إبراهيم غرايبة

المأزق العربي

تم نشره في الثلاثاء 3 حزيران / يونيو 2008. 02:00 صباحاً

التعاطي العربي مع القضية الفلسطينية يسير في اتجاهين يبدوان غير منسجمين مع بعضهما، الخوف من توسع إسرائيل وقوتها المتزايدة لدرجة تهدد الدول العربية، أو تؤثر على سياساتها وخياراتها، والاتجاه للانسحاب من الشأن الفلسطيني وتركه لطرفيه الأساسيين(الفلسطينيين والإسرائيليين).

والواقع أن الدول العربية غير قادرة على الانسحاب من القضية الفلسطينية لأنها لا تستطيع اعتبارها شأنا فلسطينيا إسرائيليا، ولا يمكن تجاهل تأثيرها وامتدادها إلى عدد كبير من الدول العربية، ولكن الدول العربية غير قادرة على الوصول إلى تسوية سياسية للصراع مع إسرائيل، وهي أيضا غير قادرة أو غير راغبة في استمرار الصراع، وإنما ترغب جميعها بلا استثناء في الوصول إلى تسوية سياسية.

ولكن ما هو المأزق العربي أو أين يقع؟

الواقع أن المأزق العربي مصدره رغبة أميركية باستمرار التوتر والصراع أو عدم رغبة الولايات المتحدة في الوصول إلى تسوية إقليمية، فالوجود الأميركي في المنطقة مستمد من تهديد كانت تشكله الشيوعية العالمية والاتحاد السوفيتي، ثم العراق، ثم الإرهاب، واليوم إيران.

وإذا توقفت مبررات الصراع وأسبابه فإن المصالح الأميركية ستتضرر أيضا، أو تفقد معناها وترغم على وجهة جديدة لا ترغب الإدارة الأميركية بالتحول إليها لأن الحالة القائمة اليوم والممتدة إلى سبعين سنة على الأقل تشكلت حولها منظومة من المصالح التجارية والصناعة والكارتلات والنخب والأحزاب السياسية التي ستعيد تشكيل الحياة السياسية نفسها في الولايات المتحدة الأميركية، تماما مثل ما حدث في روسيا والدول الشيوعية السابقة. وهكذا فإن العرب وإسرائيل وإيران أيضا يخوضون صراعا لا يريدونه، ويعيشون أزمة ليست أزمتهم، وقد ظهرت هذه الرؤية بوضوح في حرب لبنان عام 2006 التي لم تكن أبدا حربا إسرائيلية لبنانية.

الجديد الذي يتشكل في المأزق العربي أن إسرائيل تبدو على خلاف مع الولايات المتحدة الأميركية في مسألة تسوية الصراع، فإسرائيل تبدو اليوم راغبة بجدية في التسوية مع سورية ولبنان وحماس، وقد ظهرت بالفعل هذه الخلافات الإسرائيلية الأميركية في وسائل الإعلام، ولكن المفاوضات السورية الإسرائيلية الجارية اليوم واحتمالات التهدئة مع حماس ربما تؤشر على تحول أميركي أو موافقة على التسوية أو على المفاوضات على الأقل، ولكن الولايات المتحدة ربما تكون هي الأخرى في حاجة للتسوية ولم يعد موقفها في اللحظة الراهنة قائما على التهديد والحرب، وقد تجد في المفاوضات والتسوية فرصة للخروج من مأزقها في العراق ولمواجهة الانتخابات الأمريكية بإنجاز سياسي كبير.

وبرغم أن السؤال والاستنتاج ينصرف مباشرة إلى مصير العلاقات الإيرانية السورية وعلاقة إيران بحركة حماس واحتمال تغيرها، وقد يكون بالفعل ثمة هدف أميركي وعالمي أيضا بإبعاد سورية عن المحور الإيراني، فإن احتمال إجراء حوار أو تهدئة بين الولايات المتحدة وإيران يبدو أيضا كبيرا وبخاصة إذا وصل الديمقراطيون إلى الحكم، لأن جميع الدول الكبرى المؤثرة اليوم والمشاركة للولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي وروسيا بالطبع والصين والهند تبدو متحمسة للحوار والتهدئة مع إيران، بخاصة مع تصاعد أزمة النفط والطاقة العالمية. بالإضافة إلى التطلعات الأوروبية والصينية والروسية والهندية الاستثمارية في إيران والتي تنظر إليها باعتبارها ساحة مهمة جدا للشراكة والاستثمار مازال الحظر الأمريكي على إيران يقف عقبة أمام إتمامها.

المشهد الأميركي اليوم يظهر ضعفا وتراجعا عما كان عليه الحال عام 2000 عشية مجيء بوش إلى الرئاسة، سواء في المجال الاقتصادي أو التأثير العالمي، وقد يشجع ذلك على الاستنتاج بنجاح المفاوضات السورية الإسرائيلية، وكذلك على المسار الفلسطيني، ولكن المأزق العربي يظل قائما في الحالتين.

التعليق