة الإرهاب
  • »الرجاء الايضاح! (سلمى الهاني)

    الثلاثاء 3 حزيران / يونيو 2008.
    دكتور حسن، شكراً على المقال، أتمنى عليك أن تشرح لنا الدور الذي لعبه الأردن في محادثات واتفاق الدوحة، ومن تحديداً من الأردن، وبالتفصيل؟ لم أسمع عن ذلك الدور إلا من حضرتكم. شكراً سلفاً.