اتفاق الدوحة: تسوية إلى حين ميسرة

تم نشره في الاثنين 2 حزيران / يونيو 2008. 03:00 صباحاً

لا يستطيع كثير من اللبنانيين تفكيك الدوافع التي أقنعت ادارة الرئيس الأميركي جورج بوش لاعتبار بلادهم، بعد أن فشلت في العراق، مدخلا أساسيا لصياغة شرق أوسط جديد بحسب وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس أثناء حرب تموز 2006، وبالتالي ساحة صراع مع قوى اقليمية كإيران وسورية، فالتجربة الأميركية ومن قبلها الاسرائيلية في لبنان قبل نحو 30 عاما فشلت، فلماذا يعيد الأميركيون الكرة مرة أخرى؟

يوم الأحد الماضي، كشف رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري حمد بن جاسم في مقابلة مع قناة الجزيرة وقبيل انتخاب الرئيس اللبناني بدقائق، عن اتصالات حثيثة أجرتها جهة دولية بالدوحة لتحديد شكل الحل للوضع اللبناني، وعقب المسؤول القطري على تلك الاتصالات بالقول: "لو قبلت تلك الأطراف الشكل الذي تفرضونه... ماذا ستقدمون لهم"، وهنا يقصد بن جاسم الولايات المتحدة، التي عطلت الحل الذي اتفق عليه في الدوحة  لـ18 شهرا، ولما حانت ساعة المساعدة بالأفعال لا بالأقوال في الـ7 من أيار (مايو) الماضي، تركت حلفاءها الذين استمعوا اليها بجد مجردين بلا دعم في بيروت. وقبل أيام علق الدبلوماسي الأميركي الرفيع وذو الخبرة المسموعة في البيت الأبيض دينيس روس على ما جرى في لبنان بالقول، لقد أثبتت الولايات المتحدة لحلفائها أنها حليفة بالأقوال لا بالأفعال.

ليس صحيحا أن الولايات المتحدة حليفة بالأقوال لا بالأفعال، فالادارة التي يقودها بوش تتمتع بديناميكية عالية وسقوف مرتفعة جدا، فهي من افتتحت القرن الجديد باحتلالين كبيرين في أفغانستان والعراق، ورفعت أسعار النفط الى مستويات خيالية وساعدت على قيام دول وسقوط أخرى، الا أن الراجح أن الولايات المتحدة رغبت بنزول سلاح المقاومة إلى بيروت أن يكون "نقطة الصفر" لانطلاق ما تسميه الأدبيات الأميركية بـ"العنف أو الفوضى" وما تسميه الأدبيات العربية والاسلامية بـ"الفتنة"، الذي يؤدي في نهاية المطاف الى تكريس وصف "الميليشيا" على حزب الله، وهو ما يعني تجريد الحزب من موروثه الأخلاقي كقوة "مقاومة" أمام الرأي العام اللبناني والعربي وصولا الى تجريده من سلاحه بفعل القرار الدولي 1559، أو بفعل التطورات الداخلية في لبنان.

ذات مرة، قال مندوب الولايات المتحدة في اللجنة الرباعية الدولية حول العنف الذي دبّ في غزة بين فتح وحماس بداية عام 2007 (Iike this violence I) يعني أنا احب هذا العنف، والذي يبدو أن الولايات المتحدة كانت ترغب بعنف مماثل أيضا في لبنان، وإن اختلفت الأهداف بين الحالتين.

مبادرة قطر الديناميكية ومباركة الدول العربية وقبول الأطراف اللبنانية فاجأت الولايات المتحدة، كما فاجأت السعودية الولايات المتحدة في اتفاق مكة، بحسب اعتراف رايس ذاتها، والدول العربية التي عاينت العنف الذي "تحبه" الولايات المتحدة عن كثب في العراق، لا تريد تكرار المشهد في أكثر من ساحة، كما انها لا تريد ان تفقد دولة عربية اخرى بعد ان فقدت العراق.

حبل النجاة القطري ومن خلفه العربي تلقفه اللبنانيون الذين تورطوا فعليا بالحرب الأهلية، تورط حزب الله وتيار المستقبل في الاشتبكات الدموية وسقطت ضحايا، وسقطت الحكومة وكاد الجيش اللبناني ان يسقط، وفي الانباء ان (40) من كبار الضباط (من الطائفة السنية) هددوا قائد الجيش العماد ميشيل سليمان (الرئيس الحالي) بالاستقالة، اذا بقي الجيش على حياده.

رغم ترحيبها العلني باتفاق الدوحة، أبلغ مساعد وزيرة الخارجية الأميركية ديفيد وولش البطريرك الماروني بطرس صفير الذي كان في زيارة معد لها مسبقا للولايات المتحدة "خيبة أمل" واشنطن من اتفاق الدوحة، ودينيس روس قال في مقابلة مع الحياة اللندنية قبل أيام ان اتفاق الدوحة "كارثة" على السياسة الأميركية في المنطقة، وبين هذا وذاك ما يزال بعض الموتورين من تيار المستقبل برئاسة الحريري يطلق النار ويضرب بالسكاكين والأسلحة البيضاء في كورنيش المزرعة في بيروت، والامين العام لحزب الله حسن نصرالله يؤكد ان السلاح للمقاومة والمرجعية لطهران!! ولست أدري كيف يجمع مستقبلا بين الاثنين؟!!

وقف الفرقاء اللبنانيون على حافة الهاوية 18 شهرا، وراهنوا على يقظة الأطراف لدرء الفتنة، وخلال ساعات… سقط الجميع في الفتنة، وخوفا منها صعد حزب الله الى الطائرة القطرية والتحق به ميشال عون خشية على نصيبه وهو الذي رغب بهذا العنف من طرف خفي، وصعد الحريري ذو العلاقة المتينة بالسعودية على متن طائرته الخاصة، وصل الجميع الى الدوحة واتفقوا على تسوية، حصل فيها حزب الله على الثلث الضامن، وأبقى فيها فريق السلطة على نفوذه المكتسب في الدولة، تسوية تناقض منطق الدولة وتطابق منطق الفوضى، ومن بوابة الفوضى سيدخل الأميركيون وغيرهم مرة أخرى، وإلى ذلك الحين سيبدو اتفاق الدوحة "تسوية" الى حين ميسرة.

كاتب وصحافي أردني

التعليق