جميل النمري

الارتفاع الهائل للأسعار جعل العودة للزراعة مجدية! فهل هي ممكنة؟

تم نشره في الأحد 1 حزيران / يونيو 2008. 03:00 صباحاً

كان الأردن في الخمسينات يتمتع باكتفاء ذاتي من القمح ومعظم الحبوب ويصدّر بعض إنتاجه، ثمّ أخذت تهلّ مساعدات الطحين المدموغة بـ"هدية من شعب الولايات المتحدة" ووفق نظرية المؤامرة فإن الهدف كان ضرب إنتاج الحبوب محليا وصرف المجتمع عن الزراعة، وإذ أصبحنا نعتمد بالكامل على الخارج ها هو الغرب يعود علينا بأسعار باهظة!

 قبل ارتفاع أسعار الحبوب كان يكتفى بطرح الهدف السياسي وراء المساعدات وهو الإمساك بأمننا الغذائي والآن يضاف الهدف الاقتصادي وقد يتداخل الاثنان، لكن أيا تكن حصّة تلك النظرية من الصواب فواقع الحال أن التزايد السكّاني الكبير الى جانب تراجع جدوى زراعة الحبوب التي تعتمد بالكامل على الأمطار أوصلنا الى الوضع الحالي حتّى ان الاردن لا ينتج أكثر من 5% من حاجته من القمح، ولفترة من الوقت فإن أي وظيفة كانت تؤمّن دخلا أفضل وأضمن من الرهان على موسم جيد للقمح وأفضل من العمل في الزراعة، وحصّة الزراعة في الاقتصاد الوطني استمرت في التراجع طوال عقود مقابل قطاعات الخدمات والتجارة والصناعة وحوالات المغتربين، ومقابل الفقر المائي وتواضع الإنتاجية عندنا فإن وفرة الماء والتطور الهائل في التكنولوجيا الزراعية جعل الاستيراد أكثر جدوى وأقلّ كلفة، وبينما يعاني قطاع الزراعة ويحتاج باستمرار للدعم لا تبدو مجدية سوى بعض القطاعات المتطورة تقنيا لغايات التصدير.

إن أزمة الغذاء وارتفاع الأسعار هي الآن أزمة دولية تضرب جميع الدول بلا استثناء، فقد ارتفعت أسعار الحبوب بنسبة 200% وارتفع متوسط أسعار مختلف المنتجات الزراعية بمعدّل 175%. وقد تضافرت عدّة عوامل في الأزمة أولها ارتفاع اسعار الوقود ومعه الارتفاع العام في اسعار المواد الخام التي انعكست على مدخلات الانتاج الزراعي ومنها ارتفاع أسعار الأسمدة، ثم هناك زيادة الطلب من اقتصاديات صاعدة و كثيفة السكّان مثل الهند والصين، وأخيرا يأتي استخدام الحبوب لإنتاج الوقود الحيوي إذ بات مجديا للغاية في ظلّ اسعار النفط وهذا الأمر الذي كان مرغوبا لتقليل تلوث الجوّ بات يثير ضجّة استنكارية بسبب أثره على سعر الغذاء للفقراء في العالم.

 وتغطي الولايات المتحدّة 40% من صادرات الحبوب في العالم و60% من صادرات الذرة وقد خصصت هذا العام 25% من إنتاج الذرة لصناعة الوقود الحيوي، وفي البرازيل يتمّ تحويل الذرة وقصب السكّر لنفس الغاية وهناك 20 بلدا آخر يفعل ذلك بدرجة أقلّ.

 بعد غد الثلاثاء يلتقي زعماء العالم في روما لبحث أزمة الغذاء التي رفعت أسعار المنتجات الزراعية في الدول المتقدمة أيضا لكن أثرها أكثر خطورة على دول العالم الثالث حيث تصل موازنة الغذاء الى نصف دخل الأسرة وهي تهدد باضطرابات اجتماعية وسياسية وانتكاس جهود مكافحة الفقر. وحسب تصريحات رئيس البنك الدولي روبرت زوليك فإن مائة مليون إنسان إضافي سيدفعون الى الجوع، وقد أعلن عن تمويل من المنح والقروض قدره 1,2 بليون دولار، وسوف نرى أية اقتراحات أخرى سيخرج بها المؤتمر الذي تشارك به 151 دولة.

المساعدات والقروض المقترحة لا يمكن أن يكون هدفها الآن تمكين الدول من شراء الغذاء بل تيسير زراعته، ويقترح أن تنفق لشراء البذور وآلات الزراعة واستصلاح الأراضي . . الخ. والسؤال الآن هل يمكن ان نستفيد نحن أيضا من هذا المشروع وهل هناك جدوى للتوسع الزراعي؟

لقد كان الأثر عندنا لارتفاع أسعار الحبوب أكثر فداحة بسبب الاعتماد الكلّي على الخارج الى جانب رفع الدعم بالتزامن مع ارتفاع الأسعار. وذات يوم كان سعر طنّ القمح بتسعين دينارا في السوق وتشتريه الحكومة من المزارعين بمائة وعشرين لجعل الزراعة مجدية، والآن سعر الطنّ في السوق 400 دينار. ويفترض أن أسعار القمح والحبوب الراهنة تعيد الجدوى الاقتصادية للزراعة المحلية فهل هذه العودة ممكنة؟

مع الأسف فإن رقعة الأرض الزراعية الخصبة انحسرت كثيرا، وهناك مشكلة في توفير المياه وليس ممكنا الاعتماد على التوسع في زراعة الحبوب ما دامت تعتمد بالكامل على مياه الأمطار حيث تتوالى مواسم الجفاف.

 يبدو الآن وقد بات مجديا تماما العودة الى الزراعة فإن الأوان قد فات ولم تعد هذه العودة ممكنة!

على كل حال الخبراء يتوقعون أن موجه الارتفاع الحالي لن تكون قصيرة وسوف تتوالى لما يقلّ عن عقد من الزمن وهو ما يجعل التفكير بوسائل للتغلب على الصعوبات وزيادة حصّة استهلاكنا من إنتاجنا ضرورية وقد يكون ممكنا تطوير وسائل تكنولوجية للتغلب على شحّ الماء وتراجع الرقعة الزراعية.

jamil.nimri@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ابار ماء للمتنفذين (وصفي الهزاع)

    الأحد 1 حزيران / يونيو 2008.
    بصراحة نقولها، الحكومة هي العقبة في وجه المشاريع الزراعية ، أملك أرض قابلة للزراعة في المناطق الجنوبية لعمان ، لكن عدم سمح حفر ابار ارتوازية يمنعني من زراعتها لكلفة شراء الماء عن طريق التنكات ، مع اننا سمعنا أن الأردن يطفو على محيط مائي هائل ، والماء الجوفي وافر و غيرنا يستخدمه بكثرة...الحصول على رخصة بئر ارتوازي الآن شبه مستحيلة للمواطن العادي ، لماذا لا يسمحون لنا بذلك ، واذا سمحوا لك سوف يحاسبونك على العداد ، يعني عراقيل متوالية و الله يعين المواطن الاردني.
  • »استئجار أراضي في السودان لزراعة القمح وكافة أنواع الحبوب (د. عبدالله عقروق \فلوريدا)

    الأحد 1 حزيران / يونيو 2008.
    قال لي أحد المزارعين في السيعينات أن المزارع الآردني كالذي يلعب قمار مع السلطات اللاهية العليا .فهو دائما الخسران ..وذلك لشح المباه ، وانحباس الأمطار
    وطبعا ستبقى هذه بادرة لأمتناع المزارعون الاردنيون من زراعة اراضيهم خوفا من الخسارة.
    أنا اقترح من الدولة أن تستأجر اراضي في السودان وتزرع القمح ، وكافة انواع الحبوب التي يحتاجهخا الأردن كل عام لتغطي متطلبات الشعب ، وللمحافظة عل الأسعار .يعتبر الفلاح السوداني من خيرة مزارعي العالم ، والمياه متوفرو باستمرار
  • »للاجابه على سؤالك فقط!! (سهى)

    الأحد 1 حزيران / يونيو 2008.
    لا ليست مجدية بتاتا!!
    لانه مستلزمات الزراعة هي التي ارتفعت او قل توفرها!!
    الاراضي المستصلحة قلت
    الماء شح
    اسعار البذور ارتفعت
    اسعار السماد ارتفعت
    اسعار الحراثه والحصاد ارتفعت اضعاف
    اساليب الري ارتفعت "جراء ارتفاع الكهرباء والمحروقات"
    اختلاف الطقس وذيادة الظروف الجوية القاسية وكثرة حدوثها
    اسعار النقل اصبحت مستحيلة على المزارع "اجرة الديانا من الغور للجويدة اغلى من الخضرة الي حاملتها"

    لا يا سيدي
    الزراعة في الاردن مش مجدية
    الا اذا اعتبرت مسطبة نعنع متر في مترين هي مصدر دخل مرتفع!!!!